قطر بعيون أمريكية

25/05/2016 - 11:29:24

لواء د. مصطفى كامل أستاذ العـلوم السياسية جامعة بورسعيد سابقا

يشير الواقع إلى أن معظم المتغـيـرات الدوليـة والإقليميـة التى حـدثت بالنسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط إن لم تكن جميعها، كانت تجسيـدا لعلاقات الفعـل ورد الفعـل بيـن الولايات المتحدة وروسيا وريثة القوة السوفييتية العـظمى، ويعـتبـر ما تردد مؤخرا عن التقارب الإيرانى القطرى واستعداد قطر للتعاون العسكرى مع إيران، مع إمكانية إقامة قاعـدة إيرانية على أراضيها أحد المتغـيـرات الهامة التى قد تحدث تغـييـرا حادا فى المنطقة


إذ يهدف هذا التغـيير الحاد إلى تحقيق أحد المسارات الرئيسية للمنظور الجيوبوليتيكى الأمريكى، حيث سيؤدى إلى بناء تحالف يضم القـوى الشرق أوسطية غـير العربية «إيران وتركيا وإسرائيل»، بالإضافة إلى قطر العـربية لإضفاء صفة التحالف الإقليمى عليه، وتضمن ميـل ميزان التوازن الاستراتيجى فى المنطقة لصالحها، وتتمكن من إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبيـر وتجعـل حدوده تنطبق على حدود العالم الإسلامى، فهل يتمكن هذا التحالف الإقليمى من تحقيق هذا المسار؟


ولكى نؤسس للإجابـة على هذا السؤال، فإنه ينبغى توضيح واقع الموقف الاستراتيجى الراهن لأطراف هذه المعادلة أولا، وتوضيح الاعتبارات الرئيسية التى تتحكم فى موقف كل طرف ثانيا، فقد أدركت قطر أنها تحمل فى كتلتها الحيـوية «مساحة الإقليم وعـدد السكان» ضعـفـا شديـدا، لكنها تحتل موقعا استراتيجيا مميزا عـلى الشاطئ الجنوبى للخليج العـربى، إذ تبلغ مساحتها الكلية ١١ ألف كم مربع فقط، وتشكل المياه ١,١ ٪ من هذه المساحة، ويبلغ تعدادها حوالى ١,٨ مليون نسمة منهم حوالى٣٦٠ ألف بالتجنيس، تواجهها إيران وتظاهـرها السعـودية (القوتان الأكبر والأقوى فى منطقة الخليج بعد انهيار العراق)، ويبلغ ناتجها الإجمالى١٥٠ مليار دولار، يحقق ١٠٠ألف دولار/ فرد / سنة «أعلى معـدل فى العالم»، تنتقل فيها السلطة تلقائيا نادرا وعن طريق التآمر غالبا، حيث انقلب الأمير السابق على أبيه، بينما انقلب الأمير الحالى عـلى أبيه وأخيه، ويبدو أن الأميـر القادم سينقلب على أمه وأبيه وفصيلته التى تؤويه، واتساقا مع هذه المعـطيات فإن التهديد الوحيد الذى يهدد هذا النظام هو إسقاطه من الداخل، ولذلك اندفع بكل قواه إلى الولايات المتحدة ليُقدم لها وطنه عـربونا لحمايته وبقائه ويكون تحت وصايتها وحمايتها، فرحبت الولايات المتحدة بعـد أن أدركت عمق التحولات التى بدأت تطرأ عـلى بنيان النظام الدولى الراهن لتحوَله إلى نظام تتعـدد فيه الأقطاب وإن لم تتبلور ملامحه بعـد، الأمر الذى قـد تنشأ معه حالة استقطاب تقود إلى بناء تحالفات وتحالفات مضادة، وهدم توازنات قائمة وبناء توازنات جديدة، فسارعت وعـقدت اتفاقا للتعاون والدفاع المشترك مع هذا النظام !


ولكى تضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ اتخذت قرارا بالتواجد الدائم واحتلال هذه البقعة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، وجعـلت منها أكبر حاملة طائرات ثابتة، فأقامت قاعـدة جوية ضخمة فى منطقة العُديـِد جنوب غـرب الدوحة، وجهزتها بمدرج للطائرات يُعـد من أطول الممرات في العالم، يمكنه استقبال أكثر من ١٠٠ طائرة بما فى ذلك القاذفات الثقيلة، وتتمركز بها المجموعة ٣١٩ استطلاع جوى ومجموعة القتال الجوى  ٣٧٩ Air Expeditionary Wing الأمريكيتان، وتعـتبر القاعدة الوحيدة فى المنطقة التى تتمركز بها طائرات التزود بالوقود، وتتمركز بها أيضا مجموعة القتال الجوى No. ٨٣ البريطانية والتي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاع جوى، ونقلت الولايات المتحدة مركز القيادة والسيطرة من قاعـدة الأميـر سلطان الجوية بالسعـودية إلى هذه القاعـدة، كما أنشأت قاعـدة السيلية لتكون مركزا للدعم الفنى واللوجستي والإمداد والتموين، وصيانة وإصلاح الأجهزة والمعـدات العسكرية، ويتم فيها تصنيع الدبابات والصواريخ والطائرات التي تذهب بشكل مباشر إلي إسرائيل، وجهـزتها بمخازن طوارئ للأسلحة والمعـدات والأجهزة والذخائر والدبابات بما يكفى إعداد وتشكيل فرقة مدرعة، ويعسكر بها حوالى ١٢ألف جندى أمريكى، ويمكن لهذا المركز إمداد قواته المسلحة بجميع احتياجاتها فى العـراق وأفغانستان.


أما الاعـتبارات الرئيسية التى تتحكم فى حسابات تحقيق التوازن الاستراتيجى فى هذه المنطقة التى تُعتبـر من أهم المناطق الإقليمية فى العالم وأكثرها حساسية، فتكاد تكون متشابهة إلى حد كبير لطرفى المعادلة، فالاعـتبار الأول هو إدراك الطرفين أن هذا التوازن لا يـمكن قياسه بمقارنـة القوات وعـدد ونوعـية المعـدات والأسلحة، خاصة أنـهما يمتلكان من وسائل الردع النووى ما يكفى لتدميـر الآخر عـدة مرات، بينما يمكن أن يتحقق توازن الرعـب بامتلاك كل طرف ما يكفى لتدميـر الآخر مرة واحدة فقط (حد الكفاية)، والاعـتبار الثانى هو أن الطرفين يدركان جيدا أن امتلاكهما لحد الكفاية يؤدى إلى تحييـد بل وتجنيب الرادع النووى خشيةً من التدميـر المتبادل ويصبح كالعـدم أى (العـدم النووى)، بل إن توازن الرعـب قـد يُؤدى إلى التعاون بينهما لإيجاد البدائل لحل إحدى الأزمات الطارئـة التى قد توتر العلاقات وتصعـيدها إلى حدودها القصوى، حتى لو كان هذا التعاون آنيا، والاعـتبار الثانى هو أن الولايات المتحدة تدرك أن روسيا لن تنسى هزيمة القوة السوفييتية العـظمى الساحقة من المعسكر الغـربى بقيادتها، وحولته إلى أنقاض دول وبقايا شعـوب فى حرب باردة، وتمكنت بعـدها من بناء نظام عالمى جديـد تربعت على قـمته وانفردت فيه بالنفوذ على الساحة الدولية، ولذلك فإن روسيا لن تكرر أخطاء الاتحاد السوفييتى السابق، ويتعـيـن عـليها إيجاد أدوات جديدة لتحقيق الأهداف.


والاعتبار الثالث هو إدراك روسيا بأن الولايات المتحدة تتعامل معها على أنها ما زالت تُمثل قطبا عالميا من الزاويتين الأمنية والعسكرية على الأقل، خاصة بعـد أن تنازلت أوكرانيا لروسيا عن ترسانتها النووية التى ورثتها عن القوة السوفييتية العـظمى والتى تُعـد ثالث أكبر قوة نووية فى العالم، كما تتحسب الولايات المتحدة للتناقض الكبير بينها وبين روسيا فى كتلتيها الحيوية «مساحة الإقليم وتعـداد السكان»، فبينما تبلغ مساحة روسيا ضعـف مساحة الولايات المتحدة تـقـريـبـا (١٧مليون كم٢ مقابل ٩.٩ كم٢)، وهو ما يسمح لها بتوزيع ونشر أهدافها الاستراتيجية والحيوية بما يضمن توفيـر الحماية الكافية، فإن تعـداد سكان الولايات المتحدة يُعـد أكثر من ضعـف تعـداد روسيا ( ٣١٧ مليون نسمة مقابل ١٤٦ مليونا لروسيا)، مما يجعل كثافة السكان/كم٢ فى الولايات المتحدة أكثر من ضعف الكثافة السكانية /كم٢ فى روسيا، وبالتالى ستتكبـد الولايات المتحدة ضعـف خسائر روسيا عـند استخدام أسلحة التدمير الشامل، الأمر الذى يُؤدى إلى عدم مغامرة الولايات المتحدة وحلفائها للدخول فى حرب لا تبقى ولا تذر مع وريثة القوة السوفييتية العـظمى حتى ولو كان ذلك من أجل أوكرانيا.


وترتيبا على ماسبق من اعتبارات يأتى الاعـتبار الأخيـر وهو الأهم، إذ أصبحت روسيا على يقين تام بأن الولايات المتحدة ستفضل البديل الذى يضمن عـدم المواجهة المباشرة معها، ولذلك ستعمل على نشأة حالة استقطاب جديدة وإدارة حرب باردة معها، وستسعى إلى إحياء حلف بغداد القديم ببناء تحالف يضم القـوى غـيـر العـربية (إسرائيل ـ تركيا ـ إيران) إلى جانب دولة قطر العـربية، وأن قطر ستكون هى المرتكز والمقـر والمستودع لتحقيـق هدف الولايات المتحدة المرحلى فى منظورها الجيوبوليتيكى، والذى يُعـتبـر هدفها النهائى فى منطقة الشرق الأوسط، وهو تفكيك وتقسيم وتفتيت الدول العربية المركزية إلى كانتونات ضعيفة، وتوطيـن شعـوبها على أساس عـرقى أو دينى أو طائفى أو مذهبى، وترسيم الحدود النهائية بينها بما يتماشى مع تركيبة الشعـوب، وتصحيح حدود سايكس ـ بيكو، وهو ما يُعـرف بمشروع «إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبيـر» الذى يضيق ويتسع وفقا لمنظورها، فجعـلت حدوده تنطبق على حدود العالم الإسلامى، ثم يتم تقسيم المنطقة إلى منطقتى نفوذ، وإيداعهما لدى تركيا وإيران مؤقتا، حتى تتمكن من تركيز جهودها الرئيسية للتفرغ للقوى العالمية الصاعـدة «روسيا وريثة القوة السوفييتية العـظمى والتنين الصينى» الذى يرتقى سلم التنمية الشاملة بمعدلات تنمية عالية وسريعة غير مسبوقة، وصعـود عـسكرى وبحرى ملحوظ.


فهل يُمكن ربط ما أعلنته قطر باستعدادها للتعاون العسكرى مع إيران، مع إمكانية إقامة قاعـدة إيرانية على أراضيها بالمحتوى الفكرى للمنظور الجيوبوليتيكى الأمريكى لبناء التحالف الإقليمى، وما هو تأثيـر القاعدة العسكرية الإيرانية عـندما تكون إلى جوار قاعدتى العديد والسيلية الأمريكيتين والقاعدة التركية التى تمت إقامتها بالأمس القريب، هل ستكون هذه القواعد أساسا للتعاون الاستراتيجى بين دول التحالف الإقليمى، وتأكيدا على تعـظيم الدور الإيرانى، وبرهانا على انضمام قطر لهذا التحالف، ودليلا على أن قطر تسعى إلى تحويل الارتباط الاستراتيجى مع الولايات المتحدة إلى ارتباط عـضوى كارتباطها بـإسرائيل، كى يبقى نظامها بمنأى عن التهديدات المحتملة، وتبقى قطر بمأمن من العـمليات الإرهابية


والآن هناك سؤال يطرح نفسه وهو، ألم يُدرك العالم العـربى حتى الآن مدى انحطاط السلوك السياسى للولايات المتحدة الذى تحكمه القوة والمصالح غالبا، ويحكمه القانون الدولى نادرا؟!، ففى الوقت الذى تقوم فيه الولايات المتحدة بتعـظيم أدوار القوى الإقليمية غير العربية خاصة إيران، تُلقى باتهاماتها على الدول العـربية وجعلتهم رعاة للإرهاب عـندما وافق مجلس الشيوخ الأمريكى على مشروع قانون «العدالة ضـد رعاة الإرهاب» يتيح للقضاء الأمريكى بمحاكمة الحكومة السعوديـة التى تُعـتبر أكثـر الوحدات السياسية فى المنطقة قربا لها، وهو ما يُمثـل قـمـة الانحطاط السياسى، ليحصل أهالى ضحايا ١١ سبتمبـر بمقتضى الأحكام على تعـويضات، ومن الطبيعى أن يوافق مجلس النواب الأمريكى على المشروع بالتبعية ويُحيله للرئيس الأمريكى ليتخذ قراره من بين البدائل المتاحة، وهى إما أن يصدق عـليه، وإما أن يستخدم حق الاعتراض»الفيتو»، وإما أن يتركه للرئيس القادم ليتخذ ما يراه مناسبا لسياساته فى إدارة شئون بلاده فى فترة رئاسته التى تبدأ فى يناير ٢٠١٧.