عبد الحليم حافظ ..جسر التنهدات «8 » .. هذه العقدة هي السر الحقيقي وراء حزن حليم الدفين

23/05/2016 - 9:55:22

عبد الحليم حافظ عبد الحليم حافظ

عرض الكتاب : محمد المكاوي

لايزال الكاتب الراحل جليل البندارى يغوص في طفولة حليم محاولا البحث عن سر الحزن والشجن الدفين فى صوته ، ويروى على لسان شقيقه محمد شبانة أو الشيخ محمد أن نساء الأسرة اعتبرن هذا الطفل الوليد وشه نحس لأن أمه ماتت عقب ولادته مباشرة وبعدها بعدة أشهر مات أبوه فحاولن التخلص منه ، ولكن شقيقه اسماعيل أنقذه منهن وأخفاه عند خالته ، واستمر حليم ينتقل من بيت إلى بيت حتى استقر وعمره 5 سنوات عند جارة لهم ، وذات يوم وبينما محمد عائدا من المدرسة فوجئ بحليم يقف أمام بئر عميقة يحاول القاء نفسه...


الفصل الثامن


قاتل أمه


وبدأ الطفل الصغير يتساءل فيما بينه وبين نفسه لماذا يطلقون عليه الولد النحس وهل هو قاتل أمه حقيقة ؟


انتقل عبدالحليم بعد ذلك وهو في الخامسة من عمره من الحلوات إلى بيت خاله بالزقازيق وتربت في نفسه وهو في هذه السن عقدة الشعور بالذنب فقد كان الجميع يشيرون عليه..


هذا قاتل أمه .. هذا قاتل أمه


وبدأ الطفل الصغير يتساءل فيما بينه وبين نفسه لماذا يطلقون عليه الولد النحس وهل هو قاتل امه حقيقة؟ ، واقتنع الطفل بأنه لم يتسبب في عذاب أمه _ فقط _ وهي تلده وانما هو المتسبب في موتها فعلا


انا قاتل امي .. انا قاتل امي


هكذا تربت عقدة الشعور بالذنب في نفسه وظلت تعيش معه سنين طويلة ،ربما تكون هذه العقدة هي السر الحقيقي المختفي وراء حزنه الدفين ، فأنا حتى هذه اللحظة لست مقتنعا بوجهات النظر التى تقول إن الجحيم الراسب في صدر عبدالحليم من زوجة خاله هو الذى يطفو الآن على اغانيه الحزينة التي تثير الدموع والتنهدات ، ولكني أميل إلى الاعتقاد بأن هذه العقدة هي السر الحقيقي المختفي وراء حزنه الدفين .


وعندما بلغ الثالثة عشرة ظهر بوضوح استعداد الولد النحس للموسيقى والغناء ، فقد سمع من الاولاد في الحارة ان عبدالوهاب جاء الى الزقازيق وانه سيغنى في بيت الدكتور برادة.. الزقازيق كلها _ بأطفالها ورجالها ونسائها _ ستسهر أمام بيت الدكتور برادة .. كلهم سيستمعون الى عبدالوهاب وهو يغني ولكن عبدالحليم أراد أن يتميز عن الجميع بأن يرى بعينيه عبدالوهاب وهو يغني ، انه يريد ان يكون احد المدعوين الذين يدخلون القصر ويستمعون الى عبدالوهاب كأصحاب البيت وليس كهؤلاء الذين يكتفون بالاستماع الى صوت عبدالوهاب من خلال الميكرفون وهم خارج البوابة ، وفي عز الليل وأفراد الأسرة كلهم نيام تسلل الولد النحس من الفراش وارتدى ملابسه وخرج واستطاع ان يتسلق شجرة التوت المشرفة على القصر وجلس حليم على فرع الشجرة المرتفع كأنه في البلكون وأخذ يدور بعينيه باحثا عن عبدالوهاب بين المدعوين والمدعوات وهم في ملابس السهرة .


وأخيرا عثر على عبدالوهاب ، واصيب الطفل القروي بخيبة أمل ..لا يمكن ان يكون هذا الرجل الذي يلبس الطربوش الاحمر ويضع النظارة السميكة على عينيه هو معبودي عبدالوهاب !


عبدالوهاب ضعيف النظر ؟ كيف هذا؟ ولماذا لا يعالج عينيه عند أحد أطباء العيون في القاهرة ؟ ان مصر مليئة بأطباء العيون بل ان الزقازيق نفسها فيها اكثر من طبيب عيون .. حتى المستشفى الاميرى فيه طبيب عيون.


اخلع النظارة ياسيدي أريد أن أرى عينيك بلا نظارة.


وكان عبدالوهاب قد استمع لنداء الطفل وهمساته فخلع النظارة واخذ يمسحها بمنديله الحريري


وهتف عبدالحليم لمعبوده :


البسها تاني


ووضع عبدالوهاب النظارة محتضنا عوده وهو جالس بين أفراد فرقته يغني أغنيته المشهورة "حياتي انت" ،وركز عبدالحليم كل حواسه في هذا المشهد الخالد حتى لا تفوته نغمة أو حركة أو همسة ! ان يستمع الى معبوده وهو مذهول ولم يشعر عبدالحليم بفرع الشجرة وهو يترنح تحته ثم يهوى به من أعلى البلكون الى الارض


واغمى عليه فلم يدر شيئا مما حدث وأفاق من اغمائه ليجد نفسه في المستشفى الاميري وحاول أن يحرك ساقه اليسرى فوجدها ثقيلة جدا فقد كانت في الجبس.


كانت ذاكرة عبدالحليم وهو في هذه السن تستقبل النغم والالحان كما تستقبل الحصالة الفخار قطع النقود الفضية وكان اللحن الذي يستمع اليه يلتقطه ويحفظه من أول مرة وحفظ عبدالحليم اغنية "حياتي انت" من اول مرة وامضى ثلاثة شهور في المستشفى وهو يردد ليلا ونهارا كلمات الأغنية ، واستطاع هذا اللحن الجذاب ان يجعله ينسى أول مأساة في حياته وهو فتى صغير بل ان فرحته بلقائه الاول مع معبوده كادت تفقده عقله ، ولم ينس أبدا تلك اللحظات الرائعة التى جلس فيها على فرع شجرة التوت يراقب كل حركة وسكنه لمعبوده ذي الطربوش الاحمر والنظارة السميكة وهو يقول :


حياتي انت ماليش غيرك .. وفايتني لمين


ظلمت روحي وحبيتك .. وبقالي سنين


عمال اقاسي ليل ونهار سهد الليالي والافكار


وكأن عبدالوهاب كان يغنيها له وحده ،ولم يعد لعبدالحليم عمل في المستشفى سوى الغناء ، وهكذا ازعج المرضى وازعج الاطباء حتى هددوه بالطرد قبل ان يتم شفاؤه


كان هذا الحادث قد وقع له في رمضان ومضى عام وجاء رمضان واستأجر عبدالحليم بسكليت ليذهب به مع احد زملائه الى مولد الشيخ ابو مسلم الذى يبعد عن الزقازيق بحوالي 30 كيلو .


خرج حليم على بسكليت وعاد في سيارة اسعاف ، فقد اصطدم بالبسكليت في سيارة وكسرت ساقه اليسرى للمرة الثانية وأصيب بشرخ في عموده الفقرى ، ورقد في هذه المرة سنة كاملة بالمستشفى الأميري.


كان وهو في البيت محروما من الدجاج والأرانب وفي المستشفى وجد الفراخ والأرانب ولكنه لم يجد الحنان أو بعض الحنان الذي كان يقتات منه قلبه الصغير المحروم


ففي يوم الزيارة كان كل مريض يستقبل زواره العديدين بما يحملون من طعام وفاكهة وهدايا ولكن عبدالحليم لم يكن يستقبل أحدا على الاطلاق، وكان يوم الزيارة بالنسبة له هو اشقى ايام الاسبوع ، فقد انشغل اشقاؤه الكبار في العمل كان كل منهم يسعى للرزق ومنهم من كان يعمل خارج الزقازيق ..الوحيدة التي كانت تواظب على زيارته هي شقيقته وزميلة بؤسه وشقائه عليّة !


كانت عليّة تذهب في كل يوم الى المستشفى وسواء سمحوا لها برؤيته ام طردوها من الباب الخارجي فانها لم تتخلف يوما عن زيارة المستشفى والوقوف تحت نافذته لتستمع الى صوته وتطمئن على انه حي يرزق !


إن عبدالحليم لايزال يذكر ذلك اليوم الذى أفاق فيه من غيبوبته على بكائها وقد التف حولها لفيف من زوار المرضى الآخرين وهم يواسونها ويكفكفون دموعها، وهو لا ينسى أبدا ذلك اليوم الذى دخلت عليه فيه وهي تحمل إليه اعظم هدية تلقاها في حياته .. راديو صغير اشتراه له شقيقه اسماعيل من القاهرة ..


ووجد حليم في هذا الراديو الصغير تسليته الكبرى انه يستطيع الآن ان يستمع الى جميع اغنيات معبوده ذي الطربوش الاحمر والنظارة السميكة