أزمة حلايب وشلاتين (٤-٥) وثائق أزمة ١٩٥٨.. مبارزة قانونية بين مصر والسودان

25/05/2016 - 11:27:32

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

عندما تصاعدت الأزمة، انعقد “مؤتمر قومي” بدار اتحاد طلبة جامعة الخرطوم، مُثلت فيه كافة الأحزاب والهيئات السودانية، وانتهى إلى عدة توصيات، حملتها برقية عاجلة إلى الرئيس “جمال عبد الناصر” كان أهم ما جاء بها “استياء واستنكار المشاركين بالمؤتمر للأسلوب الذى لجأت إليه الحكومة المصرية فى معالجة المسألة، وضرورة علاج الموضوع بالطرق السلمية والودية


.. وجاء بالبرقية المطولة اقتراح محدد على الشكل التالي:


١- أن تقوم الحكومة المصرية بقبول اقتراح الحكومة السودانية، بسحب لجان الاستفتاء والقوات المصرية من الأراضى المتنازع عليها.


٢- أن تُجرى الانتخابات السودانية بالمنطقة التى تدعيها مصر.


٣- أن تُعطى حكومة السودان تعهدا كتابيا بألا تُضار مصر من إجراء هذه الانتخابات على أنها حجة تدعم موقف السودان فى حالة عرض الأمر للبحث.


٤- تلتزم كافة الأحزاب والهيئات الممثلة فى هذا المؤتمر بذلك التعهد الكتابي.


ومن خلال وثائق أزمة ١٩٥٨، وقعت مبارزة قانونية غير مباشرة، بين الطرفين المصرى والسوداني، قدم فيها كل فريق – من خلال المراسلات – حججه وأسانيده القانونية التى أسس عليها مطالبته بالسيادة على المناطق المتنازع عليها. ومن الوهلة الأولى اتضح أن ثمة تناقضاً جوهرياً بين الطرفين، ففى الوقت الذى أصرت فيه الحكومة السودانية على أنها هى وحدها صاحبة السيادة على هذه المناطق فهى مناطق وضعت تحت إدارتها منذ نحو ستين عاما، وحسب وجهة النظر هذه فإنه يحق لها وحدها أيضاً أن تُدرجها ضمن دوائرها الانتخابية. نجد الجانب المصرى قد دفع بعدم قانونية هذا المطلب السوداني، وأكد أن واقعة استثناء المناطق المتنازع عليها من الخضوع للنظام القانونى والإدارى المصرى وإخضاعها بدلاً من ذلك للإدارة السودانية، لا يمكن أن ينفى بحال من الأحوال استمرار بقاء هذه المناطق ضمن نطاق السيادة المصرية، فمجرد الإدارة لا يوفر سنداً قانونياً لاكتساب السيادة على الإقليم.


الحجج والدفوع القانونية والتاريخية للجانب السودانى


ولقد برزت الحجج السودانية من خلال المذكرة التى أعدها مجلس الوزراء السودانى فى جلسته التى انعقدت يوم ١٧ فبراير ١٩٥٨، وكذا فى الرد على الشروح التى قدمها السفير المصرى “محمود سيف اليزل خليفة” أثناء تقديمه للمذكرات المصرية، وأيضاً فى الرسائل التى تدفقت على الرئيس “عبد الناصر” من ممثلى الأحزاب والقوى السياسية المختلفة. ففى البيان الذى أصدره مجلس الوزراء السودانى يوم١٧فبراير١٩٥٨، طرح الجانب السودانى الحجج التالية:


١- إن جمهورية مصر لم تثر هذا الموضوع منذ فتح السودان إلا فى هذه الآونة التى شغلت فيها الانتخابات البرلمانية جميع السودانيين، شعبا وحكومة، وإلا بعد أن اكتشفت مناجم المعادن فى المنطقة الشمالية الشرقية، وبعد أن ظهر فى مفاوضات مياه النيل الأخيرة أن السودان سيطالب بتعويض عن غمر المنطقة شمال حلفا بمياه السد العالي.


٢- إن مناسبة استفتاء الشعب المصرى الذى اتخذته الحكومة المصرية ذريعة فى مذكرتها الثانية، لم يكن أول استفتاء أو انتخابات أجريت فى مصر بعد أو قبل الثورة، ولم تستفت تلك المنطقة فى أى مرة من المرات.


٣- إنه فى الوقت الذى تبنت فيه المذكرة المصرية الأولى مطالبتها بما يفهم منه الاعتراض على اشتراك أهالى تلك المنطقة فى الانتخابات السودانية المقبلة تبنت المذكرة الثانية المطالبة بوجوب اشتراكهم بوصفهم رعايا مصريين باستفتاء الشعب المصري.


ويمكن إجمال الحجج السودانية فيما يلي:


١) إنكار مبدأ التوارث “Succession” : المعمول به فى القانون الدولي، والذى يقوم على أن أية دولة جديدة ترث الحقوق والالتزامات للدولة التى قامت على أنقاضها. ولقد طرح الجانب السودانى هذه الحجة أول مرة على لسان القائم بأعمال وزير الخارجية السودانى “ميرغنى حمزة” فى رده على السفير المصرى يوم ٨ فبراير ١٩٥٨، وذلك عندما أكد له ميرغنى حمزة أن “السودان لم يوقع على وفاق ١٨٩٩، مما يجعله فى حل من القبول به”.


ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن الطرف السودانى وإن كان قد أنكر اتفاقية ١٨٩٩ فإنه تمسك بالتعديلات الإدارية التى تمت سنة ١٩٠٢ وسنة ١٩٠٧، فكما جاء فى نص شكوى السودان إلى الأمم المتحدة “فالمنطقتان تتبعان السودان بمقتضى الاتفاقيات المعقودة بين الحكومة المصرية وحكومة السودان..”.


وهكذا بين الإنكار والقبول أوقع الجانب السودانى نفسه فى تناقض واضح.


٢) الحيازة الفعلية حيث إن السودان ممثل فى دولتى الإدارة الثنائية قد ظل يدير هذه المناطق منذ إجراء التعديلات الإدارية على خط الحدود الذى أنشأه اتفاق ١٩ يناير ١٨٩٩ ويدعم وجهة النظر هذه أن السودان قام بواسطة دولتى الإدارة الثنائية بمباشرة كافة أعمال السيادة فى المناطق المُتنازع عليها، ولقد تكررت هذه الحجة فى أكثر من مناسبة وأكثر من وثيقة، ففى اللقاء الذى قدم فيه السفير المصرى المذكرة الثانية يوم ١٣ فبراير جاءت الإشارة إلى قوانين الحكر عندما أشار “ميرغنى حمزة” إلى أن حدود السودان هى حدوده منذ أكثر من ستين عاما، وعلق وزير المالية “إبراهيم أحمد” بقوله “إن قوانين الحكر تقضى بأن من يضع يده على قطعة أرض لمدة ١٤ سنة تصبح ملكاً له”. وتكرر هذا المعنى فى نص شكوى السودان إلى الأمم المتحدة.


٣) فكرة القبول والرضى الطوعى : يضيف الجانب السودانى دعما لفكرة الحيازة الفعلية فكرة القبول والرضى الطوعى من جانب مصر، فقبول مصر لاستمرار إدارة السودان لهذه المناطق وعدم اعتراضها على هذا الوضع، يوفر سندا قانونيا للسودان للتمسك بالمناطق المتنازع عليها، تأسيساً على فكرة التقادم القائمة على مبدأ الحيازة الفعلية والمستمرة من جانب وعدم معارضة الجانب المصري. وزد على ذلك أن مصر عندما اعترفت بالسودان كدولة مستقلة ذات سيادة عام ١٩٥٦ لم تضمن اعترافها أية تحفظات بشأن الحدود هذا بالإضافة إلى أن سكان تلك المناطق ظلوا يدفعون الضرائب لحكومة السودان، وظلوا خاضعين لحاكمها، وتصرف لهم حكومة السودان من خزينتها على الأمن والخدمات طوال الستين سنة السابقة.


٤) استمرار فكرة الأصوبية الإدارية : بمعنى استمرار الظروف التى من أجلها ظهر الخط الإداري، جاءت هذه الحجة على استحياء فى المقابلة الثانية للسفير المصرى مع الوكيل الدائم لوزارة الخارجية السودانى يوم ٩ فبراير، على لسان “حمادة توفيق” ثم تبلور فى اجتماع ١٣ فبراير على لسان “إبراهيم أحمد” وزير المالية السودانية، حيث قال: “إن قبول طلبات مصر معناه انقسام القبائل التى على الحدود بعضها فى السودان وبعضها فى مصر، والحكمة من الحدود ووضعها الحالى هو جمع القبائل فى منطقة واحدة..”.


٥) انتماء السكان فى المناطق المتنازع عليها : حيث اعتبرتهم الحكومة السودانية مواطنين سودانيين “لم يشتركوا فى يوم من الأيام فى استفتاء ولا انتخابات برلمانية مصرية، فوق ذلك فإنهم قد اشتركوا بوصفهم مواطنين سودانيين فى الانتخابات البرلمانية السودانية لعام ١٩٥٣ وفقا لدستور الحكم الذاتى الذى صدر بموجب الاتفاقية المعقودة بين بريطانيا العظمى ومصر فى فبراير١٩٥٣.


الأدلة والبراهين القانونية والتاريخية للجانب المصرى


وعلى الطرف الآخر، نلاحظ أن الجانب المصري، ولأنه هو الذى فجر الأزمة، كان قد استعد لمواجهة الحجج والبراهين التى قد يدفع بها الجانب السوداني، وذلك فى الدراسات التى أعدتها وزارة الخارجية المصرية، أواخر عام ١٩٥٧، وفى تقدير الموقف الذى عرضنا له من قبل نلاحظ أن الأدلة والحجج المصرية كانت جاهزة بالفعل لمواجهة كافة الاحتمالات السودانية . ويمكن إجمال الأدلة والحجج المصرية على مصرية المناطق المتنازع عليها فيما يلي:


أولاً : تأكيد مبدأ توارث الاتفاقيات الدولية : حيث ورد فى رد السفير المصرى فى السودان على مقولة “ميرغنى حمزة” بأن السودان لم يكن طرفاً فى التوقيع على اتفاقية ١٨٩٩ بأن السودان فى وثيقة الاستقلال أعلن احترامه لجميع الاتفاقيات التى عقدتها دولتا الحكم الثنائى نيابة عنه، وتكررت هذه الحجة المصرية بعد ذلك فى الكثير من المذكرات والمراسلات والبيانات التى صدرت عن الحكومة المصرية إبان الأزمة.


ثانياً : الحيازة الفعلية على سبيل الأمانة لا تؤسس أى حقوق سياسية : تمسكت الحكومة المصرية بالقول بأن الأراضى المصرية التى أدارتها السودان كانت قد استلمتها كأمانة “والحكر شيء واستلامها كأمانة شيء آخر، إذ إن إدارتها لهذه الأراضى سواء قبل الاستقلال أو بعده لا تعدو أن تكون أمانة لديهم لصاحبها أن يستردها”.


ويفيد الجانب المصرى فكرة القبول والرضى الطوعى لمدة الستين عاماً بأن مصر “وإن كانت لم تثر هذا الموضوع عند انتخابات عام ١٩٥٣ فما ذلك إلا لأنها كانت لتقرير المصير، ولم يكن السودان قد استقل بعد، فضلاً عن أن مصر كانت إحدى دولتى الحكم الثنائي.


وربما تجدر الإشارة إلى أن فكرة التقادم ليس مقطوعا بصحتها تماما فى فقه القانون الدولي، بل إنها تكاد تكون فكرة مرفوضة لدى جانب كبير من الفقهاء. هذا فضلاً عن أنه حتى وإن كان التقادم أو “الحكر” يصلح سنداً لاكتساب السيادة على الإقليم فإنه يصلح بشروط، أهمها أن يتم وضع اليد بصورة علنية وهادئة ومستمرة، وأن تباشر الدولة التى تتمسك بهذا التقادم سلطاتها على الإقليم موضوع النزاع بصفتها السيادية ومعنى هذا أن “النيابة” كما هو فى حالة “حلايب” لا تجيز للسودان الادعاء باكتساب السيادة حتى ولو طال أمد إدارتها له. وبهذا الصدد يستشهد الجانب المصرى “بقطاع جمبيلا” الذى أعادته السودان إلى إثيوبيا عندما طالبت به الأخيرة بعد إعلان استقلال السودان، وكان هذا القطاع قد استأجرته الإدارة السودانية لإدارته كمركز تجارى على ألا يُستخدم لأغراض سياسية أو عسكرية.


يُضاف إلى ذلك أن السودان نفسه كان طوال تلك الفترة ١٨٩٩-١٩٥٢ أو أغلبها واقعاً تحت السيادة المصرية، على اعتبار أن مصر كانت إحدى دولتى الحكم الثنائى ومن ثم كانت الأراضى السودانية من الناحية القانونية امتدادا للأراضى المصرية، ولقد خول هذا الوضع لوزير الداخلية المصرى الحق فى إصدار القرارات الإدارية التى أشرنا إليها من قبل.وبهذا الصدد فثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام حول طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، تدعونا إلى القول بأن فكرة الانفصال لم تكن مطروحة على الساحة المصرية حتى عام ١٩٥٥، ومن ثم لم يكن للمصرين اتساق مع حلم الوحدة بين شقى الوادي، سواء على المستوى الرسمى أو على مستوى زعامة الحركة الوطنية، أن يثيروا قضية الحدود طالما أن كل الشواهد كانت تشير إلى أن البلدين فى طريقهما إلى الوحدة بل إن “الاتهام بالخيانة للقضية الوطنية، كان بعضاً مما يمكن أن يوجه لأى مصرى يتحدث عن حدود مصر والسودان قبل يناير١٩٥٦”.


ثالثاً : رفض القول باستمرار الأصوبية الإدارية : جاء أيضاً فى الوثائق المصرية، وشرح السفير المصرى فى السودان، أنه لا يوجد ما يمنع من أن “يكون جزء من القبائل فى بلد والباقى فى بلد آخر، ومنذ متى كانت القبائل موضع اعتبار عند تخطيط الحدود بين بلدين..”.


رابعاً : الترتيبات الإدارية لا ترتب أى حقوق سياسية : أكد الجانب المصرى فى أكثر من مذكرة على أن الترتيبات الإدارية لا تصنع أى حقوق سياسية، وذلك فى مواجهة ادعاء الجانب السودانى بأن قرارات ناظر الداخلية المصرى (مصطفى باشا فهمي) نشأت عن مفاوضات ثنائية بين البلدين عُلمت بمقتضاها الحدود وكما ذكرنا من قبل فإن التعديلات الإدارية تمت بغرض التيسير على القبائل التى تعيش على جانب خط ٢٢ شمالاً. كما أن تاريخ العلاقات بين البلدين يخلو من إبرام أية اتفاقية دولية من أجل إضفاء صفة الدولية على الخط الذى ظهر بمقتضى التعديلات الإدارية، يضاف إلى ذلك أن هيئة المساحة المصرية ظلت تشير فى الخرائط التى تصدرها إلى الحدود السياسية والحدود الإدارية معا، وذلك حتى أزمة ١٩٥٨ عندما قررت الحكومة المصرية إغفال الإشارة إلى الحدود الإدارية والاكتفاء بالخط الدولى ٢٢ شمالاً. ومن الطريف بهذا الصدد أن السفير المصرى فى مقابلته الثانية للجانب السودانى يوم ١٩ فبراير طلب من الوكيل الدائم لوزارة الخارجية السودانية أن “يقف فوق الكرسى ليرى بعينيه ما هو مكتوب على الخريطة المعلقة على الحائط خلفه”، حيث يظهر بها – خط الحدود الدولى ٢٢ شمالاً وخط التعديلات الإدارية.


خامساً : فيما يتعلق بانتماء سكان المناطق المُتنازع عليها : أعدت الحكومة المصرية ملفاً بآلاف من برقيات ورسائل أهالى حلايب وغيرها من القرى المتنازع عليها، كانت قد انهمرت عليها من الأهالى بمجرد انفجار الأزمة، أكدت جميعها الولاء لمصر، وبايعت الرئيس عبد الناصر وأعربت عن رغبتها فى المشاركة فى الاستفتاء على الجمهورية باعتباره مناسبة تاريخية لا تتكرر.