١٠٠ عام على «سايكس بيكو» (٢/٣) مبادرة بوش الأبن.. «الشرق الأوسط الكبيــر»

25/05/2016 - 11:41:41

أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكى المصرى وكاتب سياسى

خطوة فى سياق: “مبادرة الشرق الأوسط الكبير”، التى قدمتها الإدارة الأمريكية، وعٌرضت بعد إعدادها على مجموعة الثمانية الكبار فى اجتماعهم بجورجيا (فى ٨- ١٠ يونيو ٢٠٠٤)، حيث تم إقرارها تحت مسمى «الشرق الأوسط الموسّع»، ثم عُرضت فى القمة الأوربية الأمريكية ( ٢٣- ٢٤ يونيو ٢٠٠٤)، قبل أن تقر بصفة نهائية فى اجتماع قمة «حلف شمال الأطلنطى”، (٢٨- ٢٩ يونيو ٢٠٠٤)، حيث تم تكليف الحلف بتنفيذها من خلال فعاليات عديدة، منها «مبادرة إسطنبول للسلام» و «الحوار الأطلنطى – المتوسطى” وغيرهـا، لا يمكن النظر إليها دون أن نضعها فى سياقها الطبيعى ضمن مسار تطور السياسة الأمريكية الخارجية، فى أعقاب سقوط «الاتحاد السوفيتى» السابق، ودول «الكتلة الاشتراكية”، وصعود الولايات المتحدة إلى سدة القيادة العالمية، منفردةً، باعتبارها صاحبة الاقتصاد الأكبر، والقوة العسكرية الأضخم، على مر التاريخ الإنسانى كله، وتبلور النزعة الإمبريالية الإمبراطورية الأمريكية، التى ترى أن الظروف الراهنة مواتية للهيمنة الأمريكية على مقاليد الكون دون منافسة تذكر، أو مقاومة يعتد بها!.


وقف خلف هذه المبادرة، وكذلك خلف مجمل السياسات الإستراتيجية للولايات المتحدة، فى تلك الفترة، مجموعة اليمين الأمريكى المحافظ الجديد، التى تضم عدداً كبيراً من اليهود، من غلاة الصهاينة الليكوديين. إنهم على حد وصف «جيم لوب”: “ليسوا حركة جماهيرية، بل عشيرة صغيرة متماسكة، يتزاوجون ويتواصلون داخل إدارة بوش، وخارجها، وقد استطاعوا السيطرة على جزءٍ كبيرٍ من السياسة الخارجية، خصوصاً على كل ما له علاقة بالشرق الأوسط والعرب وإسرائيل”، وأبرز الأسماء – فى هذه المجموعة – «جيمس وولزى”، (رئيس وكالة المخابرات المركزية ( C.I.A. ) الأسبق)، “إبراهام فولسكى»، (مدير مكتب المهمات الخاصة بوزارة الدفاع)، و»ريتشارد بيرل» (الذى اشتهر باسم «أمير الظلام»!)، و»دوجلاس فايث»، (وكيل وزارة الدفاع لشئون السياسة)، والزوجان: «ديفيد وميراف وورمرز»، و«إيليوت كوهن» (أستاذ الدراسات الإستراتيجية فى مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة)، وغيرهم... وتنتشر أفكار هذه المجموعة فى العديد من مراكز البحوث وصياغة الأفكار الأمريكية مثل: «مركز دراسات السياسة”، «ومعهد أمريكان إنتربرايز”، «ومنتدى الشرق الأوسط”، “ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، و”المعهد اليهودى لشئون الأمن القومى”، و”معهد هدسون”، و”ومعهد أبحاث ميديا الشرق الأوسط” (ميمرى)، “ومجلس سياسات الدفاع”، وغيرها.


ويعود تاريخ نشأة هذه المجموعة إلى نحو أكثر من ربع القرن، حيث
تجمعوا عقب الانتخابات الأمريكية التى فاز بها الرئيس جيمى كارتر عام ١٩٧٧، بعد أن اعتبروها «كارثة” بالنسة لأمريكا، مشكلين «لجنة الخطر الماثل”، التى ضمت، آنذاك، «كيرك باتريك» (ممثلة أمريكا فى الأمم المتحدة)، و”ريتشارد بيرل”، و”كن ولمان” (مدير وكالة نزع السلاح)، و”إيليوت إبرامز” (مساعد وزير الخارجية لحقوق الإنسان)، وقد ساند عناصر هذه المجموعة «رونالد ريجان”، الرئيس الأمريكى الأسبق، الذى كان وصوله إلى قمة السلطة فى أوائل الثمانينات إعلاناً بتصاعد نفوذ اليمين الأمريكى المحافظ، وهو الذى صَعّدَ سباق التسلح، وصك شعار «إمبراطورية الشر» لوصف الاتحاد السوفيتى، معجلاً بالظروف التى أدت إلى انهياره بعد أقل من عقد واحد.


مخطط للهيمنة الكونية:


وطورت مجموعة اليمين الأمريكى المحافظ الجديد مخططها الإستراتيجى عبرعدد من المؤسسات التى بلورت عدداً من الوثائق المتكاملة، من أبرزها:


(أ) توجيه مخطط الدفاع (١٩٩٢):


الذى صاغه «بول وولفوفيتز» و»ليبى لويس”، لوزير الدفاع آنذاك “ديك تشينى”، نائب الرئيس الأمريكى بعدها، ودوره فى حرب العدوان على العراق غير خاف، وهذه الوثيقة تشدد على ضرورة تحقيق الهيمنة الأمريكية العسكرية الطاغية، وتروج لمبدأ الاستخدام الاستباقى للقوة، وهو ما عُرف فيما بعد بـ»مبدأ أو مذهب بوش».


( ب ) وثيقة “الانفصال الكامل” (١٩٩٦):


وهى دراسة أعدها فريق يهودى أمريكى ضم «ريتشارد بيرل”، و”دوجلاس فايث”، والزوجان “ديفيد وميراف وورمز”، وجميعهم من أعضاء اليمين الأمريكى المحافظ الجديد وأبرز مفكريها.


وقد قدمت هذه الوثيقة عام ١٩٩٦ إلى «بنيامين نتياهو”، رئيس الوزراء الصهيونى المنتخب آنذاك، لعرض مجموعة السياسات الجديدة المقترح أن تتبناها حكومته، قاطعةً الصلة بمنهج السعى (ولو بالشكل) لتسوية الصراع العربى الإسرائيلى برمته؛ وقد دعت وثيقة «الانفصال الكامل» إلى «إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط”، (وهو ما أصبح السياسة الرسمية للرئيس الأمريكى «جورج بوش» الابن، فى أعقاب أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١)، كما طرحت مجموعة من الأفكار التى تبنتها الإدارة الأمريكية بالكامل فيما بعد، مثل ضرورة العمل من أجل إسقاط نظام الرئيس العراقى السابق «صدام حسين»، والمطاردة الصارمة للفلسطينيين (سياسة «شارون» آنذاك)، والضغط على سوريا.. إلخ.


( جـ ) مشروع القرن الأمريكى الجديد (١٩٩٧):


وهو مؤسسة أبحاث وتصميم للإستراتيجيات العليا، أ ُنشئت عام ١٩٩٧، وقدمت مجموعة من الدراسات والمفاهيم التى تروج لأفكار المحافظين الأمريكيين الجدد، مثل الدعوة إلى ضرب العراق والإطاحة بنظام «صدام حسين»، وضرورة زيادة الإنفاق الدفاعى للولايات المتحدة، والعمل على تحدى الأنظمة المعادية للمصالح الأمريكية.. والدعم المطلق للدولة الصهيونية انطلاقاً من تلاقى المصالح الإستراتيجية.. إلخ، وقد وصف «جيم لوب”، الكاتب والصحفى الأمريكى القائمين على أمر هذا المشروع، بأنهم «تحالف من المحافظين الجدد والجمهوريين واليمينيين واليمين المسيحى، يُحَرِّضُ «بوش» على انتهاج «سياسة استعمار جديد!”، “وقد انتقل عدد كبير من المحافظين الجدد فى «مشروع القرن الأمريكى الجديد” إلى مناصب فى الإدارة، ينفذون فيها أفكارهم عملياً” .


(د) الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومى (سبتمبر ٢٠٠٢):


وإذا كانت الوثائق السابقة لا تمثل إطاراً رسمياً للسياسة الخارجية الأمريكية، على الرغم من انتماء أغلب واضعيها إلى مجموعة الإدارة الأمريكية فى عهد الرئيس بوش، إلاّ أن بصمة مجموعة اليمين الأمريكى المحافظ الجديد، تبدو واضحة كل الوضوح فى أهم وأخطر وثائق الإستراتيجية السياسية الخارجية للولايات المتحدة، والتى أعلنها الرئيس بوش بنفسه، فى الذكرى الأولى لأحداث سبتمبر ٢٠٠١، تحت مسمى «الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومى” التى وصفها البعض باعتبارها: «إعلاناً إمبراطورياً أمريكياً، يفتح الستار – رسمياً – عن بداية حكم الإمبراطورية الأمريكية للعالم”.


انقلاب إستراتيجى!:


تشكل هذه الوثيقة انقلاباً جذرياً على مجمل قواعد القانون الدولى، المستقرة عالمياً، منذ نهاية حرب الثلاثين عاماً وتوقيع اتفاقية «ويستفاليا” عام ١٦٤٨، والتى اعترفت بالسياسة المطلقة للدولة، وبالمساواة القانونية للدول، باعتبار ذلك أساساً للنظام الدولى، وتكرس وثيقة «الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومى” -بديلاً عن هذه المبادئ - الحق المطلق للولايات المتحدة، منفردةً، فى الإطاحة بأى، وكل، نظام أو دولة، تمثل خطراً مستقبلياً محتملاً (!)، وُتشِّرعُ لسياسة «الضربات الاستباقية» أو «الاجهاضية» على إنقاض سياسات «الاحتواء» و»الردع” التى حكمت التوازن الدولى طوال مرحلة الحرب الباردة، وتعتبر الوثيقة أن الحرب ضد «الإرهاب” هى حرب مفتوحة فى الزمان والمكان والمدى: «إن الولايات المتحدة الأمريكية تخوض حرباً ضد الإرهابيين على الصعيد الكونى. إن العدو ليس نظاماً سياسياً منفرداً، وليس شخصاً، وليس ديناً، وليست أيديولوجية، إن العدو هو «الإرهاب»، والذى هو العنف عن سبق إصرار وترصد، والذى توجهه دوافع سياسية، وموجّه ً ضد الأبرياء»!.


ومعنى هذا الأمر - بكل بساطة - إن إدارة الرئيس الأمريكى «جورج بوش الابن”، التى تجاهلت دور أمريكا المباشر فى صناعة ونشر الإرهاب فى أنحاء العالم كله، (مثلما حدث فى صناعة تنظيم «القاعدة» ومن بعد «تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام - داعش)، والتى اختطفت جماعة اليمين الأمريكى المحافظ الجديد سياستها الخارجية، قد اتجهت بها إلى مجال التصعيد الدائم، المبنى على فرض المصالح الإستراتيجية الأمريكية العليا كأولوية للعالم أجمع، وفى المقدمة منها السيطرة على احتياطات النفط العالمى، والعربى أساساً، وحماية وضمانة أمن وتفوق الدولة الصهيونية، حتى ولو اقتضى الأمر دفع العالم كله إلى تخوم الانفجار والفوضى، وانعدام الأمن والاستقرار، على النحو الذى نراه متجسداً فى السياسة الأمريكية الخارجية، وانعكاساتها بالغة الخطر، فى منطقتنا العربية، والإقليم المحيط، فى الوقت الراهن.


تغيير خرائط المنطقة:


ووسط حملة ترويع غير مسبوقة، شملت شن حربين واسعتين تبعهما احتلال دولتين: إحداهما إسلامية والأخرى عربية (أفغانستان والعراق)، وتصعيد لا نهاية له فى وتيرة «إرهاب الدولة” الصهيونية، فى مواجهة أبناء شعب فلسطين، وحملة تلفيق وتزوير استُخدمت فيها «الميديا” الأمريكية والغربية على أوسع نطاق، اتُهمت المنطقة العربية، والثقافة العربية - الإسلامية، بالمسئولية المباشرة عن «تفريخ ما يسمى بـ»ظاهرة الإرهاب” العالمى، وتشكيل «بيئة حاضنة” لنمو أعمال العنف الموجهة إلى المصالح الأنجلو- أمريكية، فى العالم أجمع؛ وفى ظل حديث واضح من المسئولين الأمريكيين الأساسيين، وفى مقدمتهم الرئيس «جورج بوش» شخصياً، وديك تشينى (نائب الرئيس)، «ودونالد رامسفيلد”، (وزير الحرب)، وكونداليزا رايس (مستشارة الأمن القومى)، وغيرهم، حول «إعادة رسم خرائط المنطقة”، وخطط مجهزة للضغط على دول عربية وإسلامية، مثل سوريا وإيران والمملكة العربية السعودية، ومصر كذلك، طرحت الإدارة الأمريكية، (فى منتصف شهر مارس ٢٠٠٤ )، مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، الذى سبقه، وأعقبه مشاريع أخرى (غربية /عربية) استهدفت جميعها «إصلاح” الأحوال فى بلادنا!، ومنها: «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط”، (ديسمبر ٢٠٠٢)، “واقتراح بوش لمنطقة التجارة الحرة مع الشرق الأوسط خلال عشر سنوات”، (مايو ٢٠٠٣)، ومشروع «الشراكة بعيداً عن الحلول الجاهزة”، الذى قدمه وزير الخارجية الفرنسى «دومينيك دوفيلبان”، (فبراير ٢٠٠٤)، والمشروع الفرنسى الألمانى: «من أجـل مستقبل مشترك مع الشرق الأوسط” (مارس٢٠٠٤)، وثيقة» مؤْتمر: قضايا الإصلاح العربى: الرؤية والتنفيذ !”، التى عرفت بـ»وثيقة الإسكندرية”، (مارس ٢٠٠٤) وأخيرا ً وليس آخراً «مبادرة جماعة الإخوان المسلمين” بمصر، تجاوباً مع النغمة السائدة (مارس ٢٠٠٤)!.


الهدف الحقيقى!:


إن جوهر مشروع «الشرق الوسط الكبير»، فى واقع الحال، لم يكن يبتغى مصلحة منطقتنا كما زعم الطرف الأمريكى لأهداف لا تخفى، وتشير المعلومات المنشورة إلى أن فكرة المشروع الأمريكى وُلدت من رحم دراسة وضعها «الثنائى الخطر» فى إدارة جورج بوش، «ريتشارد بيرل» و»دوجلاس فياث»، [من عتاة الصهاينة الليكوديين فى جماعة المحافظين الجدد الأمريكيين]، تحت عنوان: «إستراتيجية جديدة تضمن أمن إسرائيل”، وهى دراسة تدعو إلى التخلى عن «اتفاق أوسلو”، واحترام «حقوق اليهود فى دولة إسرائيل الكبرى»!، كما تشير الدراسة إلى ضرورة ربط المصالح الأمريكية فى منطقة الشرق الوسط والخليج بالإستراتيجية الإسرائيلية، (وقد تعززت هذه الفكرة بعد أحداث ١١ سبتمبر)، وأصبحت سياسة معتمدة فى ظل العلاقات المتميزة للثنائى: «بوش – شارون”!. والمبادرة [التى لم يؤخذ فيها رأى «المفعول به” الأساسى، وهم العرب] لا تبدو، معنية من قريب أو بعيد، بالإشارة إلى السبب الرئيسى فى تدهور أحوال منطقتنا على امتداد العقود الخمسة الأخيرة، وهو اغتصاب فلسطين من ِقبل العصابات الصهيونية، وجر المنطقة إلى حروب استنزافية لتعويق مسيرة تقدمها، ولضرب كل محاولات التطور والتحديث فيها، كما لا تشير مطلقا إلى العدوان على الشعب العراقى، واحتلال العراق باعتباره أحد الأسباب الجوهرية لتصاعد موجات الكراهية للسياسية الأمريكية فى بلادنا، إضافة إلى التطابق الكلى بين المنهجين الأمريكى والإسرائيلي، الذى جسده – بصورة جلية – ما أصبح يطلق عليه اسم «وعد بوش”، المتضمن اعترافاً أمريكياً صريحاً لإسرائيل بحقها فى تغيير الخرائط وتجاوز القرارات الدولية الخاصة بالعودة إلى حدود ١٩٦٧، وتدمير فرص عودة اللاجئين، وإزالة المستوطنات.. إلخ (أبريل ٢٠٠٤).


وأكثر من ذلك، فإن المشروع الأمريكى يبدو كنوع من الالتفاف على مطلب حل القضية الفلسطينية كمدخل (مقبول دولياً ورسمياً) لـ(دمج) إسرائيل فى المنطقة، وهو الأمر الذى ارتضته الأنظمة العربية وتبنته جماعياً، حيث أعلن «مارك جروسمان”، مساعد وزير الخارجية الأمريكى، فى زيارته للمنطقة، (مارس ٢٠٠٤)، أنه «من الصعب انتظار إحلال سلام شامل فى المنطقة من أجل الإصلاح”، مكرراً تصريحات نائب الرئيس الأمريكى، “ديك تشينى”، فى «منتدى دافوس»، من أن «نشر الديمقراطية فى أوربا الغربية، بعد الحرب العالمية الثانية، كان شرطاً للسلام والرخاء»!، أى أن المشروع يكافئ إسرائيل على احتلالها وعدوانها وهمجيتها، ليس فقط «بإحياء مشروعات التعاون الإقليمى مع إسرائيل، وهى تحتل بلداًعربياً، وأراض من بلدين آخرين، وتدمر وتهدد بلداناً أخرى، ولكن أيضاً بإحياء مفهوم صهيونى قديم للشرق الأوسط، يوسع نطاقه على نحو يجعل من الأمة العربية أقلية فيه، ويطمس الطابع الحضارى الثقافى للمنطقة العربية (١٢)، ويفرض «التطبيع الكامل” مع دولة العدو الصهيونى، قبل كل شىء، ذلك أنه وبحسب مسئولين أمريكيين: «ينبغى على الدول العربية الراغبة فى الانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا، أن تلغى جميع أشكال المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل”!، وبدون قيد أو شرط! .


المُعلم والتلميذ!:


واللافت كذلك أن المشروع الذى يستهدف إذابة الهوية العربية التاريخية فى هوية، (شرق أوسطية ملفقة)!، محورها إسرائيل، وتضم قوميات أخرى متباينة، بل ومتصارعة، يتبنى كذلك مفهوماً عنصرياً مؤداة أن جماع الثقافة العربية والإسلامية فاسد ُ وبحاجة إلى التغيير، بكليتة وبدون تمييز، «وهو مفهوم عنصرى بكل المعايير، ولو أدننا الثقافة العربية الإسلامية لأن بضعة أفراد أو تنظيمات عربية أو إسلامية اعتنقت فكرا ًمتطرفاً، ومارست الإرهاب، لكان علينا أن ندين الفكر الغربى بكامله، والذى أنتج النازية والفاشية، وألحق الخراب بالعالم”.


وهذه النظرة العنصرية المتعالية، قد شدت انتباه «زبينجو بريزنسكى”، مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق، الذى رأى أن هذه المبادرة تعطى أمريكا وإسرائيل «دور المعلم الذى يدرب التلميذ كيف يصبح حراً وديمقراطياً!”، وهو أمر غير معقول بالطبع! (١٥). وفى مقابل تقزيم المساحة الجغرافية وإهدار البعد التاريخى الثقافى للمنطقة العربية، يتم فرض إسرائيل فى موقع «المحور»، أو «القاعدة الإستراتيجية”، حيث الاستعدادات الأطلسية جارية لاعتماد إسرائيل قاعدة مساندة لقوات حلف الأطلسى فى الشرق الأوسط، استكمالاً لترتيبات التحالف الإستراتيجى الأمريكى - الإسرائيلى منذ العام ١٩٨٢” (١٦).


تناقض عضوى!:


والمدهش أن التناقض الكامن فى المشروع الأمريكى يفضح هشاشته؛ فهل تقبل الولايات الأمريكية ديمقراطية حقة فى المنطقة العربية، تضع على مقاعد السلطة قوى ً معادية لمصالحها، بمقتضى هذه المبادرة التى تستهدف حماية هذه المصالح ذاتها؟! وهو سؤال منطقى: «فماذا لو قادت الحرية والديمقراطية إلى وصول قوى معادية للمصالح الأمريكية للسلطة فى بلادنا؟!، ومنذ متى كانت الولايات المتحدة تنتصر لديمقراطية الشعوب وحريات الأوطان؟!، ومن الذى ساهم فى الانقلاب على سلطة المناضل الاشتراكى “سلفادور الليندى» فى تشيلى، أوائل السبعينيات؟!، ومن دعم الديكتاتوريات الحاكمة فى العالم وبلادنا؟!، ومن الذى تغاضى عن كل سوءات انتهاك حقوق الإنسان فى عالمنا العربى، والمنطقة، بل والعالم، طوال العقود الماضية ما دامت المصالح مستقرة، والمكاسب مضمونة؟!.


هذه الأسئلة المنطقية (المشروعة!) وغيرها، تطرح نفسها بقوة، فى مواجهة المشروع الأمريكى لـ”الشرق الأوسط الكبير”، خاصةً أن «النموذج التطبيقى”، الذى قدمته الولايات المتحدة كـ»موديل» لمبادرة «دمقرطة” دول المنطقة، وهو العراق، (الحر الديمقراطى المتقدم!)، كما أشاعت الإدارة الأمريكية، قد انتهى إلى فوضى وخراب، وصدام دام متصاعد بين قوى الاحتلال والقوى الشعبية، جعلت من العراق “فيتنام بوش”، كما وصفت آنذاك!. وإذا كان ما تقدم يعنى رفضنا المبدئى لفرض عمليات إصلاح شكلى، من الخارج، لا تخدم سوى مصالح الحلف الإستراتيجى الأمريكى - الإسرائيلي، وعلى حساب الهوية والمصلحة الوطنية والقومية، فإن واقع الحال يفرض الاعتراف بأن العالم العربى بأكمله، من محيطة إلى خليجه، بحاجة ماسة لعملية إصلاح حقيقى، تنبنى على خريطة المصالح الذاتية، وفى سياق تطوير ثقافى نابع من البيئة الإقليمية، وتستهدف خير ومصلحة الوطن والشعب، وتعتمد على المقومات الداخلية لجماهيرنا، وعلى الحاجات الموضوعية لبلادنا.


«الشرق الأوسط الجديد»


مشروع «كونداليزا رايس»


ينبغى رؤية المشروع الأمريكى لما يسمى بـ»الشرق الأوسط الجديد”، فى إطار هذا المنظور التاريخى مع إدراك مجموعة التبدلات الموضوعية التى جرت عليه، وأهمها:


أولا: تراجع (الضغوط) الأمريكية التى رفعتها مع بدايات عام ٢٠٠٥، تحت شعارات «الإصلاح الديمقراطى” فى المنطقة وطالبت النظم العربية الالتزام بها، بموجب تصور أن البيئة العربية الاستبدادية القائمة، تشكل ظرفاً مناسباً لتوليد ما أسمته «الإرهاب»، وفى إطار الاعتراف بالتعاون الكامل، على امتداد الستين عاماً الماضية، مع النظم التسلطية العربية، الأمر الذى أدى لتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية فى المجتمعات العربية، وهيأ الظروف لانتعاش «الأصولية»، وتهديد المخططات والمصالح الأمريكية فى المنطقة.


ثانيا: بروز دور التيارات الإسلامية السياسية (“حماس” فى فلسطين، «الإخوان» فى مصر، و”حزب الله” فى لبنان)، مع نمو نفوذها فى العراق والسودان والصومال، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تحسم أمرها بالانحياز لبقاء النظم «الصديقة»، (التابعة) الحاكمة، مهما كانت نقائصها وموبقاتها، حتى تضمن الحفاظ على مصالحها الكبيرة التى تحققت - عبرها - فى منطقتنا، وحتى تكتمل التجهيزات والاتصالات اللازمة للتواصل العميق مع من يمكن التواصل معه من هذه التكوينات الدينية!.


ثالثا: الضغوط الإسرائيلية التى عملت لصالح بعض النظم العربية الحاكمة، وقت طرح المشروع، وبالذات نظام الرئيس «مبارك» السابق فى مصر، باعتبار أن هذه النظم تمثل سياجاً حامياً أمام أية تغييرات دراماتيكية، تدفع بقوى معادية للنهج الأمريكى إلى قمة السلطة؛ خاصة أن هذه النظم قد أبدت استعدادات واضحة لتقديم كل ما يطلب منها بشأن حماية مصالح أمريكا وإسرائيل فى المنطقة، الأمر الذى تبدى - بوضوح - فى الموقف من العدوان الصهيونى الهمجى على لبنان عام ٢٠٠٦، واجتماع كلمة أغلب هذه النظم على إدانة حزب الله(!).


لكن الأمر الذى كان جديداً، فى مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذى أعلنته «كونداليزا رايس»، وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق، هو توقيت إعلانه وظرفه ومكان الإعلان، فاللافت فى الأمر أنه أعلن عشية حرب تدمير لبنان، فى زيارة وزيرة الخاريجية الأمريكية لإسرائيل، وفى مؤتمر صحفى مع رئيس الوزراء الصهيونى “إيهود ألمرت”، يوم ٢٥ يوليو (تموز) ٢٠٠٦، حيث صرّحت: «لقد حان الوقت لظهور شرق أوسط جديد مسالم وديمقراطى. سيكون مكاناً يحظى بسلام دائم ويجب أن يستند إلى مبادئ دائمة وليس إلى حلول مؤقتة!”، مع التأكيد على رفض موافقة الولايات المتحدة الأمريكية إيقاف القصف الإسرائيلى الوحشى للمدنيين اللبنانيين، وللبنية الأساسية اللبنانية، الأمر الذى يتضمن عدة رسائل متداخلة ذات دلالة، لا تخفى على لبيب، منها:


١- الفرق بين “الشرق الأوسط الجديد” الطبعة البيريزية، و»الشرق الأوسط الكبير” أو “الموسع”، طبعة بوش، و”الشرق الأوسط الجديد”، طبعة «كوندى»!، أن الأول كان يعتمد الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية كأداة لفرض الإرادة الإسرائيلية، أما الثانى فكان يعتمد التدخل الأمريكى الغربي، بالقوة “الخشنة” و”اللينة” لتحقيقه، أما الثالث فهو يعتمد «التدمير المنظم” أو “الفوضى الخلاقة” أو «المُدَمّرة”، وبالقوة الإسرائيلية الباطشة، فى المقام الأول، لفرضه، بالعنف والقهر، مع تحييد معظم النظم العربية، بالتهديد الصريح، والابتزاز الواضح.


٢- اختفت تماما فى صيغة “كونداليزا رايس» لـ»الشرق الأوسط الجديد» أى وعود بالرخاء الاقتصادى أو مزاعم بتوفير الحريات وتطبيق الديمقراطية، واستُبدلت استبدالاً فجّاً، ببديل دموى وحشى وهو الخراب والدم والقتل والترويع، على نحو ما فعلنه آلة الحرب الإسرائيلية الهائجة فى فلسطين ولبنان، وآلة الحرب الهمجية الأمريكية فى العراق.


ويحوى هذا التوجه إنذارا قاطعا لكل من تسول له نفسه الاعتراض أو إبداء أى قدر من الرفض،... فالمصير واضح والنهاية معروفة!.


إن إنجاز هذا المشروع العنيف لتغيير ملامح المنطقة العربية ومحيطها الجيو سياسى، وبما يحقق الهيمنة الأمريكية والصهيونية، وعن طريق استخدام العنف والقوة المفرطة، وفى إطار الخلط المصطنع بين مفهومى “الإرهاب” و”المقاومة”، وكذلك فى ظل الحملة الأمريكية والغربية المسعورة على ما أسماه الرئيس الأمريكى “جورج بوش”: “الفاشية الإسلامية” سيستغرق سنوات طويلة قادمة، قد تطول إلى نحو عقد كامل من السنين أو أكثر، حسبما أشار الرئيس الأمريكى بإعلانه: «إن الولايات المتحدة ربما تظل فى قتال مع (الإرهابيين) لسنوات قادمة.. لأن الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد مجموعة من الأشخاص المتطرفين الذين تربطهم أيديولوجية ولديهم إراده لاستخدام الإرهاب لتحقيق أهدافهم”.


والأخطر فى هذه المشروعات المريبة، التى تطرح فى لحظة تاريخية بالغة الحرج لمنطقتنا وأمتنا العربية أنها لا تستهدف تغيير الأنظمة, أو الخرائط, أو الحدود, أو التكوين الديموغرافى لدول المنطقة وحسب, وإنما تستهدف فى الأساس «تغيير القيم, لأننا لا نريد نظام طالبان جديداً أو صدام حسين آخر, ولأنه من غير الممكن القضاء على الفكر المتطرف من خلال سجن أو قتل أصحابه (فقط)... بل علينا القضاء على الفكر من جذوره”!, على حد تعبير رئيس الوزراء البريطانى تونى بلير.


٣- وعلى عكس موجة الاحتجاجات، المعلنة والخفية، التى واجهت مشروعى «الشرق الأوسط الجديد” البيريزي، و”الشرق الأوسط الكبير” الذى قدمه جورج بوش، أتى مشروع «الشرق الأوسط الجديد” الذى قدمته “رايس” فى ظروف ألجمت معظم النظم العربية وأعجزتها، لا عن مجرد الاحتجاج أو إبداء أى قدر من الاعتراض، وإنما حتى عن التملص من إلزامها بإدانة جميع أشكال المقاومة العربية، و التنصل من التهجم على القوى الرافضة لهذا المسار.


وبذلك، فالذى ظهر واضحاً، أن هذه التطورات الخطيرة كانت تشير إلى أن المنطقة تندفع اندفاعاً حثيثاً باتجاه مصير بالغ السوء، يساهم فيه النظام العربى المهترئ، بانصياع معظم أنظمته الذليل للإرادة الصهيو - أمريكية، وبقمعها السادى لشعوبها، بنصيب وافر!.


وأعاد طرح مشروع «الشرق الأوسط الجديد”، بواسطة “كونداليزا رايس”، وفى الظروف التى أشرنا إليها, وبالدلالات التى حملها، إلى الأذهان، فحوى الوثيقة الهامة التى قدمها مجموعة المحافظين الأمريكيين الجدد لرئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، والحالى، «بنيامين نتنياهو»، عام ١٩٩٦، تحت اسم “الانقطاع الكامل: إستراتيجية جديدة لتأمين الحياة”، A Clean Break : A New Strategy For Securing The Realm “ كانت هذه الوثيقة تدعو «نتنياهو»، إلى إحداث قطيعة كاملة عن كل السياسات التى سبقته، من أجل صناعة تغيير جذرى لمنطقة «الشرق الأوسط « بأكملها, وبهدف ضمان المصالح الأمريكية الإستراتيجية تأسيساً على انتهاج إستراتيجية «الحروب الاستباقية”، وتوجيه ضربات قاصمة إلى مراكز المقاومة «الراديكالية” فى العالم العربي، والبدء بشن حرب على لبنان وسوريا، والإطاحة بالرئيس «صدام حسين» فى العراق.


هذه الإستراتيجية التى صاغها «دوجلاس فايث»، و«ريشارد بيرل»، و”ديفيد ويزمر”، وآخرين (الأول أصبح وكيلاً لوزارة الدفاع الأمريكية لشئون صنع السياسات, والثانى أصبح رئيساً لمجلس سياسات الدفاع قبل أن يتركه، والثالث تولى منصب مساعد «ديك تشيني» لشؤن الشرق الأوسط)، استهدفت بناء «شرق أوسط جديد” أضلاعه الأساسية هى: «إسرائيل»، وتركيا، والأردن والعراق (المتأمرك)، والخالى من ثقافة المقاومة بكل أشكالها ومصادرها الفكرية، والمُخصص – بشكل رئيسى لخدمة الأهداف الإمبراطورية الأمريكية، والخاضع خضوعاً كاملاً للدولة العنصرية العدوانية الصهيونية، كما كان يتم التخطيط.