النكبة والمقاومة الشعبية الفلسطينية .. حكايات من لحم ودم

20/05/2016 - 3:06:25

عبد القادر الحسيني وسط المجاهدين (فبراير 1948). عبد القادر الحسيني وسط المجاهدين (فبراير 1948).

أعدت الملف وقدمته: بيسان عدوان - كاتبة فلسطينية مقيمة بالقاهرة لها مؤلفات ودراسات في الصراع العربي الإسرائيلي

   "هناك قصص لم يسجلها التاريخ الرسمي، ومدفونة بين طيات كتب فلسطينية، باعتبارها جزءا من الشهادات الحية، أصحاب تلك البطولات كثر، منهم من استشهد، ومنهم من ظل مصيره مجهولا حتى يومنا هذا، منهم من نعرفه كقيادات لقوات جيش القدس، ومنهم لا يزال محفورا اسمه وعمله بين أبنائه وأحفاده يتناقلون حكايته جيلا بعد آخر، لكن لم يتتبع أحد آثارهم، كان منهم أولئك الأشخاص المجهولون الذين تحولوا إلي أبطال في المخيلة الشعبية كعلي جبر الذي كتب عنه مناحيم بيجن زعيم عصابة الأرجون، في كتابه حول راجمته التي أخترعها "لقد دمرت راجمة العرب أحياء كاملة، في حين اضطر سكان أحياء أخرى لإخلائها، وهام الآلاف على وجوههم في قلب المدينة، وعاش الآلاف في الأقبية لعدة أشهر".


    كتب الكثير من بطولات قوات الجهاد المقدس يمكن أن يذكر شاهدين على تلك البطولات، أولهما ما كتبه قائد بريطاني كان يقود لواء الغزو موقع باب الواد بين القدس ويافا الذي أغلقه المجاهدون الفلسطينيون في وجه القوافل اليهودية والقوات البريطانية التي كانت تقوم بحمايتها في صيف عام 1936، إذ استمرت المعركة ثلاثة أيام، لما انتهت نقل البريطانيون جثث الشهداء العرب إلى مدخل باب الواد بعد أن جمعوا أسلحتهم وذخائرهم، وقال القائد “إن هؤلاء الأبطال أوقفونا ثلاثة أيام على كثرتنا وقلتهم، وعظم الفرق بين أسلحتنا وأسلحتهم، ووسائلنا ووسائلهم إني أطلب إليكم تقدير هذه البطولة واحترامها. وعندئذ وقف الجنود وأطلقوا النار في الهواء من بنادقهم تحية عسكرية لأولئك الشهداء الأبطال".


    أما الشهادة الثانية فهي من الضابط المصري المقدم البكباشي عبد الجواد طبانة الذي كان رئيس القوات الخفيفة جنوبي القدس فقد بعث رسالة إلى المفتش العسكري العام لقوات الجهاد المقدس منير أبو فاضل جاء فيها: "لا يسعني إلا أن أعبر لكم عن مزيد تقديري للمقدرة التامة التي حاربت بها قوات الجهاد المقدس وروح التضحية وضروب الشجاعة النادرة التي لا يتسع المجال لتعدداها ولن أنسى أن أذكر بالتقدير الروح العالية التي كانت رائدكم في العمل معي جنبا إلى جنب في كل الأمور ولن أنسى ملازمتكم في الظروف العصبية التي مرت بنا، والتي في اعتقادي أن وجودكم بجواري ومجهودكم الجبار الذي بذلتموه كان من الأسباب القوية التي ردت اليهود على أعقابهم في تلك المنطقة المقدسة".


    بعد صدور قرار التقسيم عام 1947 نظم عبد القادر الحسيني في قرية صوريف من أعمال الخليل قوة من الشباب تقدر بخمسة وعشرين مجاهدا من أجل متابعة الجهاد لمقاومة التقسيم وللدفاع عن عروبة فلسطين. ثم انتشرت هذه التنظيمات في معظم مدن فلسطين. وحملت كلها اسم “قوات الجهاد المقدس”. وباركت الهيئة العربية العليا لفلسطين هذا التنظيم الذي أصبح تابعا لها. وتولى القيادة عبد القادر الحسيني، ولما اشتد النزاع بين العرب والصهاينة شكلت الهيئة العربية العليا في كل قرية ومدينة في فلسطين لجنة محلية لمقاومة العامة، وتفرعت منها لجان لجمع الأموال والسلاح وأخرى للدعاية لصالح قوات المجاهدين، وانخرط عدد كبير من أبناء البلاد العربية، بالإضافة إلى أبناء فلسطين، في صفوف المجاهدين.


حكايات شعبية من لحم ودم


    خاضت قوات الجهاد المقدس معارك كثيرة ناجحة، أوقعت فيها باليهود وبالقوات البريطانية خسائر كثيرة، منها معارك بربرة الأولى والثانية والثالثة في أبريل ومايو 1948. كما خاضت معركة جولس التي استشهد فيها المجاهد عزة حقي في ابريل 1948. وفي اليوم التالي ثأر له المناضلون في معركة جولس الثانية، وكبدوا العدو خسائر مضاعفة. ثم نشبت معركتا النبي داود الأولى والثانية اللتين لم يستطع الصهاينة فيهما التقدم شبرا واحدا بالرغم من استعدادهم وبدئهم المعركة. ولم تقع في المعركتين أية اصابة في صفوف المناضلين العرب، كذلك الحال في معركة دير أبي طور الثانية في يوليو 1948 ومعركة النبي داود الرابعة في أغسطس 1948.


    أظهرت قوات الجهاد المقدس في جميع هذه المعارك شتى أنواع البطولة، ولاسيما في معركة بيت سوريك، ومعركة الماصيون، ومعركة ميكور حاييم، ومعارك الطرق، ودلت على قدرة في التخطيط وجرأة في العمل، مما جعل كريستوفر سايكس مؤلف كتاب “مفارق الطرق إلى إسرائيل” يقول: “بدأ العرب في نهاية شهر شباط في وضع عسكري أحسن مما عليه اليهود. وكان العرب يهاجمون المستعمرتين اليهوديتين إلى شمال وجنوب مدينة القدس. وبالرغم من أن العرب لم يحتلوا إحداهما، إلا أن الهجوم الذي قام به عبد القادر الحسيني على مستعمرة كفار عصيون الجنوبية أدى إلى إبادة جميع القوة الصهيونية الضاربة المعروفة بالبالماخ التي أرسلت لنجدتها".


    طورت قوات الجهاد المقدس أسلحتها، واستعملت راجمات الصواريخ التي صنعها المواطن علي جبر من أنبوبة محشوة بالمواد المتفجرة، تقذف بجهاز خاص، وتصل إلى بعد مئات الأمتار، وتدمر الحصن الذي تسقط فيه. ومفعولها أقوى من مفعول المدافع الثقيلة. وقد أحدث هذا الاختراع انهيارا في معنويات اليهود لشدة فتكه. وهذا ما ساعد القوات الفلسطينية على احتلال مستعمرة "هاتكفا" اليهودية التي لم يستطع الصهياينة استردادها إلا بعد تدخل القوات البريطانية.


    بعد عدة محاولات للفلسطينيين بتركيب وتفكيك الألغام التي أودت بحياة كثر، وفق الفتى "علي جبر" بالتعاون مع أخويه محمود وزكريا في صناعة راجمة تحمل شحنة انفجارية بزنة 20 كيلوجراما ودون الاعتماد على المتفجرات المستخرجة من الألغام القديمة.


    وصل تأثير راجمة جبر لدرجة أن بدأ عدد كبير من سكان "تل أبيب" يقضون الليالي قرابة الشاطئ انتظارا لسفن الإخلاء التي تحدثت الشائعات عن قرب وصولها. وصل الوضع من السوء في تل أبيب لدرجة أن أطنب اليهود على الإنچليز طلبا للمساعدة، فتدخل الإنچليز واعتقلوا علي جبر وصادروا راجمته، ليسلموها في نفس اليوم إلى "الپالماخ."


    عرف علي جبر بين المقاتلين اليافيين بالكاتان، أي الصغير بالعبرية، وهو لقب أطلقه عليه اليهود، بسبب قصر قامته وملامحه الطفولية. وبعد إطلاق سراحه تطوع "الكاتان" للمشاركة مع الحامية التي تبقت في المدينة للدفاع عنها بعد نزوح أهلها. وانضم "الكاتان" إلى فرقة التدمير التي شكلها "الحوت" من 14 متطوعا ألمانيا، والتي نسفت مقر قيادة الهاچاناه في "بات-يام".


    كان لرجال فصيل التدمير في قوات الجهاد المقدس التي انتمى لها علي جبر باع طويل في العمل العسكري، فقد ردوا على المتفجرات اليهودية في بابي العامود والخليل بأعمال أكثر جرأة حين زودوا سيارة نقل بريطانية عسكرية بمتفجرات تزن طنا ونصف الطن من مادة ” ت. ن. ت” وفجروها في شارع هاسوليل داخل الأحياء اليهودية في القدس الجديدة فدمرت ثماني بنايات من بينها بناية جريدة بالستين بوست وجريدتي على همشمار وهامشكيفا، وقتلت وجرحت المئات من اليهود، ونشرت الذعر بينهم (هاسوليل والبالستاين بوست، نسف شارع). كذلك نسف معمل “السبيرتو” اليهودي قرب مسعمرة نيتر في مداخل مدينة يافا، ومعمل النجارة الكبير قرب ضاحية أبو كير في مدخل شارع هرتزل الرئيس في تل أبيب. ونسف أيضا معمل الجير والاسمنت في مجدل صادق، ونسفت سكة حديد حيفا، ودار شركة “سوليل بونيه” اليهودية.


صبحي العنكوش والاغتيالات


    لم يخرج الفتى صبري العنكوش من قريته الصرفند الصغرى نواحي طبرية حين هاجمت القوات البريطانية القرية وأخلت سكانها في نهاية عام 1918 بعد مذبحة قوات "الخيالة الخفاف النيوزلندية" لأهالي صرفند، وبدأ العنكوش بالتنقل عبر الأسطح من منزل لآخر حني نهاية الحملة، قرر إنقاذ البندقية التي حصل عليها بأي ثمن بعد حادثة مذبحة الصرفند الصغري في نوفمبر 1918، ولم يخرج العنكوش مع السكان إلى الشاطئ رغم التهديدات الجادة من الإنجليز بقتل كل من يتخلف عن الخروج، وبدأ ينتقل عبر الأسطح من منزل لآخر حتى نهاية الحملة.


    حدد "العنكوش" مع رفاقه مسالك آمنة عبر أسطح المنازل، واتفقوا على نظام اتصال وإنذار، بحيث يتوجه "العنكوش" إلى النقطة التي يتمكن فيها من قنص أي جندي يدخل المدينة ليلا، فيما يقوم رفاقه بتخريب أعمدة الإنارة وقطع الكهرباء، استمر "العنكوش" في مهمته حتى إجلاء الانتداب لقواته من طبريا، ليشارك فيما بعد في معارك الطرق التي أراد اليهود من خلالها خنق المدينة طيلة فترة الثلاثينيات وبعد الثورة 1936.


انتمى العنكوش الي قوة المجندين المرابطين في جيش الجهاد القدس أولئك الذين تولوا الدفاع عن قراهم والمناطق المجاورة لهم. وقدر عددهم بأكثر من 18 ألف مجاهد متوسطي التسليح والتدريب. وكانت الهيئة العربية تؤمن لهم بعض الأسلحة والعتاد والأموال اللازمة. لا يعرف بالتحديد مصير "العنكوش"، لكن أغلب الظن أنه استشهد في فبراير 1948، في خضم محاولة اليهود فتح طريق طبريا ـ الشجرة مجددا، بعد أن تمكن العنكوش ومجموعة من الشبان من قطعها لمدة أسبوع.


ابن عقيل وجمع الألغام


    تجول ابن عقيل - البدوي من عسلوج - في المنطقة الجنوبية ليجمع الألغام التي يضعها اليهود في طرق الجيش المصري، ويزرعها ثانية في طرق اليهود أنفسهم. ما قام به ابن عقيل لا يعدو كونه نزهات حربية على الأقدام، لكن نزهاته تلك كانت ذات أهمية حاسمة في منح الجيش المصري القدرة على الاحتفاظ بالتبة 86، والتي خسر اليهود مقابل محاولة السيطرة عليها عشرة الآلاف ما بين قتيل وجريح.


    انتمى العسلوج للمجندين المقاتلين، وهم من الفلسطينيين والمتطوعين العرب. ومهمتهم نشر الثورة، وقطع طرق المواصلات، ومواجهة أعمال الإرهاب الصهيوني. وكانت الهيئة العربية العليا تؤمن لهم السلاح والعتاد وتدفع لهم رواتب شهرية. وتألف الفصيل من 8 – 10 مقاتلين.


    عندما توقف القتال إثر الهدنة بين الدول العربية و(إسرائيل)، وضعفت الإمكانات العسكرية للهيئة العربية العليا، اضطرت عناصرها أن تنضم إلى الجيوش العربية، وتوزعت في عام 1948، وظلت قوات الجهاد المقدس قائمة إلى أن صدر الأمر من عمان بحلها في ديسمبر 1948. ولكنها بقيت ترابط في أماكنها حتى أتاها أمر الحل من الهيئة العربية العليا في القاهرة في مايو1949.


ثلاث شخصيات من أصل آلاف الفلسطينيين الذين لم ينتظروا الجيوش العربية للدفاع عن أرضهم ووطنهم ، بل انبرت كل قرية وكل مدينة تهدى أبناءها من أطفال وشباب ونساء للانضمام إلى قوات الجهاد المقدس للدفاع عن الوطن .