نكتة المصريين تحارب الواقع وتهز العروش

25/05/2016 - 11:54:28

تقرير: شيرين صبحي

 قبل اندلاع ثورة ٢٥ يناير وتخلص المصريين من حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كانت النكتة السياسية و»القفشات» الوسيلة الأنسب للشعب للتهوين على نفسه، والتخفيف من شعوره بالضغط.


كانت النكات وسيلة المصريين لمواجهة الواقع المأساوي. السخرية من الواقع وحال السياسة كان متنفسًا، فظهرت نكات عن مبارك وطول فترة بقائه في الحكم منها: «بيقولك واحد لقى الفانوس السحري ودعكه.. طلع له العفريت وقال له شبيك لبيك تطلب إيه.. قال: عايز كوبري بين القاهرة وأسوان. العفريت قال له: دي صعبة قوي نقي حاجة تانية. الرجل قال له خلاص خلي حسني مبارك يسيب الحكم. العفريت سأله: أنت عايز الكوبري رايح جاي ولا رايح بس؟».


السخرية والتندر لم تتوقف فى أثناء أيام الثورة الثمانية عشرة، إذ انتشر بين المتظاهرين نكتة «وهيحصل إيه لو انتصرنا على الحكومة ونجحت الثورة.. أكيد هنلعب مع تونس على النهائي». وفي فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي استمرت السخرية منذ ترشحه إلى الرئاسة ووصفه كثيرون بـ»الاستبن» وحتى طوال فترة حكمه التي استمرت عاماً واحداً .كره المصريون حكم مكتب الإرشاد، وأدركوا استحالة استمراره، فانتشرت نكتة «ذهب البرادعي إلى قصر الرئاسة وطلب مقابلة محمد مرسي، وقال له: لماذا لا نضع عبارة على علمنا الوطني مثل العراقيين الذين أضافوا كلمة «الله أكبر» والسعوديين الذين كتبوا «لا إله إلا الله»، فسأله مرسي وماذا تقترح أن نضيف ، فأجاب ا لبرادعى: « مفيش فايدة».


النكتة تفقد براءتها


النكات والسخرية التي قلت مؤخرًا، كانت دافعا للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ مساعد الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، لإجراء بحث عن «التغييرات المهمة جدا بعد الثورة في النكتة والسخرية بين المصريين»، خاصة أن النكتة التي كانت تُحكى بين اثنين وجها لوجه، صارت الآن مصورة بعدما أصبحنا نعيش في عالم افتراضي نستبدل فيه الكثير من الأشياء.


والنكتة قديما لم يكن من سماتها الحشد والتصنيف، لم يكن مهما أن يكون الشخص الذي يستمع إلى النكتة؛ مختلفاً عنك سياسيا أو دينيا، فقد كانت تحمل بعدا اجتماعيا حميميا، لكننا الآن أمام كم كبير جدا من النكت التي تقوم على حشد تيار ضد الآخر. وانتشرت النكات عن الحزب الوطني المنحل ورجال مبارك وولديه التي أطلقها الثوار سواء التي تتعلق بثروة الرئيس الأسبق الذي ثاروا عليه أو الفساد الذي ميز فترة حكمه، تلى ذلك خضوع مبارك للحكم ثم حصوله على البراءة، فكثرت النكات حول القضاء.


«جاءت مرحلة الإخوان وأصبحنا أمام فريقين، فإذا قال شخص غير إخواني نكتة ضد الإخوان بالطبع لن يضحك الأخير بل سيأخذ الأمر بحساسية وشكل شخصي،» كما يوضح «أبو الليل»، مضيفًا: فقدت النكتة جانبها التسامحي والفطري، لأننا نحاول تأكيد وجهة نظر التيار الذي ننتمي إليه والحشد ضد الفريق الآخر، وقديما كان الناس يجلسون ساعة أو اثنتين لمجرد أن التنكيت والرد على بعضهم البعض، لكن الآن صارت النكات تخلو من كل قيم النكتة القديمة، سواء براءتها أو عفويتها، وأصبح جزء كبير جدا منها نكتة افتراضية، وهذا يفقدها حيويتها، كما أصبحت تحمل لغة التنابز والسب والشتائم.


 مدرس الأدب الشعبي بجامعة القاهرة واصل حديثه بالقول: الآن الأمر مختلف بسبب الأوضاع السياسية، كما أن النكت الآن تريد أن تبين أكبر قدر ممكن من سلبيات «الفريق الثاني»، ويتم توظيفها لتغذية الاختلافات السياسية، فصارت مؤدلجة أى تتخذ الأيديولوجيا هدفا. بعد موضوع جزيرتي تيران وصنافير الذي أغضب الكثيرين، تم رسم مجموعة من السيدات يدققن «الهون» ويرددن كلمات «اسمع كلام أمك» التي تقال في سبوع المولود».


شعب يميل للهموم


«المصريون لم يعد لديهم ميل للنكتة، بسبب هموم الحياة الكثيرة والمتراكمة، هناك مناخ من الجدية والجهامة يفرض نفسه على المجتمع»، هذا ما يراه الكاتب الصحفي الكبير صلاح عيسى، أمين عام المجلس الأعلى للصحافة معتبرا النكات المنتشرة على النت وتتناقلها صفحات التواصل الاجتماعي ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة؛ ليست نكات حقيقية بل مصطنعة، لأن النكتة جزء من إنتاج الجماعة المصرية تتداوله شفاهة، أما المنتشرة على صفحات النت فيصنعها محترفون، تعبر عن آراء فئات معارضة، أو أجهزة تتولى الترويج لها. منها بعض النكات ربما تكون مستنسخة قيلت في زمن آخر.


لا يظن عيسى أن هناك نكاتاً تعبر عن رأي عام للشعب، بل إن المصريين في مناخ لا يسمح لهم بالنكتة، وأنها تحولت لتصبح مثل رسوم الكاريكاتير عكس النكتة التي تنتقل شفاهة. النكتة كانت أشبه بالموال، لكن كلما انتشرت وسائل الاتصال فقدت طابعها الفلكلوري.


النكتة في أساسها مجهولة المؤلف أو اشترك في تأليفها أكثر من شخص، ثم انتقلت شفاهة لتصبح جزءا من الآراء المنشورة ولا تعبر عن رأي الشعب. يقول عيسى: «ما مضى من عهد السيسي لا يسمح بتأليف نكات عنه، ومن يسخرون هم من الفئات التي ناصبها النظام العداء أو تتصور أنه انتزع منها السلطة، وهم عادة ليس لهم في التنكيت ولا استخدام هذا النوع من السلاح، بل في استخدام الرصاص»
ويضيف الكاتب: المصريون يعيشون في تناقض، كل من يدرس شخصية المصريين يتوقف عند ميلهم للتراجيديا حتى في فنهم. الشاعر نجيب سرور يقول «إيه حكاية الموت معانا»، فحزن المصريين ظاهرة لا تقل وضوحا عن ميلهم للنكتة والسخرية. الآن فقد المصريون جزءا كبيرا من البهجة نتيجة الظروف الصعبة والإرهاب، فأصبح هناك ميل أكثر لعدم التنكيت، مشيرًا إلى أن «الفكرة الأساسية في النكتة السياسية هى إفقاد المستبد هيبته، فالنكتة تسخر من الديكتاتور وتكسر هيبته وتحطم الصنم. وقد ارتبطت النكتة بجلسات السمر، ويعتبر أولاد البلد هم الأب الشرعي للنكتة المصرية، التي يصنعها حجم الهم الذى يعانيه الشعب، والظروف الاجتماعية والسياسية التي يمرون بها، وهى تشكل العبقرية الجمعية للشعب المصري، مشيرا إلى وجود ارتباط بين استبداد الحاكم وقوة النكتة ودرجة حدتها».


«حكم على مواطن ضبطوه يصرخ في الشارع: الله يخرب بيتك يا عبد القادر ، بالسجن ستة أشهر، ثلاثة لأنه يسب رئيسه وثلاثة لأنه غلط في اسمه!».. هكذا ينكت المصريون على الرؤساء، وهى نكتة تبدو مناسبة في كل العهود والأزمان، إنها السخرية من السلطة، ومحاولة لكسر هيبة الحاكم أو الديكتاتور. 


ويمضي صلاح عيسى بالإشارة إلى الماضي، بالقول: النكتة نوع من العدوان لم تختلف في التاريخ المصري مطلقا، ازدادت في عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.. تقول النكتة إن (عبد الناصر ضاع منه قلم الحبر فطلب من زكريا محيي الدين البحث عنه ثم وجده، فقال لقد وجدته، فرد زكريا: إزاي إحنا مسكنا ستة واعترفوا).. مضمون النكتة يخبرك أن هناك حكما بوليسيا ورجالا تعترف تحت التعذيب. بالطبع من قام بتأليفها لم يكن رجلا سعيدا أو رائق البال، بل هى تعبير عن الكبت ومقاومة للسلطة. تقول نكتة (أحد الأشخاص ذهب يشتري فرخة فسأله البائع هل تريد فراخا كبيرة أم متوسطة، قال متوسطة، فقال له «امش في هذا الاتجاه، وهناك سألوه هل تريدها مشوية ولا مسلوقة، وتكررت الأسئلة وفي النهاية قالوا له الفرن مش شغال لكن إيه رأيك في النظام؟!)


السخرية.. أساسية


«السخرية مكون أساسي في حياة الشعب المصري سواء في عهود الرخاء أو الشدة والحروب»، كما يقول الكاتب الساخر محمد فتحي، موضحا: عبد الناصر بعد ١٩٦٧ كان يطلب في خطبه أن يكف الشعب عن السخرية من الجيش والجنود، وفي الفترة الأولى من حكم السادات كانت هناك نكات تسخر من عدم اتخاذه قرار الحرب، وعندما أخذ القرار كفت السخرية ولم تعد إلا مع القرارات المستفزة للناس. ويروى أنه كان يسمع النكتة ويحكيها لزوجته جيهان، منها أنه كان يطلب منها وهو خارج كل يوم أن تعطيه «العصاية والزبيبة»، حيث قدم نفسه في فترة باعتباره الرئيس المؤمن، وعندما تمكن السادات من استرجاع سيناء، لم يتوقف الشعب عن إطلاق النكات بالرغم من فرحه بهذا الانتصار، ومنها أن عبد الناصر زار أنور فى المنام فقال له السادات: أبشر يا جمال فقد عبرنا القناة وحطمنا خط بارليف، فسر جمال وقال: دى حاجة ترد الروح، فانزعج السادات وقال: استنى ما بعد كده جت الثغرة.


ويتابع الكاتب الساخر: في عهد مبارك مرت النكتة بأكثر من شيء، منها أمور لها علاقة بالشكل والفهم، فشبهوه بالبقرة الضاحكة، ونكت أخرى لها علاقة بفساد ابنيه علاء وجمال. مثل الصورة التي تحكي عن واحد مسطول يجلس على مقهى به ثلاث صور لرؤساء مصر، سأل صاحب المقهى: صور مين دي؟ رد عليه: الصورة الأولى جمال عبدالناصر صاحب قرار تأميم شركة قناة السويس واللي طرد الإنجليز من مصر، الصورة الثانية أنورالسادات صاحب نصر أكتوبر العظيم، الصورة الأخيرة دي صورة أبوعلاء شريكي في القهوة.. وفي عهد الإخوان خرجت نكتة عن شائعات توزيع الزيت والسكر على الناخبين فى كل انتخابات تقول: «واحد راح يخبط على باب جاره الإخواني، وهو يردد: والنبي عاوز معلقتين سكر وشاي وتبقوا تخصموهم من أى انتخابات جاية!».


«السخرية الآن أصبحت جزءا من المعركة السياسية»، هكذا يؤكد الكاتب الساخر، مضيفا: قادر على دحر السخرية منه، واستيعاب الساخرين أو تجاهلهم أفضل من اعتبار الأمر إهانة أو الفتك بهم، وبالتالي يقل تأثير السخرية على الرؤساء. نابليون بونابرت في البلاد التي كان يحتلها يتعامل مع الساخرين منه أو رسامي الكاريكاتير باعتبارهم مجرمي حرب».