ست كلمات فقط لا غير

25/05/2016 - 9:37:44

بقلم: إيمان رسلان

“ماتت أمى ومات معها كل شىء” ست كلمات فقط لاغير أجابهم التلميذ أسامة أحمد حماد الذى لم يبلغ الثانية عشرة من عمره عن سؤال عن دور الأم فى حياته وفى الحياة فى امتحان اللغة العربية للصف الخامس الابتدائى.


أمام الست كلمات وحرف عطف وقف مدرسو اللغة العربية فى قرية السكادرة إحدى القرى الصغيرة المنسية بالقرب من الشيخ زويد بشمال سيناء يسألون أنفسهم كيف نتعامل مع إجابة الطالب فهل نعطيه الدرجة الكاملة لسؤال التعبير لأن اجابته بليغة وقصيرة وشافية ومعبرة وتتضمن كل شىء...


أم نلتزم بالتعليمات والنموذج المعد سلفاً لإجابات الطلاب والتى يحفظها كل تلميذ منذ أن يلتحق بالصف الأول الابتدائى إلا وهى ضرورة أن يكتب موضوع إنشاء محفوظ مسبقاً ويفضل أن يستعين بالأمثلة والآيات القرآنية إذا كان لها علاقة بالموضوع وإلا يقل ما يكتبه الطالب عن عدة سطور ليحصل حتى على درجة النجاح.. تلك هى التعليمات وقواعد التعليم فى بلادنا ، نموذج موحد لحفظ والتلقين حتى لنموذج الأجابة .


ولكن كلمات أسامة الست جاءت لتفضح هذه المؤسسة للحفظ والتلقين وتحيلها إلى الاستيداع.


ولولا ضمير حى وقلب انسان وقبل كل ذلك عقل معلم واع ويفهم ويدرك لما وصلت لنا هذه الكلمات الست فالمعلم رغم اللوائح والقواعد قرر أن يخرج كلمات أسامة إلى حيز العلانية ويشرك الرأى العام فى هذه الكلمات الست البليغة وسرعان ما حمل الفضاء الالكترونى والفيس بوك والمواقع التى يحاولون أن يقلموا أظافرها الآن ما كتب أسامة حماد لتبدأ قصة أخرى هى البحث عن هذا التلميذ النبيه الصادق رغم أنف تعليمات وزارة التعليم وبقوة الرأى العام.


أسامة حماد بالتأكيد ليس حالة فردية فهناك الآلاف الذين فقدوا والدتهم فى سن مبكرة وأنا شخصيا واحدة من هؤلاء فقدت أمى قبيل الالتحاق بالصف الرابع الابتدائى أى فى سن مماثل لسن أسامة وأعرف حجم الألم والأسى والمعاناة وصدق كلمات أسامة.


ولكن حالة أسامة استوقفتنى ليس لأنه فقد أمه مبكراً فكما قلت مثلى تماماً ولن اكتب فقط أتعاطف إنسانياً مع أسامة، فهذا أقل ما يجب علينا.


ولكن وهذا هو المهم هو حياة أسامة نفسه احواله فى قريته “المنسية” فى مدرسته التى أكاد أجزم أنها المكان الوحيد فى القرية لممارسة أى شىء.


أسامة فى مجتمعات أخرى يوجد بها مؤسسات حقيقية للتعليم يمكن أن يصبح مثل عمدة لندن المنتخب مؤخراً صديق خان نتاج التعليم المجانى والديمقراطية - محافظ لندن - هو أيضاً ابن أسرة فقيرة مهاجرة ولديه عدد كبير من الإخوة والأخوات


هل يمكن أن نتصور التلميذ أسامة “عمدة منتخب” أو حتى وزيراً منتخباً كل شىء فى بلادنا “بالتعيين” وما أدراك ما التعيين وشروطه وعلاقاته؟!.


ولن أزيد وأقول هل يمكن أن نرى أسامة طالباً فى إحدى كلياتنا الجامعية يكمل فيها مشوار تعليمه، خاصة وأن كلماته الست تنم عن نبوغ مبكر ورؤية الحقائق والتعبير عنها بأرق وأوضح الكلمات عفواً سوف تكون إجابة بلا وألف لا ، لأن أخر مشوار التعليم لأسامة وزملائه ومنهم أخوه الأكبر هو الحصول على الأعدادية والالتحاق بمدارس التعليم الفنى، لأن طبقاً للمعلومات والأرقام الرسمية فالمدارس العامة فى التعليم الثانوى العام عددها محدود للغاية فى محافظة شمال سيناء وبالتأكيد هذا العدد المحدود موجود فقط فى المدن وعاصمة المحافظة العريش بينما القرى وغيرها لا يوجد بها مدارس ثانوى عام والإحصاء الأخير للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء ذكر ذلك بوضوح تام.


وطبعاً كلنا نعرف أن التعليم الفنى هو تعليم من الدرجة الثانية والثالثة لا يلتحق طلابه بالجامعات أبداً إلا نسبة أقل من ١٠٪ يذهبوا إلى عدد قليل من الكليات الحكومية المجانية والبقية إلى المعاهد الخاصة مع مفارقة أن طلاب الدبلومات الفنية أكثر عدداً من طلاب الثانوية العامة بنسبة ٢ إلى ٣ فى عدد الطلاب.


ولكى نعرف أكثر فإن التعليم الفنى هو تعليم الفقراء لأنه بالمجان فعلينا أن نعرف أن أسامة يعمل طوال أيام الأسبوع بلا انقطاع فهو يعمل باليومية كعامل زراعى طوال يومى الجمعة والسبت وبعد المدرسة وحتى المغرب بقية أيام الأسبوع، إذن الطالب أسامة ليس لديه رفاهية التفكير فى كيف يكذب ويحفظ حتى يحصل على درجات فى المدرسة، لأن أسامة يعيش فى بيت صغير جزء منه مبنى من الصفيح من عائلة تتكون من ثمانىة اشقاء أكبرهن فتاة هى التى تقوم بعبء تحمل مسئولية العائلة بعد فقدان الأم فى عام ٢٠١١ كما روى أسامة وأب حالته الصحية لا تسمح له بالعمل أكثر من وردية وشقيقه الأكبر، حصل على الدبلوم ويعمل هو الآخر ليعول الأسرة فالجميع يعمل وبيومية لا تزيد عن ١٥ جنيهاً فى اليوم الكامل و٥ جنيهات لنصف اليوم.


ومن أجل هذه اليومية لم يستطع أسامة أن يكون فى استقبال السيد مدير الإدارة التعليمية ونائبه وغيرهما، فالجنيهات القليلة هى ما يهم أسامة وأسرته وليس تكريم السادة المسئولين، رغم أهمية التكريم فى حياة الإنسان.


التعليم المجانى الذى تتهرب منه الحكومة الآن يضع مشروعاً لتوفير الأراضى للقطاع الخاص لبناء “مدارس اللغات عليه” وبمكسب يصل إلى ٣٠٪ كما قال السيد وزير التربية والتعليم فى تصريحات رسمية، تحت لافتة أنه تعليم حكومى رسمى اسأله إذا كان لديكم الأرض فلماذا لم تبن الحكومة مدارس مجانية للتعليم الثانوى العام فى شمال سيناء على سبيل المثال لا الحصر، وأسأله هل مشروع التغذية المدرسية وهو عنصر هام لجذب الطلاب الفقراء إلى مؤسسات التعليم يطبق على مدارس أسامة وأخوته.. هل يمكن أن نحلم أن تكون مدرسة أسامة بها مكتبة للقراءة وناد صيفى وأن تحقق حلمه فى أن يكون ضابطاً..


وأخيراً هل لنا أن نحلم بأن يكون أسامة البوابة للحصول على فرصة جيدة للتعليم، أم أن طريق عمودية لندن لابناء الفقراء مازال بعيداً للغاية لأن أمامنا سنوات من أجل الديمقراطية!. ولكن الأهم هل ستنتبه الدولة ومؤسساتها لأسامة وعائلته واخوته قبل أن يقع فى يد القوى المتطرفة التى تحاول أن تعمل «بكد ودأب» فى شمال سيناء مسقط رأس أسامة؟..