مصر زمان .. زمان يا مصر .. لمحة أرستقراطية للمحروسة

23/05/2016 - 9:59:54

جميل راتب جميل راتب

كتب - يحيى تادرس

هذا المقال تحديدا - يحمل قدرا هائلاً من الوجع والأسي عما أصابنا (مكاناً وإنساناً) علي السواء.


.. ولن أذكر شيئاً مثل (الزمن الجميل) أو ليت الزمان يعود يوماً فلكل زمن (أو هذا هو المفروض) لمسات جمال ورقي ولكن:


هل شهدت حديقة (أو ما أصبحت عليه حديقة الأزبكية).. مساحة شبه خضراء من القبح والفوضي والعشوائية - بل وسيطرة بعض البلطجية علي أجزاء منها).


تلك الحديقة التي كانت يوماً ما - من مفاخر القاهرة - ستكون مدخلي لموضوع بالغ الغرابة - لتاريخ أحد ملامحها (كشك الحديقة).. كان الكشك - أو ما حوله من خضار يشبه حديقة (هايد بارك) في لندن:


كانت مقراً معترفاً به - لكافة الاحتجاجات والتظاهرات لمن يطالبون بحقوقهم:


- عمال شركات الترام والغاز والكهرباء.


- كناسو الشوارع.


- جرسونات مقاهي ش/ عماد الدين وسكان الحارات المطلة علي الاسطبلات الملكية في بولاق للاحتجاج علي رائحة الخيول.


(حدث هذا في العشرينيات الأولي من القرن العشرين).


..


وكانت كوكب الشرق - السيدة أم كلثوم - تحيي العديد من حفلاتها في مسرح الحديقة (أين ذهب هذا المسرح. لست أدري).


كانت رياح التقدم قد بدأت تهل علي مصر - وكان أول من تأثر بها - فنانو شارع محمد علي - بعد انتشار محال الاسطوانات والاستغناء تقريباً عن فنانى الشارع.


(وكان نجوم تلك المرحلة - سيد درويش ومحمد عبدالوهاب.


وساد في مصر المحروسة ألقاب مثل (الأفرنجي والرومي):


مثل الباذنجان الرومي والجبنة الرومي والديوك الرومي) بل امتدت هذه الصفات إلي الكلاب والقطط..


فالأرستقراطية منها - مكانها المختار في القصور أو الفيللات أما السوقية أو الشعبية.. ففي الأزقة والحارات.. وربما يتساءل البعض - بعد هجرة الطبقات الجديدة صاحبة الأموال أياً كان مصدرها أو شرعيتها، إلي المنتجعات أو المدن الجديدة - أين كانت تلك الطبقات (تسكن)؟


(معلومة: ربما لا يعرف البعض معني المنتجع، وربما لا يربط بين المصطلح وما يقوله العامة لامرأة (حامل) - ربنا ينتعِك بالسلام - فينتعك معناها أن يرعاك صحيا - لذا فالمنتجع هو مكان كي يسترد الإنسان فيه صحته .. وانتهت المعلومة).


...


في عام 1938، تنشر مجلة كل شيء والدنيا مقالا عن تلك المناطق:


حي المعادي (بدأ بناؤه عام 1906) علي الطراز البريطاني ذى الأسقف المائلة (حتي تنزلق عليها مياه الأمطار إلي الحدائق المحيطة بالمباني) - أما ما يلزم سكان هذا الجزء الأرستقراطي من الحي - فكان مصدره (معادي الخبيري) .. وفي عام 1910 ينشأ خط المترو.. وتتغير قليلا فقليلا.. خريطة الحي ..


....


جاردن سيتي


وهذا الحي له خصوصية (كان علي الأقل) - إذ كان مقرا للسفير البريطاني (قصر الدوبارة).


ولما كانت إيجارات السكن في عماراته باهظة (من أربعة جنيهات حتي عشرة! - شهريا).


وربما يكون السؤال.. إلي هذا الحد كان المسكن رخيصا - باعتبار قيمة الجنيه حاليا؟!!!!).


ولكن هناك سؤالاً مضاداً - ومن الذي كان يملك تلك الجنيهات في ضوء الدخول المتدنية لأصحاب الوظائف....؟


وحتي إذا نجح أحد أبناء تلك الطبقة (الوسطي من فضلك) في التسلل إلي سكني الحي - نطاق سكانه الأصليون - يتجاهلونه ويجعلون من وجوده عذابا نفسيا يوميا.. حتي يرحل).


الزمالك


.. بدأ الحي وجوده الأرستقراطي بعد أن بني الخديو إسماعيل قصره ...


قصر الجزيرة


(ماريوت حالياً)، لاستضافة الإمبراطورة أوجيني - وكان يعيش في هذا الحي نخبة من الأجانب وبعض أعضاء الأسرة المالكة (الأميرة فاطمة فاضل/ الأميرة نازلي حليم/...) هذا الحي كان أيضاً مقراً للعديد من النوادي (الجزيرة الرياضي - نادي الضباط/ التيرف كلوب/ النادي الأهلي/ نادي المختلط/نادي الاتحاد الإنجليزي المصري....).


..


(بعد الثورة 1952)، يكاد هذا الحيّ يفقد خصوصيته وبعض ملامحه الأرستقراطية، إذا يبدأ غزو بعض أبناء الطبقات (الجديدة) للسكني فيه.. هذا الحيّ كان أيضاً - مكانا مختارا للعديد من المحال الكبري والمخازن التي يمتلكها الأجانب.


حتي الآن - من النادر أن نجد محلا لا يكتب علي لافته اسمه باللغة العربية- وكأننا لا نزال نعيش تحت وهم شديد التأثير - أن هذا الاتجاه المريض في رأيي - يعني أن أصحابه يتنصلون من مصريتهم ويعتبرون هذا التصرف نوعا من عقدة الخواجة!).


..


هليوبوليس (مدينة الشمس) أو حتي مصر الجديدة.


كانت في بداياتها مدينة منفصلة يربط بينها وبين المدينة الأم، قطارات المترو (التي كانت فاخرة - يوماً ما، قبل أن يصيبها ما أصاب كل لمحات الحياة المميزة والمتميزة.. من دمار وقبح وتشويه...).


.. كانت هليوبوليس - مشروعاً عملاقاً - نفذته شركة كانت تعد من ناحية رأسمالها - التالية لشركة قناة السويس.


...


1925


.. كان خمسون في المائة من سكان هذه الضاحية من المصريين وثلاثون عرباً شوام و20 في المائة من الأجانب، وكانت (أقول كانت) مبانيها تخضع لنظام صارم في الشكل والارتفاع وعدد الطوابق - مما لا يزال يضفي كثيراً من السحر علي أحيائه القديمة حتي الآن.. ولا أريد أن أذكر شيئاً عن الأبراج وغابات الأسمنت الهائلة - التي مسخت شكل الحي..)


فماذا عن الطبقات الشعبية؟


.. هذا يمكن أن يكون بحثاً شائقاً لمقال قادم..


تري - هذه الطبقة - التي كادت تنفصل بمساكنها ولغاتها وتقاليدها - بل وأزيائها عن بقية طوائف مصر.. كيف كانت تقضي أوقات فراغها.


- مقاهي أوروبية حيث كان مغنون أوروبيون وفرق موسيقية بألحان غربية.


اللونا بارك في هليوبوليس (افتتحها مستثمر إنجليزي علي غرار (كورت بارك) في لندن.


...


و ... مكان يجمع معظم طوائف الشعب هو عماد الدين وكان أحد أبطال الاسكتشات التي يقدمها (نجيب الريحاني كشكش بك).


.. وكانت أشهر صالات عماد الدين صالات (بديعة مصابني ومنيرة المهدية وكانت تكلفة الدخول للفرد (خمسة قروش!)


..


فماذا عن دار الأوبرا الخديوية ثم الملكية ثم دار الأوبرا المصرية ثم الحريق الذي دمرها في أوائل السبعينيات من القرن العشرين..؟


كانت 120 قرشا للبنوار و80 قرشاً للوج و15 قرشا للفوتيل و10 قروش لمقعد البلكون.


أما دخولها فكان لابد له من مستلزمات مثل أزياء الرجال والنساء ومعرفة اللغة الإيطالية تحديدا في مواسم الباليه.


العامة - كان مجال متعتهم الليلية - روض الفرج حيث كان (علي الكسار) يتألق كل ليلة.


إلي أن بدأ حدث هائل اهتزت له مصر ووسائل اللهو بها:


ديسمبر .. 1906


بدأت عروض الصورة المتحركة (السينما) في المقاهي الفاخرة بوسط المدينة (رستوران سانتي ومقهي الشانزليزية بالأزبكية وفي نهاية العام - تأسست دارا للسينما مخصصتان لهذا الغرض في الإسكندرية (سينمافون عزيز ودرويش).


وفي القاهرة (سينماتوغراف اكسلسيور)


ديسمبر 1907 تم افتتاح أول دار سينما (ايريانورا) بالمنصورة ثم توالي افتتاح دور السينما في مصر إلي الصعيد..


فماذا عن أسعار التذاكر:


لوج: أربعون قرشاً


فوتيل: 7 قروش


صالة للكبار: 4 قروش


صالة للصغار: 2 قرش


..


وقبل أن أنسي - كيف وصفت مجلة التايمز سنة 1860 ملابس السهرة الأرستقراطية:


للرجال: طربوش وربطة عنق بيضاء وصدرية سوداء أو بيضاء وسترة سوداء من الفراك بياقة منتصبة، وقفازات بيضاء.. علي الدوام.


هؤلاء الرجال كانوا حريصين علي التنزه علي صهوة جيادهم إلي جانب احتفاظهم بمركبات مقفلة مؤثثة جيدا من الداخل لركوبها، في طريق شبرا!!! التي لم تكن قد عمِّرت بعد..


نسيت أن أكتب:


أن المطرب عبدالغني السيد كان نجم حفلات الأرستقراطية ومعه نجمة - ربما لا يعرفها أحد من الأجيال الجديدة هي:


فاطمة سِّري (ولها حكاية غريبة ليس هذا مع حالها) وكانت حين تغني (في الزمالك تحديداً) تجعل الحيّ يهتز وجداً وطربا ويجعل الوزراء الذين يتصادف مرورهم يصطفون بسياراتهم للاستماع إليها ولو من تحت النوافذ (وصف منقول نصاً من مجلات ذلك الزمن).


فماذا عن (المساكن) الأرستقراطية؟


كانت هناك صالة للألعاب (Salle de jeux) في خَمَسْ فيللات من أصل 12 فيللا إلي جانب غرف للتدخين والبريدج والبلياردو إلي جانب البار بالطبع..


.. ولم يكن هناك أقل من غرفتين للخدم.


وهنا نقترب من قصر أو فيللا والدي الممثل جميل راتب:


(الأم نائلة سلطان والأب السيد أبو بكر راتب)..


كانت تحيط بالمبني حديقة مساحتها 7 أفدنة..


وكان عدد من يعملون بالخدمة المنزلية (32):


- طباخ وخمسة مساعدين


- رئيس الجناينية ومساعدوه


- مسئول المغسلة


- 3 سائقين (أولهم إيطالي)


- 5 سفرجية وصبي لمساعدتهم


- 5 نساء (مربية إنجليزية - كمريرة إيطالية تشرف علي الملابس الداخلية للسيدات.


- 3 خادمات مصرية


و .. 3 كنبة في مكتب في البدرون لمسئولى الحسابات.. فقط لا غير.. تري كيف كان شكل القصر أو الفيللا من الداخل؟.. الله يعلم.


...


أما فيللا أم كلثوم (التي كانت بشارع أبو الفدا بالزمالك قبل أن يتم هدمها بإرادة وتصميم وأطماع الورثة:


- كانت غنية بالفراندات والبلكونات.


...


وكان بجوار الفيللا ساقية تظل تدور طوال الليل مما كان يزعج (الست) إذا كان (مسكنها) يحدد نهاية مباني الزمالك وقتها..


...


هذه لمحة بالغة البساطة عن مصر زمان


وسأحاول في المقالات القادمة أن أقترب أكثر من الطبقات المصرية، خاصة الأرستقراطية منها (أشعر بأننا ببطء نعود إليها..


.. اللغات .. التعليم.. الابتعاد بقدر المستطاع عن (الشعب) حيث الزحام الخانق.


المصادر


عدة مصادر أهمها:


الطبقة العليا بين ثورتين 1919- 1952


تأليف : ماجدة بركة


ترجمة: محمود ماجد


تقديم: طارق البشرى