لا تتركني يا أبي .. !

25/05/2016 - 9:22:29

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


لن أحكي لك عن نفسي؛ فأنا امرأة عادية، لم أعش أبدًا دور البطولة .. ثمة بطل حقيقي في حياتي هو من يستحق أن أحكي عنه .. وسأحاول ألا أكون كلاسيكية في وصف حنانه وعذوبته وصفاء قلبه.


سأحاول أن أحكي فقط عنه .. عن أيقونة عمري وبوصلتي في هذا الكون .. عن أبـــي.


والدي الآن رجل في الستين من عمره، وأنا ابنته الوحيدة .. أمي كانت مريضة بالقلب وتعيش على الأدوية والعقاقير، وعلمت أنها نجت من الموت بأعجوبة أثناء ولادتي .. وبرغم ذلك كان لديها إصرار على الحمل من جديد، حتى لا أعيش وحيدة بدون أخ أو أخت.والدي كان حريصا على صحة أمي، ولذلك كان رافضا تماما لفكرة حملها من جديد مكتفيًا  بنا أنا وهي، وزاهدًا في كل ما عدانا .. لكن رغبة أمي كانت أقوى من رفض والدي، وحملت أمي رغم توسلات وتحذيرات أبي لها.


وبعد شهور مرهقة جدًا من الحمل لم تفارق أمي خلالها الفراش ولم يمل أبي من خدمتنا أنا وهي، ماتت أمي.


وعشت مع أبي أرعاه ويرعاني، وصرنا صديقين حميمين وحبيبين وقريبين، بل صرنا روحًا واحدة .. وصار حديثنا عن أمي وحب أبي لها جزءًا ثابتًا من يومنا، كنت وقتها في الصف الثالث الإعدادي.


وذات يوم جاء أبي وتحدث معي بطريقة مختلفة عن طريقته معي، وقال كلامًا كثيرًا عن شعوره بالوحدة بعد أمي، وفهمت ما يريده والدي وقبل أن ينتهي من مقدمته الطويلة قمت وقبلت رأسه، وقلت له: أنت تريد أن تتزوج .. ما المانع؟


ورغم كل ما شعرت به يومها من ألم ربما غيرة عليه، إلا أنني وافقت عن رضا، وغير ذلك لن يكون سوى أنانية مني.


كانت زوجة أبي تعاملني في البداية بلطف، لكن يبدو أن طبيعة علاقتي بأبي لم ترُق لها فأصبحت تعاملني بخشونة ثم بمنتهى الخشونة، وأخفيت هذا على أبي لكن إحساسه كأب لم يُخفِ عليه أبدًا شيئًا يخصني .. وانتصر أبي لعلاقتنا، وطلّق زوجته.


لم أكن أريد هذا الطلاق بينهما، ولكن ما حدث قد حدث .. وعشنا من جديد معًا -أنا وهو فقط- وحين أنهيت دراستي لم تكن فكرة الزواج تشغلني، ولم أخف أن يفوتني قطاره، واهتمامي كله كان بعملي الجديد الذي فرحت به..


وتزوجت بعد ذلك من شاب أثنى عليه والدي، بل وأحبه والدي وأحببته أنا الأخرى .. وقبلت الانتقال معه في بيته بعدما رفض الإقامة في بيت أبي.


ولن أنسى يوم زفافي حين سلمني أبي بيده إلى يد زوجي وظللت متعلقة بيديه رافضة أن أتركها وأمسك يد زوجي .. يومها ضغط والدي على يدي برفق ففهمت أن هذا لا يليق.


ولم تتوقف دموعي يومها، وبكيت كالأطفال لحظة انصراف والدي .. وكانت ليلة صعبة جدا، حيث كانت أول ليلة أعيشها بعيدًا عن أحضان والدي.


أحببت زوجي وعشت معه في بيتنا الجديد المجاور لمحل عملي، لكني ظللت متعلقة كل مساء بزيارة أبي الذي ظل هو الآخر يهاديني بالفواكه والكتب والشيكولاتة التي أحبها .. وحين حملت، تحمل أبي نفقات العلاج والولادة سعيدًا.


ويوم ولادتي ملأت الدموع وجهه، وأصبح هدفي في الحياة يتلخص في إسعاد زوجي، وبر أبي، ورعاية طفلتي التي أسماها والدي على اسم أمي.


لم أكن أعرف أن الرجال كما الأطفال، وأن زوجي سيغار من حبي لأبي وسيرتكب بسبب ذلك حماقات ربما لن أستطيع تجاوزها .. حتى بعدما أصبح يصرح بما كان يلمح إليه طوال الوقت،  وصار يجهر بضيقه ويعلن عن غضبه أمام علاقتي بأبي.


وأصبحنا نتخاصم كثيرًا، وكلما حاولت إذابة هذا الجليد بيننا قبل أن يتراكم ويصبح جبلا تتجمد عليه كل مشاعرنا، عاد ليشكو من جديد ويضع نفسه في كفة ووالدي في كفة .. وأصبح جافا في تعاملاته مع أبي الذي تحامل على نفسه وقلل من زياراته لنا.


ولم يكتف زوجي بهذا الحد، لكنه تجرأ وأخبر أبي أن زياراته القليلة لنا غير مرغوب فيها، وحتى هداياه .. كل هذا حدث دون أن يخبرني والدي.


وامتنع أبي تمامًا عن زيارتي، واكتفى باتصالاته بعدما طلب مني أن أزوره مرة كل أسبوع، وأحسست بما حدث وسألت زوجي الذي اعترف بمسئوليته عن هذا الوضع.


إننا يا سيدي لا نختار للآخرين مواقعهم في قلوبنا، ولكنهم مسئولون عن ذلك .. وأبي عاش راهبا من أجلي، حنونا وكريما معي للغاية .. ولم تصدر منه أي إساءة لزوجي، فهل بعدما صار شيخا عجوزا يكون جزاؤه مني مثل جزاء سنمار؟


بالطبع لا .. لقد حملت حقيبتي وابنتي وذهبت إلى أبي قرة عيني وتاج رأسي، واعتذرت له باكية .. وأخذني في حضنه وبادلني البكاء وأخبرني أنه لن يعيش للأبد، وأنه يخشى علي من بعده .. وحمل عني ابنتي وجذبني من يدي وأعادني إلى بيت زوجي.


ومن يومها اتسعت الفجوة بيني وبين زوجي، وتناقص حبي له يوما بعد يوم، وأصبحت لا أرى والدي إلا مرة كل أسبوع .. أعود بعدها لأجد زوجي متحفزا ضدي ومتأهبا للشجار معي.


وكل مرة كنت أسأله: لماذا يضيق بأبي لهذا الحد، ولماذا على أبي أن يتحمل فراق ابنته الوحيدة إرضاء لمزاج وأنانية وتسلط زوجها وعقده الشخصية؟


للأسف ليس أمامي إلا الطلاق.


 


الــــــــــــــرد


 


إن زوجك في صراع محتدم بين حاجته لحبك، وخوفه من حبك لأبيك .. ولذلك يميل بعقليته الشرقية إلى السيطرة وفرض السيادة في بيته، ويشعر بأنه ينبغي أن يكون صاحب دور البطولة في حياتك.


إن لديه إحساسا دائما بقدرتك على الاستغناء عنه بسهولة، في الوقت الذي لا تستطيعين فيه الحياة بدون أبيك .. ولهذا يغار من والدك، ويسعى لتقليم أظافرك والتضييق عليك بالحد من زياراته لك.


إن زوجك رجل شرقي مريض .. وتسلطه عليك انعكاس لعدم قدرته على ممارسة السيطرة خارج نطاق البيت.


لكنه رغم ذلك معذور وغلبان .. نعم معذور.


لقد قبلتِه زوجًا لك بعدما أثنى عليه والدك .. وأحببتِه بعدما أحبه والدك .. وانتقلتِ للعيش معه في بيته على مضض وكأنه أمر غريب.


وبكيت كالأطفال في ليلة زفافك بعد أن سلمك والدك ليد زوجك، وكأنه سلمك للبوليس.


وتركتِ والدك يتحمل نفقات علاجك وولادة طفلتك، بل ويختار لها اسمها .. وكأن زوجك مجرد كومبارس لا علاقة له بالأمر من قريب أو بعيد، رغم أنها طفلته.


وظللتِ متعلقة كل مساء بزيارة أبيك محملا بالفاكهة والكتب والشيكولاتة التي تحبينها، وكأن زوجك لا وجود له.


كل هذا دون أن تراعي حالة زوجك النفسية التي تأثرت سلبًا بعدما وضعتِه في مرتبة ثانية، وطالبتِه طول الوقت دون أن تدري بأن يكون نسخة من والدك.


وأنا أفهم حالتك جدًا كبنت يتيمة الأم ومتعلقة تماما بأبيها .. وأفهم أيضا تعلق والدك بك كونك ابنته الوحيدة .. لكن كان على والدك أن يتفهم أن ابنته كبرت ولم تعد طفلة تنتظر منه الشيكولاتة كل مساء.


لقد طلق والدك زوجته انتصارا لك .. وعلى ما يبدو أنك ترغبين في رد الجميل وطلب الطلاق من زوجك انتصارا لأبيك.


فهل يكون خراب البيوت بهذه السهولة؟!


هناك عيوب يمكن تجاوزها فيمن نحبهم .. فقط لو كنا نريد حقا الإبقاء عليهم .. وزوجك في حاجة ليشعر بحبك له وتعويلك عليه كزوج ورب أسرة.


إن الزوجة الذكية تدعي احتياجها للرجل، حتى لو لم تكن بحاجة إليه .. وتمنحه السيادة حتى لو بالوهم، أو بشوية كلام فاضي.


إن الزوجة تستطيع أن تستحوذ على عقل زوجها بكلمة طيبة .. ومهما كانت سلطته وجبروته، يصير بلمسة حانية كطفل صغير مطيع وخاضع لها .. ووقتها لن تؤرقه علاقتك بوالدك.


والعلاقات الطبيعية بين أي زوجين مثل ما فيها من سلام ووئام .. فيها أيضا خلافات ومشاحنات وصدام .. لكن نستطيع نتجاوزها بالاعتذار والتسامح والرحمة .. وكثير من الحب.


وأنا لا أناصر زوجك، ولا أؤيد طريقته في التعامل مع والدك .. وأعلم أن رجلا بهذه العقلية الشرقية لن يتغير بين يوم وليلة، لكن من السهل أن تتغير علاقته بك حينما تبدئين بتغيير مواقفك وردود أفعالك أمام تصرفاته.


إن والدك رجل طيب ويحبك، وفي سبيل إسعادك مستعد للتنازل عن دور البطولة لزوجك .. فلا داعي للإصرار والعناد والتلويح بطلب الطلاق.