رؤية الهلال

25/05/2016 - 10:14:07

بقلم: د.عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

من القضايا التي تقفز على الساحة الفكرية وتشغل حيزا من اهتمامات الناس كل عام قضية تحديد بدايات الشهور ونهاياتها، ولا سيما شهري رمضان وذي الحجة، حيث يحظيان باهتمام أكثر من غيرهما من الشهور نظرا لارتباط رمضان بشعيرة الصيام التي تشغل الشهر كله، ومن ثم يكون الاهتمام والترقب بداية من آخر شعبان إلى استقبال شوال، بينما يرتبط ذو الحجة بتحديد يوم عرفة لارتباطه بركن الحج الأكبر وهو الوقوف بعرفة الذي يكون يوم التاسع منه، ولا ينشغل الناس كثيرا بنهايته لانتهاء أعمال الحج قبلها.


وقضية المطالع من القضايا القلائل التي استقر الخلاف الفقهي حولها؛ فقد اختلف الفقهاء فيها بين رأيين في المجمل، حيث يرى فريق منهم أن بدايات الشهور ونهاياتها تكون واحدة بين الدول التي تشترك في جزء من الليل ولو قلَّ، بما يعني توحيد الشهور بداية ونهاية في غالب دول العالم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ»، وقوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ»، وشهر رمضان وغيره من الشهور التي تكون في السنة الواحدة هي لجميع الناس، وإذا بدأ شهر منها في دنيا الناس فقد رحل سابقه، لأنها متوالية وليست متوازية، فلا يجتمع شهران في زمن واحد على الأرض الواحدة، واستدل أصحاب هذا الرأي من السنة بما روي عن رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما»، وهذا من الخطاب العام الذي يشمل الجميع ولا يخص البعض.


وحين شهد أعرابي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى هلال رمضان وعلم النبي إسلامه أمر بلالا أن يُعلم الناس بالصيام. ويرى فريق آخر من الفقهاء أن ظهور هلال شهر بعينه ملزم لأهل البلد الذي ظهر فيه لكنه غير ملزم لأهل البلاد الأخرى، ولذا فمن المنطقي بناء على هذا الرأي اختلاف كل بلد في بداية الصوم ونهايته، ولكن أصحاب هذا الرأي يتفقون في الالتزام ببداية الحج، لارتباط مناسكه بالبلد الحرام، وحيث إن من وُجد في بلد فهو كأهله في مواقيتهم صلاة وصياما، وحجا، فلا مجال إذن لاختلاف الناس في توقيت الحج وإن اختلفوا في الصوم، لأن الصوم في سائر الأقطار وهي مختلفة في مطالعها تبعا لموقعها الجغرافي بخلاف الحج، واستدلوا على ذلك بما روي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أَوَلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم.


 وهذا الوارد عن سيدنا عبد الله بن عباس يراه أصحاب الرأي القائل بأن ظهور هلال شهر بعينه ملزم لأهل البلد الذي ظهر فيه لكنه غير ملزم لأهل البلاد الأخرى، بمثابة التفسير لقوله - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته»، وأمر بلالا أن يُعلم الناس بالصيام؛ حيث يكون الخطاب عندئذ موجها لأهل القطر وليس لجميع الناس، ويكون المراد بـ(الناس) الذين أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يعلمهم، هم الناس الذين يسمعونه إذا نادى وليس عموم الناس. ومن ثم، استدل أصحاب هذا الرأي بما جاء عن ابن عباس، حيث لا يعقل معارضة ابن عباس للثابت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أو جهل مراده، فهو حَبر الأمة وأحد كبار الصحابة، فضلا عن أن إعمال النصوص والجمع بينها أولى من إعمال بعضها وإهمال الآخر. أما الفريق القائل بتوحيد المطالع، فيرى أن ما ورد عن ابن عباس يتعارض مع الثابت عن رسول الله، فلا يلتفت إليه.


ولما كان رأي كل فريق في تفسير الثابت عن ابن عباس مقبولا من الناحية العقلية ولا يمكن الحكم ببطلانه؛ كانت مسألة توحيد المطالع من المسائل التي استقر فيها الخلاف من الناحية العلمية، ولذا فالأولى أن يترك الأخذ بأي من الرأيين للجهة المعنية بتحديد بداية الشهور ونهايتها كدار الإفتاء عندنا في مصر، ويكون على جميع المواطنين الالتزام برأي الجهة المعنية، ولا يجوز لآحاد المواطنين الأخذ برأي غير ما أخذ به مفتي البلاد أو الجهة المعنية بتحديد المطالع، لأن اختلاف البلدان فيما بينها يمكن تبريره بتفاوت التأقيت وبالخلاف الفقهي بين العلماء كما بينا، ولكن اختلاف الناس في البلد الواحد وربما البيت الواحد لا يمكن تبريره، بل إنه يضر ضررا شديدا بصورة الإسلام والمسلمين عند غير المسلمين، ولذا يلزم الدولة منع المخالفة ومعاقبة المخالف للمعمول به في بلده، كما يلزم جميع من وجد في بلد غير بلده الأصلي في أثناء رمضان أن يلتزم بما عليه العمل في هذا البلد ويترك متابعة بلده الأصلي، فالمصري في السودان أو لبنان أو غيرهما يصوم بصيام الناس في هذه البلدان ويفطر معهم وإن جاوز الثلاثين يوما، فإن صام أقل من تسعة وعشرين قضى بعد العيد، ولا عجب في ذلك؛ فقد يصوم شخص في بلده قبل البلد الذي سافر إليه بيوم، ويكون رمضان في البلد الذي انتقل إليه تاما (٣٠ يوما)، فعندئذ يجاوز صيام هذا الشخص الثلاثين باليوم الذي صامه في بلده قبل السفر، وقد يكون العكس، وذلك إذا صام الناس في البلد الذي سافر إليه شخص قبل صيامه في بلده الأصلي بيوم، ثم قدم هذا الشخص في اليوم التالي لصيام أهل البلد الذي سافر إليه، وكان رمضان في بلد السفر ناقصا، ففي هذه الحال يكون هذا الشخص قد صام ثمانية وعشرين يوما، وهذا لا يكون في الشهور العربية، ومن ثم يكون على هذا الشخص قضاء يوم بعد العيد، ولا يجوز له صيام يوم العيد.


وعليه، فإذا كان الأخذ بأي الرأيين الواردين في هذه المسألة لدولة ما مجتمعة جائزا شرعا؛ فإنه من الأولى والأحسن في زماننا - خاصة بعد سهولة الاتصال بين الدول - توحيد بدايات الشهور ونهاياتها، فيصوم المسلمون في الدول الإسلامية جميعا في يوم واحد ويفطرون في يوم واحد، سعيا لاتحاد المسلمين وإغلاقا لأحد الأبواب التي يستغلها بعض من قل حظهم من العلم الشرعي وكذا المتربصون، ولعلها تكون اللبنة الأولى التي تبنى عليها عناصر اتحاد المسلمين وترابطهم، بدلا من شيوع مظاهر «الأنا» وسعي كل دولة لأن تكون متبوعة لا تابعة، ولا شك أن هذه المظاهر تفوت على المسلمين كثيرا من النفع المرجو بتنقل القيادة بين دول المسلمين من غير نظر إلى اعتبارات لا تضيف فضلا بالإصرار عليها ولا تحط من قدر من تخلى عنها.