على هامش خطاب الرئيس السيسى فى الفرافرة الأرض.. والفلاح

25/05/2016 - 10:20:43

  بقلم : د. صفوت حاتم بقلم : د. صفوت حاتم

بقلم : د. صفوت حاتم

عنوان هذا المقال.. هو ذاته عنوان كتاب قديم ألفه الصحفى «إبراهيم عامر».. رحمه الله عام ١٩٥٨.. وأصبح أهم كتاب عن تاريخ «المسألة الزراعية» فى مصر.


 وعلى الرغم من أن كثيرين عالجوا تاريخ المسألة الزراعية فى مصر.. آنذاك.. خاصة «يعقوب أرتين» و «أحمد صادق سعد» .. و «محمد كامل مرسى».. وآخرين. لكن تظل لدراسة «إبراهيم عامر» الأرض والفلاح «هى أهم دراسة ساهمت فى تكوين وجدان الشباب اليسارى فى الستينيات والسبعينيات. فهى دراسة تاريخية شاملة عن «ارتباط « الإنسان المصرى بأرضه.. باعتباره «فلاحا» منذ أن عرفت البشرية الزراعة والفلاحة.


لقد خدم الفلاح المصرى أرضه بحب وشغف.. دون أن يمتلكها صراحة. فقد كان الملك.. أو «الفرعون» هو المالك الوحيد للأرض.. وهو الذى يضبط نظام المياه والرى ويحفر القنوات والسدود لمواجهة الفيضانات.. مما يجعله.. أى الفرعون.. السيد المطلق على الحياة: زرعا و ريا و بشرا.


ويبدو من كل الوثائق التاريخية.. أنه منذ عصر الفراعنة وملكية الأرض تلازم الحاكم وحده.. وأن سلالة البطالسة والرومان.. قد حكموا مصر على هذا الأساس.. مع تغيرات طفيفة.


وظل الأمر هكذا بعد الفتح الإسلامى لمصر.


والحقيقة أن الفاتحين المسلمين لم تقر «الملكية الخاصة» للأرض.. كما يتوهم الكثيرون.. بل أقرت حق الانتفاع بالأراضى الزراعية.. مزارعة فى مقابل دفع «خمس» الناتج للدولة كجزية ترجع للخليفة.


 وظل الفلاح المصرى محروما من ملكية الأرض فى عصر المملكة الوسطى.. وعهد المماليك.. وظلت الغالبية العظمى من الفلاحين.. وهم غالبية الشعب المصرى.. لا تعرف شيئا عن ملكية الأراضى حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر.


ظل وضع الفلاح المصرى دون تغيير كبير حتى قدوم محمد على للحكم.. وبعد نجاحه فى التخلص نهائيا من المماليك فى مذبحة القلعة عام ١٨١١.. قام بأول مسح وحصر للأراضى الزراعية فى مصر.. وكانت فى حدود ٢ مليون فدان.


وأعلن محمد على نفسه مالكا وحيدا للأرض الزراعية.. ثم قام بتوزيعها على أفراد عائلته ورجال حاشيته والقادة العسكريين وكبار الموظفين ومشايخ البلد الذين يقومون على جباية الضرائب. ولغير المتخصصين كانت الأراضى التى وزعها محمد على تأخذ صفة «الأبعديات» و«الجفالك» .. وكانت ﻷهله وعشيرته وقواده ومحظياته!!. ثم أراضى «الوسية» للملتزمين السابقين.. بعد إلغائه نظام الالتزام.


وأراضى «مسموح المشايخ»، التى منحها لمشايخ البلد نظير جبايتهم واعتصارهم للفلاحين. وأراضى «العربان والبدو»، لكفهم عن الهجوم على الفلاحين والقرى.


بشكل عام.. يمكن القول بأن الفلاح المصرى.. وهو يشكل غالبية الشعب المصرى آنذاك.. كما قلنا.. ظل محروما من أرضه.. فهو إما عاملا بها.. أو أجيرا مرهقا باﻹيجار والضرائب.


وظل هذا الوضع حتى أتت ثورة يوليو وأعادت له أرضه فى ٩ سبتمبر ١٩٥٢ بقانون الإصلاح الزراعى.. وسمحت له بملكيتها.. وخففت من الإيجارات ونظمتها.. وساعدته على زراعتها عبر الجمعيات التعاونية.. واستصلاح أراض جديدة وتوزيعها بفضل التحكم فى ماء النيل وبناء السد العالى.


لماذا كل هذا السرد التاريخى الآن؟


الواقع أنه منذ لحظة حضور الرئيس عبد الفتاح السيسى مناسبة حصاد عشرة آلاف فدان قمحا.. المستصلحة حديثا فى الفرافرة.. كمقدمة لمشروع المليون ونصف مليون فدان.. الجارى استصلاحها.. وأنا أسأل نفسى سؤالا : كيف سنتعامل مع الأراضى الجديدة المستصلحة؟.


هل نملكها للأفراد من الشباب والفلاحين على أقساط طويلة المدى؟.


مع ما يعنيه ذلك من تفتيت للملكية وشيوع أنماط من التكنولوجيا البدائية فى الزراعة؟.. أم نملكها لشركات زراعية كبيرة تمتلك القدرات الفنية والتكنولوجيا لتطوير وتعظيم الناتج ؟.


ولكننا بالمقابل نعيد تكرار المأساة التاريخية.. وهى حرمان الفلاح من أرضه وزراعته. وهنا يجب أن أقول كلمة : لقد تطورت صورة الريف المصرى كثيرا عن الصورة التى عهدناها فى طفولتنا وشهدناها فى الأفلام المصرية. 


فلم نعد نشهد بيوتا من الطين اللبن يسكنها الفلاحون مع حيواناتهم.. فقد اختفت تلك وقامت مكانها بيوت من الخرسانة المسلحة والطوب الأحمر. ودخلت المياه النظيفة والصرف الصحى والكهرباء كل الريف المصرى تقريبا.. مصحوبا بأطباق الفضائيات !!


وأنتعش نمط من الحياة قائم على التجارة البسيطة.. تبدأ بالغلال ومواد البقالة وتنتهى بالتليفونات المحمولة والملابس النسائية « اللانجيرى» .


ولكن السؤال : هل تطورت الزراعة المصرية تكنولوجيا.. أو اختفت أشكال الاستغلال التى يعانى منها الفلاحون؟!.


أبدا!!!.فلايزال الفلاحون يعانون من فساد الجمعيات التعاونية.. وارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمبيدات فى السوق السوداء.. وسوء تخزين المحاصيل وقلة الصوامع.. وتحكم تجار الجملة فى الفلاحين. مثلا.. خلال أزمة توريد القمح الأخيرة.. اضطر الفلاحون لبيع محصولهم من القمح «بخسارة» نتيجة احتساب التجار أردب القمح ١٥٠ كيلو جراما بدلا من ١٩٠ كيلو جراما وشرائه بـ ٤٢٠ جنيها بدلا من ٤٥٠ جنيها.


وكل ذلك بسبب سوء التخطيط فى احتساب وزارة الزراعة ووزارة التموين للمساحات المنزرعة.. وحجم الأقماح المستوردة بواسطة وزارة التموين وشركات التصدير.. مما أدى فى النهاية إلى تكدس المزارعين أمام الشون الزراعية.


من جهة أخرى يعانى فلاحو الإصلاح الزراعى من الفساد الرابض فى دهاليز وزارات الزراعة والأوقاف وسجلات الشهر العقارى.. واختفاء عقود وحجج ملكيتهم.. بقدرة قادر.. وسلب الملاك القدامى لأراضيهم عبر وسائل الغش والخداع والتزوير وإخراج الفلاحين من أراضيهم بمحاضر تعسفية.. تنحاز فيها الشرطة.. فى معظم الأحوال.. للملاك القدامى من أبناء الباشاوات والسادة المحترمين من أبناء المستشارين واللواءات السابقين.. على حساب الفلاح الغلبان!!.


الحقيقة ما يحدث فى الريف المصرى من مآس.. يفوق بكثير ما يمكن توقعه أو تخيله.


الأكيد : أن الريف المصرى لايزال بائسا.. رغم مظاهر التغير الشكلية.. فلايزال يعانى الريف من تدهور مستوى الخدمات.. وفساد الإدارة والنمو العشوائى. وهناك أسئلة تطرح نفسها... مثلا: ماهى رؤية الدولة للزراعة المصرية ومستقبلها؟!.


 ما هى رؤيتها للفلاح المصرى فى هيكل التنمية المصرية؟!


كيف تنظر الدولة لهياكل التنمية الزراعية الحالية من علاقات ملكية وايجارات واستصلاح أراضى وتطوير نظم الرى..وبنوك التسليف والجمعيات التعاونية ومدى مسايرتها للعصر والتطور الإدارى؟!!.


هل مصر بلد زراعى أو صناعى.. وما خطتنا لتطوير الزراعة والصناعة فى مصر؟. هل يمكن العودة للأكتفاء الزراعى الذاتى والعودة للتصدير؟.


يبقى السؤال الأخير: كيف يدافع الفلاح المصرى عن نفسه؟!.


لكن.. هذا حديث آخر!!..