من القصص الإسلامى أبو ذر الغفارى التقى الزاهد.. صادق اللهجة

25/05/2016 - 10:26:40

بقلم - رجائى عطية

(١) من التيه إلى نور اليقين


« فى بداية المبعث.. مضارب قبيلة غفار ـ على طريق مكة التجارى إلى الشام.. على مبعدة تحت شجيرة منعزلة، رجل آدم طويل نحيف هو جندب بن جنادة..
أبو ذر الغفارى.. يقوم، ويركع، ويسجد.. ويرنو ببصره إلى السماء.. ما يكاد يفرغ حتى يقترب منه شقيقه أنيس


أنيس: (مبتدرًا) أما سئمت هذه الصلاة لإله لا تدركه ولا تجده ولا تراه؟


أبو ذر: (ساهمًا) ما يحيرنى أن عقلى لا يصل إليه!!


أنيس: فكيف تصلى له؟! وأين تتوجه؟!


أبو ذر: أتوجه حيث يوجهنى ربى.. إنه عظيم قادر..


أنيس: ولكنك لا تراه!


أبو ذر: أرى آياته.. أما سمعت معى نبأ الرجل الذى حدثنا الأعرابى أنه ظهر بمكة؟


أنيس: نعم..


أبو ذر: إن قلبى يحدثنى أن وراءه أمرًا عظيمًا..


أنيس: (محذرًا) أراك لا ترجع!!


أبو ذر: (بحزم) قد عزمت عليك أن تركب إلى هذا الوادى، فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يقول إنه نبى يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم
ائتنى..


أنيس: (مستسلمًا) أراك تركب مركبًا صعبًا.. (وهو يهم بالانصراف) ولكنى سأصنع ما تريد..


« بعد أسابيع وأبو ذر تحت الشجيرة على أطراف مضارب القبيلة.. يأتيه أنيس باديًا عليه وعثاء السفر»


أبو ذر: (مشوقًا ).. هيه ما وراءك؟!


أنيس: رأيت لك رجل مكة الذى على دينك.. إنه يزعم أن الله قـد أرسله..
(مستأنفًا) ويسمونه الصابئ..


أبو ذر: فما يقول؟


أنيس: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا جميلًا ولكن ما هو بالشعر..


أبو ذر: فما يقول الناس؟


أنيس: يقولون شاعر.. كاهن.. ساحر! !


أبو ذر: فما ترى؟!


أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم.. وما هو بساحر، فقد رأينا السحرة وسحرهم.. نفسى تحدثنى بأنه لصادق وأنهم كاذبون!


أبو ذر: ما شفيتنى يا أنيس مما أردت!


أنيس: فما تريد؟!


أبو ذر: عزمت الرحيل لأرى الرجل بنفسى فأنظر.. فهل أنت كافىّ حتى أعود؟


أنيس: نعم.. (مستدركًا) ولكن كن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا وضاقوا به..


أبو ذر: (وهو ينهض).. يفعل الله ما يريد..


«بعد أيام فى البيت العتيق بمكة.. وقد انصرم النهار وأقبل الليل.. وخلا المسجد إلاّ من قليلين.. أبو ذر يجلس منزويًا فى ركن، متلحفًا بغربته لائذا بصمته.. يراه
على بن أبى طالب، فيدنو منه يسأله مترفقًا»


على: يا أخى.. قد طالت الحال التى أراك عليها منذ أيام!. وها قد تصرَّم نهار آخر وسجى ليل.. وأنت كما أنت كأنك تبحث عن شىء.. أما آن للرجل أن يعرف منزله بعد؟!!


أبو ذر: (مترددا فى حذر) لا!!


على: فانطلق معى..


«ينهض أبو ذر محاذرًا، فيسير صحبة على فى أزقة مكة.. حتى خلا بهما الطريق..»


على: (وقد استدار إلى أبى ذر) ما أمرك وما أقدمك إلى مكة؟!


أبو ذر: إنْ كتمت علىّ أخبرتك..


على: فإنى أفعل..


أبو ذر: بلغنى أنه قد خرج هنا رجـل يقـول إنه نبى وإن الخبر يأتيه من السماء..


على: (بحذر) وما شأنك به؟!


أبو ذر: أردت أن أعـرف خبره وأطلـع على قوله.. وقد كنت أرسلت أخى إليه، ولكنه لم يعـد إلىّ بما رجـوت، فقدمت بنفسى لأبحث عنـه كما ترى.. ولكنى أخشى من أهل مكة.. فقد شنفوا له وتجهموا على ما علمت!!


على: (مشجعًا) أما إنك والله قد رشدت.. فإن وجهتى إليه.. فاتبعنى، وادخل حيث ترانى أدخل.. فإذا رأيت أحدا أخافه عليك، قمت إلى الحائط.. فإن رأيتنى فعلت ذلك فامض أنت..


«دار الأرقم بن أبى الأرقم ـ مجلس النبى.. ومعه اثنان من أصحابه.. أبو ذر يدخل وجلًا مبهورًا مأخوذًا بجلال النبوة، ويغمغم محدثًا نفسه كالمسحور»


أبو ذر: (مغمغمًا لنفسه) إن النبوة والذى نفس بيده تشع من عينيه.. (وهو
لا يزال مأخوذًا).. السلام عليكم..


الرسول: وعليك السلام ورحمة الله.. ممن أنت يا أخا العرب؟


أبو ذر: من غفار.. جئت أرجو أن تنشد علىّ ما تقول..


الرسول: ما هو شعر فأنشدك.. ولكنه قرآن كريم منزل من رب العالمين..


أبو ذر: فاقرأ علىّ..


«الرسول يتلو عليه بعضًا من آيات الله، وأبو ذر ينصت مأخوذًا فى خشوع»


أبو ذر: (وقد نزلت الآيات منزلًا من نفسه) فاعرض علىّ الإسلام..


الرسول: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله.. أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه سبحانه وتعالى يراك..


أبو ذر: (كالمخاطب نفسه).. كلام والله جميل.. ونور وضىء.. أبشر أبا ذر.. فقد آن لنفسك الضالة أن تهتدى بنور اليقين..


(يستأنف بين يدى النبى فى خشوع ).. أما إننى أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله..


(بعد هنيهة) فبم تأمرنى يا رسول الله؟


الرسول: اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك حتى يبلغك أمرى.. فإذا بلغك ظهورنا فأقبل..


أبو ذر: تخاف علىّ يارسول الله.. لا والله!! فوالذى بعثك بالحق لأصرخن بها هنا بين ظهرانيهم!!


«ينصرف أبو ذر لا يلوى على شىء»


«فى البيت العتيق، وقد اجتمع لفيف من طواغيت قريش.. يدخل أبو ذر لا يلوى على شىء.. »


أبو ذر: (مناديًا) يامعشر قريش.. يا معشر قريش..


«يلتفت إليه كبراء قريش متعجبين متسائلين»


أبو ذر: إننى جندب بن جنادة.. من غفار..


قرشى: (فى استياء) فما تريد حتى تقطع علينا حديثنا، وتشغلنا عما كنا فيه؟!!


أبو ذر: جئت أقول لكم إنى أسلمت، وإننى أشهد أن لاّ إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله..


«ما يكاد أبو ذر ينطق بالشهادة، حتى ينقض عليه كبراء قريش وغلمانها.. يوسعونه ضربًا حتى صرعوه.. وإذ هم فى سبيلهم للإجهاز عليه، يقدم العباس بن
عبد المطلب مسرعًا فيوكئ على أبى ذر فيحول بينهم وبينه..»


العباس: (للقرشيين محذرًا) ويلكم.. أتقتلون رجلًا من غفار؟!!


قرشى: (مستنكرًا) أما سمعت قوله يا عباس؟!! لقد صبأ!!


العباس: (ناصحًا).. أو نسيتم أن تجارتكم وممركم على غفار؟!!.. إنه إن حَرَّضَ قومه عليكم أو علموا أنكم أنزلتم به مكروها يقطعوا على قوافلكم الطريق!!


قرشى ثان: (مُصادقًا) واللات والعزى لقد أصاب العباس.. (مناديًا فى قريش).. خلوا الرجل.. خلوا الرجل..


«ينصـرف القرشيون عـن أبـى ذر مهمهمين


لا يستطيعون مداراة غضبهم!»


«فى اليوم التالى.. صحن الكعبة.. يدخل أبو ذر متحاملًا على نفسه تبدو عليه علامات الألم.. تشرئب إليه الأنظار.. ينتحى ركنًا ويجلس فيه وحيدًا.. ينظر متأملًا الأصنام التى تملأ البيت العتيق!!»


أبو ذر: (محادثًا نفسه).. عجبًا لهؤلاء القوم؟! ماذا يجدون فى هذه الأصنام حتى يعبدوها ويوقروها؟! !


«يلمح امرأتين تطوفان حول إساف ونائلة »


أبو ذر: (محفّزًا نفسه) والذى نفسى بيده لأسفه أحلامهما!!


(ينهض فينادى المرأتين ساخرا) ماذا تفعلان؟! قبحكما الله! أتعبدان أحجارًا لا تنفع ولا تضر، ولا ترى ولا تسمع؟!!


«يقترب أبو ذر من الصنمين إساف ونائلة.. فيصفعهما!!»


أبو ذر: (صائحًا) ها أنذا أصفعهما، فإن كانا قادرين على الرد فليردّا!!


«تصرخ المرأتان مولولتين.. فيتصايح القرشيون فى المسجد، ويتكالبون على أبى ذر يوسعونه ضربًا حتى أُغشى عليه.. يدخل العباس فيراهم فيطير إليه لينقذه منهم، فيوكئ عليه وقد أوشكوا على قتله»..


العباس: (محذرًا) ويلكم!!.. أما بلغكم قولى بالأمس حتى تعاودوا اليوم ضرب الرجل؟! .. أتريدون قتله؟!!!


القرشيون: (معترضين متصايحين) ولكنه عيّب آلهتنا وسَفَّهَ أحلامنا!


العباس: وتجارتكم؟!.. ألا تخافون عليها؟!.. كفّوا عنه.. كفّوا عنه..


«ينفض الجمع متذمرين تاركين أبا ذر وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة.. فيواسيه العباس ويكفكف عنه حتى يفيق.. يلتف حوله بعض المشفقين.. فيدعونه إلى الرحيل، ولكنه أَبَى أن يرحل قبل أن تكتحل عيناه مرة أخرى بالرسول..»


«دار الأرقم.. مجلس الرسول وحوله أصحابه.. أبو ذر جالس بادى الإعياء.. يخاطبه أحد الصحابة مشفقًا»


أحد الصحابة: يا أبـا ذر.. ما كان عليك أن تفعل بنفسك كل هذا وقد رخص رسول الله لك فى الرحيل؟!!


أبو ذر: ما كان لى أن أغادر قبل أن أشفى قلبى وأصرخ بإيمانى بين ظهرانيهم.. وقد فعلت..


الرسول: (حانيًا ومكفكفا).. يا أبا ذر.. إنى قد وجهت إلى أرض ذات نخل، فلا أحسبها إلاّ يثرب.. فهل أنت مبلّغ عنى قومك لعل الله عز وجل أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟


أبو ذر: نعم، أفعل


«بعد أيام فى مضارب غفار..
أبو ذر وشقيقه أنيس»


أنيس: هلا أخبرتنى ما صنعت؟


أبو ذر: صنعت أنى قد أسلمت وصدقت..


أنيس: (يطرق مفكرا ثم يعزم) والله ما بى رغبة عن دينك، فإنى قد أسلمت وصدقت..


أبو ذر: فهلم بنا إذن إلى أمنا، عسى الله أن يهديها إلى الإسلام..


«ينهضان وينصرفان..»


«رملة بنت الوقيعة جالسة على فراش بسيط.. يدخل عليها ولداها أبو ذر وأنيس»


أبو ذر: يا أمّه.. جئنا نحدثك فى أمر نبى ظهر بمكة يأتيه الخبر من السماء..


رملة: (فى عجب) يأتيه الخبر من السماء؟!


أبو ذر: نعم..


رملة: فهلا حدثتنى عنه ياجندب..


أبو ذر: والله يا أُمٌه، لقد وجدت رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا وأمانة، وأصدقهم حديثًا، وأبعدهم عن الفحش والأذى.. ما رئى ملاحيًا أبدًا، ولا محاربًا أحدًا.. حتى أسماه قومه الأمين.. يدعو إلى الله بالحسنى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى.. فشهدت أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله.. وأسلمت..


رملة: (إلى أنيس) فما ترى يا أنيس؟


أنيس: والله يا أمه، فإنى لم أجد بنفسى رغبة عن دينه، فأسلمت وصدقت..


رملة: ما بى رغبة عن دينكما، فإنى قد أسلمت وصدقت..


«أبو ذر يردد الشهادة،.. رملة وأنيس يرددان الشهادة وراءه.. أبو ذر وأنيس يمضيان»


«مضارب غفار.. بعد سنوات.. أمضاها أبو ذر مشدود القلب والفؤاد إلى رسول الله وصحبه.. يتسقط أخبارهم من القوافل العابرة.. ويمضى بين قومه داعيًا إلى الإيمان بالله وبنبوة رسوله الأمين.. يتابع فى شوق وإشفاق مايتعرض له المسلمون الأوائل من عسف وعنت وتعذيب وتنكيل، وما يقدمونه من آيات الصبر على هذا الأذى.. فيتوالى إسلام أنهد فتيان ورجالات قريش.. يسلم حمزة، وغيره، فيجن جنون قريش، ويشتط غضبها وأذاها للمسلمين، فيأذن النبى لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة المسيحية..
فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لهم مخرجا مما هم فيه.. ثم يسلم الفاروق عمر، وتأتى إلى أبى ذر أنباء بيعة العقبة الأولى ثم الثانية، ويأذن الله بالهجرة إلى يثرب، فينفر إليها المسلمون ويلحق بهم الرسول وصاحبه أبو بكر.. يزداد تشوق
أبى ذر للحاق بالنبى فى يثرب.. ينظر حوله فيجد قد آمن على يديه من قومه كثيرون، فينهض داعيًا من أسلم من قبيلته غفار ليشدوا الرحال معه إلى حيث الرحمة المهداة»