أصحاب مدابغ الجلود وعمال الورش يناشدون «الرئيس»: الروبيكى.. «هيخسرنا الجِلد والسَقَط»

25/05/2016 - 10:51:26

  الزميل محمد السويدى يستمع إلى شكاوى أصحاب مدابغ الجلود   عدسة: ناجى فرح الزميل محمد السويدى يستمع إلى شكاوى أصحاب مدابغ الجلود عدسة: ناجى فرح

تحقيق: محمد السويدى

خمسون يوما تفصلهم عن الموعد الذى حددته الحكومة لنقل مدابغ الجلود بسور مجرى العيون إلى مجمع الروبيكى الصناعى فى مدينة بدر منتصف يوليو المقبل، وهى الخطوة التى يرفضها أصحاب المدابغ والعاملون، بدعوى عدم استكمال كافة المرافق والتجهيزات الفنية بمدينة الروبيكى للجلود، الأمر الذى دفعهم للاستغاثة برئيس الجمهورية، ومطالبته بوقف قرار النقل الذى يضر بصناعتهم ويتسبب فى انهيارها، حتى يتمكنوا أيضا من توفيق أوضاعهم المادية والفنية والوفاء بالعقود التى أبرموها مع المستوردين الأجانب.


ذهبنا إلى منطقة المدابغ بمصر القديمة، وهى فى موقع جغرافى متميز، تفصلها أمتار قليلة عن مستشفى سرطان الأطفال ٥٧٣٥٧، كما أنها تبعد قرابة ٤٠٠ متر عن كورنيش النيل وذلك للتعرف على الأسباب الحقيقية التى دفعت أصحاب المدابغ لرفض قرار النقل إلى المدينة الجديدة، وفى الوقت ذاته مواجهتهم بالأضرار المترتبة على بقائهم فى منطقة «سور مجرى العيون» الأثرية الملاصقة لورشهم.


البداية كانت مع محمد حربى، رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات، صاحب واحدة من مدابغ الجلود المطلوب نقلها إلى الروبيكى خلال أسابيع، والذى عبر عن دهشته من إصرار وزارة الصناعة على نقلهم من أماكنهم الحالية بمنطقة سور مجرى العيون إلى الروبيكى، رغم عدم جاهزيتها وكونها غير مكتملة المرافق من شبكات صرف صحى ومحطات لمعالجة المياه وشبكة الكهرباء ذات الأحمال المرتفعة، كما أن الأساسات الخرسانية فى العنابر الجديدة بالروبيكى لا تتحمل ماكينات المدابغ التى يصل بعضها إلى ٣٠ طنا ويستحيل فكها ونقلها ثم إعادة تركيبها خلال المدة التى حددتها الحكومة.


رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات، فى سياق حديثه أوضح أيضا أن منطقة المدابغ الملاصقة لسور مجرى العيون يعمل فيها ١٠ آلاف فرد فى ١٠٦٦ منشأة ومصنعا، لا مأوى لهم سوى هذه المهنة ومن ثم فقرار نقلهم دون دراسة يتسبب فى تشريدهم هم وأسرهم، نظرا لوقوع مجمع الروبيكى الصناعى فى قلب الصحراء بطريق (مصر – السويس) الصحراوى وهو ما يشكل عبئا ماديا ونفسيا وصحيا عليهم، كما أن الوحدات السكنية التى خصصتها الحكومة فى مدينة بدر للعاملين فى مجمع الروبيكى للجلود غير كافية، فبعد أن وعدت الحكومة - ممثلة فى وزارة الصناعة- بتوفير عشرة آلاف وحدة سكنية فى شقق الإسكان الاجتماعي، فوجئنا بخفضها إلى ألف شقة فقط، ما يعد تجنيا على حقوقهم لن نسمح بقبوله.


«حربى» أبدى استياءه أيضا من عملية التفاوض التى تجريها الحكومة مع أصحاب المدابغ والعاملين فيها، وأكمل بقوله: الحكومة قررت تخصيص مساحات للورش والعنابر الجديدة بالروبيكى بنفس المساحات الحالية لأصحاب المدابغ بسور مجرى العيون، وأكدت أن من يرغب فى التوسعة يدفع ٢٣١٠ جنيهات لكل متر مربع إضافى، وهو مبلغ مغالى فيه جدا مقارنة بسعر الأرض فى صحراء مدينة بدر والتى تقل كثيرا عن هذا المبلغ، كما أنها عرضت نفس المبلغ كتعويض لصاحب المنشأة الذى لا يرغب فى استكمال نشاطه للمتر المربع نظير استغنائه عن الأرض، وهو مبلغ لا يناسب سعر السوق اليوم فى منطقة سور مجرى العيون الحيوية، التى تجاوز سعر المتر فيها حاليا حاجز الـ ١٠ آلاف جنيه، ولم يتوقف تشدد الحكومة عند هذا الحد، فبعد أن طالبناها بدعم مالى للبنية الأساسية ونقل المعدات والماكينات من مصر القديمة إلى الروبيكى قدره ألف جنيه للمتر الواحد، فوجئنا بها تقرر تخصيص ١٧٠ جنيها فقط ومن ثم فالحكومة تضع شروطا تعجيزية للنقل ورغم ذلك تصر عليه بالإجبار.


كما شدد «حربى» على أن رئيس الوزراء الحالى، المهندس شريف إسماعيل لم يستجب حتى الآن لمطلبه هو وزملائه بغرفة مدابغ الجلود للجلوس معه بتأجيل عملية النقل لمدة عامين آخرين حتى تتمكن وزارة الصناعة من استكمال كافة مرافق مدينة الجلود الجديدة ومن ثم تصبح عملية نقل المدابغ إلى الروبيكى كاملة وآمنة، ويصبح هناك أيضا مزيد من الوقت لأصحاب المدابغ للالتزام بالعقود التى أبرموها مع المستوردين الأجانب و٧٠ ٪ من الإيطاليين، إضافة إلى الصين وهونج كونج وإسبانيا وتسليمهم الطلبيات الجديدة فى مواعيدها دون تأخير وبالتالى فنقلهم فى يوليو المقبل يتسبب فى تعطيل العمل وتعرضهم لغرامات التأخير مع العملاء الأجانب، مشيرا إلى أن المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق كان أكثر تعاونا معهم وتفهما لمشاكلهم، حيث زارهم بنفسه قبل عام فى منطقة المدابغ بمصر القديمة وجلس مع العمال بمن فيهم أصحاب الكارو والشيالين الذين ترتبط أرزاقهم بنقل الجلود من وإلى المدابغ.


رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات، تابع قائلا: عندما فشلنا فى لقاء المهندس شريف إسماعيل اضطررنا إلى رفع مذكرة إلى رئيس الجمهورية، وتحديدا فى ٢٠ مارس الماضى حددنا فيها ٨ مطالب من عمال المدابغ وأصحابها، أبرزها إعادة تقييم أرض المدابغ بمصر القديمة على أساس حديث وليس بأسعار عام ٢٠٠٩ والتى حددت سعر المتر ٢٣١٠ جنيهات، وكذلك مساعدة الدولة لأصحاب المدابغ عند نقل الماكينات والآلات الخاصة بكل منشأة من مجرى العيون إلى مدينة الجلود بالروبيكى، حيث إن هناك ماكينات يصل وزنها ٣٠ طنا، وطالبنا بضرورة توفير كافة المرافق الحيوية والأساسات الخرسانية والمراكز الطبية والمدارس والوحدات السكنية للعاملين وأسرهم بالمدابغ وذويهم.


وفيما يتعلق بالمدة الزمنية التى يتوقع أن تتم خلالها عملية النقل، أوضح «حربى» أن «عملية نقل المدابغ تستغرق فى حال تنفيذها ٦ أشهر كاملة، فمن الذى سيعوضنا عن خسارة تلك المدة ومن الذى سيدفع للعاملين رواتبهم خلال الشهور الستة، مع الأخذ فى الاعتبار أيضا أن صادرات الجلود تجلب للدخل القومى ١,٥ مليار جنيه سنويا دون أن تحمل الدولة أية أعباء، وفى حال استقرار الأوضاع كما هى فى مجرى العيون سوف تصل الصادرات إلى ٦ مليارات جنيه خلال عامين، لكن تداعيات النقل غير الآمن والمكلف سوف تتسبب فى تراجع الصادرات».


أمر آخر كشفه، رئيس غرفة مدابغ الجلود، فى سياق حديثه، حيث قال: فوجئ العاملون بالمدابغ فى مطلع شهر مايو الجارى بإعلان كبير لوزارة الصناعة ومحافظة القاهرة فى صحيفتى الأهرام والأخبار ببدء الخطوات العملية الملزمة لنقل المدابغ إلى الروبيكى ابتداء من ١٥ يوليو المقل، وهو ما دعاهم فى غرفة دباغة الجلود لنشر استغاثة لرئيس الجمهورية بوقف قرار النقل.


وفيما يتعلق بالآثار السلبية التى تتسبب فيها «المدابغ» فى منطقة سور مجرى العيون، نفى «حربى» ما يردده البعض من انبعاث روائح كريهة من منطقة مدابغ الجلود، مشددا فى الوقت ذاته على أن الروائح مصدرها ورش ومصانع الجيلاتين والغراء وهم أيضا مرتبطون بعملنا وفى حال انتقالنا إلى الروبيكى سوف ينتقلون معنا- على حد قوله.


محمود الحاج «صاحب مدبغة»، اتفق هو الآخر مع رأى محمد حربى، رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات، وأكمل عليه بقوله: نحن لا نقف ضد قرار النقل للروبيكى ولا نكره التطوير، لكن كل ما نتمناه التزام الحكومة بما وعدت به من استكمال مرافقها، فلا يجوز أن ننقل كل أعمالنا وماكينات الشغل والعمال إلى صحراء مدينة بدر دون وجود مجمتع متكامل (مجمع طبى ومراكز صيانة وورش لف مواتير ومدارس وسوق تجارى)، ولا يصح أن يتم نقلنا على أساس التطوير واستيعاب العنابر الجديدة للمعدات الضخمة التى نملكها ونعمل بها، وهناك نفاجأ بأن أساسات العنابر لا تتحمل الماكينات ويعرضها لسقوط الحوائط وهبوط الأرضيات.


«الحاج» تابع قائلا: نحن لا نكلف الدولة أية أعباء مالية، بل على العكس تماما نحن ندر دخلا بالعملة الصعبة لها، كما أننا ملتزمون بدفع الضرائب وفواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحى، ويبلغ متوسط ما يدفعه صاحب المدبغة لشركة الكهرباء شهريا قرابة الـ٤٠ ألف جنيه وخمسة آلاف جنيه فواتير بيارات الصرف الصحى، ليس هذا فحسب، لكننا ملتزمون تجاه العمال بالنواحى المادية المتفق عليها، إذ يعمل فى مهنتنا أكثر من ١٠ آلاف عامل مسئولين عن ٦٠ ألف فرد فى المجتمع وبالتالى أى إجراء غير سليم مثل النقل الآن للروبيكى يعرض مهنتنا للخطر ويقضى عليها لصالح روسيا والأرجنتين حيث تسعى كلتاهما للسيطرة على سوق الجلد العالمى.


وبتفقد عنابر العاملين فى مدابغ مصر القديمة وسور مجرى العيون وجدنا العرق يتصبب من وجوه العاملين هناك، البساطة وضيق الحال علامات واضحة تعلو وجوههم المتعبة، يتمسكون بمهنتهم التى ورثها بعضهم عن آبائهم وأجدادهم، والذين يرون أيضا فى نقلهم للروبيكى بمثابة القضاء عليهم.


من جانبه قال محمود رمضان «٢٧ سنة»: أعمل على ماكينة عصر الجلود منذ ١٢ عاما وأقيم فى منطقة الملك الصالح ونقلى إلى منطقة الروبيكى ببدر سيضاعف من أعبائى المادية، إذ تبلغ تكلفة المواصلات فقط إلى المجمع يوميا قرابة ١٢ جنيها «أى ٣٥٠ جنيها» على أقل تقدير، وهو ما سيؤثر بالسلب على الدخل، فضلا عن ضياع الوقت والمجهود فى الانتقال من وإلى الروبيكى، فلا أستطيع أن أزور أقرب الناس لى أمى وأبى.


محمد محمد «عامل فى تشطيب الجلود»، يلتقط أطراف الحديث ويكمل قائلا: أعمل منذ ١٢ عاما أيضا وقد ورثتها عن أبى وجدى، وأنا متزوج ولدى أبناء وظروف البلد صعبة والحياة غالية والأسعار كل يوم تشهد ارتفاعا ومن ثم لا نقدر على أعباء العمل فى مدينة الروبيكى، وأفضل البقاء فى منطقة مجرى العيون، مع تطبيق الاشتراطات والضوابط التى تحتاجها الحكومة ووزارة البيئة للحفاظ على القيمة التاريخية لمنطقة مجرى العيون التاريخية.


واتفق معه فى القول علاء سيد «٢٤ سنة»، يعمل على ماكينة الفاكيوم منذ ٧ سنوات، بقوله: إذا نقلتنا الحكومة فعلا إلى الروبيكى هل ستعوضنا عن مصاريف المواصلات والطعام فى الصحراء؟.. وهل ستعوضنا على الوقت الضائع فوق طاقة العمل بقرابة ٣ ساعات على أقل تقدير سوف نستغرقها فى الوصول إلى الروبيكى التى تبعد عن مدابغ مصر القديمة قرابة ٥٠ كم؟.. مع الأخذ فى الاعتبار أن غالبية العاملين فى المدابغ من سكان مناطق مصر القديمة وعين الصيرة والملك الصالح.


«مدابغ مصر القديمة» لا يعمل فيها عمال وأصحاب عربات كارو وبائعو الشاى فحسب وإنما ينضم إليهم خريجو أقسام الكيمياء بكليات العلوم والزراعة والهندسة والفنون التطبيقية، وهو أمر كشفه الكيميائى محمد حسن «٢٥ سنة» حاصل على بكالوريوس علوم كيمياء من جامعة الأزهر، الذى أكد على حتمية وجود كيميائى متخصص فى دبغ الجلود لضبط درجات الصبغة وتركيز الأحماض ومثبتات اللون المستخدمة، مشيرا فى الوقت ذاته إلى أنه لا تخلو مدبغة واحدة فى مصر القديمة من كيميائيين ومهندسيين، يعملون لمدة ٨ ساعات فى الوردية الواحدة والدخل يكفى، ولكن فى حال الانتقال إلى الروبيكى ستزداد المصاريف ومن ثم يقل الدخل – على حد قوله.


«المصور» انتقلت إلى مجمع الروبيكى للجلود للتعرف عن قرب على حجم ما أنجزته الحكومة ووزارة الصناعة من أعمال لنقل مدابغ مصر القديمة إلى هناك، وتبين أن المنطقة فى مرحلة تنفيذ أعمال المرافق والتجهيزات ولم تنته بعد وقد رفض المسئول الفنى عن مجمع الجلود الإدلاء بأية بيانات أو أرقام تخص مدينة الجلود، وتركنا الصور فقط توضح ما لم يوضحه مسئول المدينة، فمجمع الجلود لم يكتمل بعد ويصبح من الصعب نقل المدابغ إليه فى الفترة التى حددتها وزارة الصناعة ومحافظة القاهرة خلال ١٥ يوليو – ١٥ أغسطس.