«نوارة» .. دراما واقعية بطعم ثورة يناير

23/05/2016 - 10:03:32

مشهد من الفيلم مشهد من الفيلم

كتب - محمـد نبيل

بالرغم من التماس العميق بين فيلم نوارة وأحداث ثورة 25 يناير، وما تبعها من تداعيات، إلا أن المشهد الوحيد الذى يظهر مجموعة من ثوار يناير وهم يهتفون "عيش ..حرية .. عدالة اجتماعية" جاء قاتما ومعطلا لمرور الفقراء الذين يلهثون خلف قوت يومهم، وهى بمثابة رمزية واضحة ، عبرت من خلالها المخرجة هالة خليل عن عدم استطاعة الثورة التأثير أو التغيير فى حياة المهمشين إلا بما هو أسوأ بطبيعة الحال.


الأمر نفسه تكرر أيضا فى بداية الأحداث حيث لم يستطع بطل الفيلم "أمير صلاح الدين" إيجاد سرير آدمى لوالده المريض بمستشفى حكومى، وهو ما اضطره الى افتراش الأرض، بعد أن تم وضعه خلسة خلال المساء داخل المراحيض من قبل الممرضة ، وهو ما يؤكد على انحدار حال الفقراء بعد الثورة، وتدهور حياتهم مقارنة بالأغنياء ، فضلا عن عدم تمكنه من توفير غرفة متواضعة ليتزوج حبيبته نوارة، و خسائر تجارته تماشيا مع الأحداث السياسية المتوترة .


أما اختيار ظهور منة شلبى فى شخصية «نوارة» مع بداية احداث الفيلم وهى تحمل جالونين ثقيلين مملوءين بالمياه - كانت تنقلهما من حنفية عمومية الى البيت - بينما جسدها الضئيل يتمايل تحت ثقلهما ، جاء ليوضح دون ضجيج مدى معاناة «شريحة كبيرة» وهي بالمناسبة" تسكن العاصمة فى القرن الحادي والعشرين وبعد ثورة قامت من أجل حقوق الفقراء، الذين لا يستطيعون الحصول حتى على كوب ماء نظيف وهذا هو أبسط متطلبات أى انسان على وجه الأرض .


شخصية "نوارة" التى قدمت منة شلبى تفاصيلها بعناية فائقة لم تكن لتمر برحلة يومية شاقة وقاسية فى أكثر من وسيلة مواصلات، الا من أجل توفير الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، للعمل كخادمة أمينة في عملها وقانعة بما كتبه الله لها، لدى عائلة وزير سابق "محمود حميدة"، لا يؤمن بأن المياه الراكدة قد تحركت فى 25 يناير من الأساس، فى ظل دولة لا يبدو أن تغييرا كبيرا قد طرأ عليها، خاصة فى التعامل مع هؤلاء القانطين في الفيللات والقصور، والذين قاموا بتحويل أموالهم الى الخارج ومن ثم لحقوا بها، وتركوا من ورائهم البسطاء يحلمون بمستقبل أكثر إشراقا، فى ظل حديث وسائل الاعلام المستمر عن عودة الأموال المنهوبة وتوزيعها على الفقراء فى أكثر من صورة .


لقد استطاعت المخرجة رسم أبطال قصتها وعبرت عنهم داخل كادرات مفعمة بالجودة رغم قسوتها بشكل رائع، سواء على مستوى توجيههم أمام الكاميرا، أو صياغة الحوار الدائر بينهم، وقامت بإيصال مفردات الفيلم ورسالته دون صخب من خلال التباين الحاد بين مشاهد منزل نوارة المتواضع وجدتها "رجاء حسين" .


فيما يتجسد الفساد واضحاً وجلياً بالتوازى مع أحداث أكثر الأفلام التى صنعت تعبيرا عن الثورة من خلال امتناع موظف الدولة عن توصيل المياه لسكان الحى الفقير الذى تقطنه نوارة الا مقابل رشوة مقننة، وهروب عائلة الوزير السابق إلى العاصمة البريطانية بعد تنحى مبارك، ولكن مشهد النهاية كان هو الأكثر تأثيرا بعد أن تم القبض على نوارة على خلفية اتهامها بسرقة بشكل مغلوط، وهو المشهد الذى لم يدع مجالا للشك، أن الثورة لم تأت بعد، أو أنها لم تأت سوي علي فقراء هذا البلد.


ورغم ذلك فإن الكثير من علامات الاستفهام يجب أن تطرح بوجاهة حول اختزال الثورة داخل العمل في البحث عن الأموال المنهوبة من قبل حاشية مبارك، وهو الأمر الذى لم يكن في مخيلة الأغلبية التي تحركت من أجل المطالبة بدولة مدنية حقيقية تحترم أبناءها علي كافة الأصعدة.