كيف قاتل المناضلون الفلسطينيون؟!

20/05/2016 - 3:02:50

عبد القادرالحسينى عبد القادرالحسينى

عبد القادر ياسين - كاتب فلسطيني

    لم نعرف بصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين (29 نوفمبر 1947)، إلا بعد أن أطلق الصهاينة النار في الهواء أولا، قبل أن يوجهوها إلى صدور العرب الفلسطينيين. وكانت أسرتي تقيم في مدينة يافا، على خط التماس مع تل أبيب، حاضرة الصهاينة، آنذاك.


    لم ننم تلك الليلة، وبعد الفجر بقليل، أتى والدي بحنطور، حملنا إلى داخل المدينة، حيث نزلنا في فندق، شأن معظم المهجَّرين من خطوط التماس مع الصهاينة، في أحياء: المنشية، والجبلية، والكرمل، بينما كان بعض المهجَّرين لاذ بالمساجد، وبعضهم الآخر لجأ عند أقاربه.


    ما هي إلا أيام معدودة، حتى عاودت "اللجنة القومية" نشاطها، في يافا وبقية المدن الفلسطينية، وهي اللجنة التي كانت القيادة السياسية لثورة 1936 ـ 1939 الوطنية الفلسطينية المسلحة قد استحدثتها، لإدارة الشؤون الحياتية والنضالية للأهالي.


     انتشر المناضلون عند خطوط التماس، وكان يُصرف لكل منهم خمس رصاصات، يوميا، فيما تم تسليمه بندقية إيطالية، ضمن الأسلحة التي جمعها رجال الحاج أمين الحسيني، رأس الحركة الوطنية الفلسطينية، آنذاك، أمثال عبد الرحمن علي (أبو علي اللفتاوي)، وعبد الله مهنا، من مخلفات الجنود الإيطاليين في صحراء مصر الغربية. وبسبب مصدر صنعها، وقدمها، كانت البندقية الإيطالية تضيء عند انطلاق الرصاص منها، فتكشف موقع صاحبها، فيما كان تأثير نيرانها متواضعا.


    كنت أشارك والدي مجلسه، وكانت الحوارات تدور، مقارنة ما بين المناضل العربي الفلسطيني وما بين مقاتل العصابات الصهيونية في الطرف الآخر. وكيف أن الثاني يجلس في استحكام عصري، وقد توفرت له وجبات الطعام، في مواعيدها، إلى جانب صناديق الذخيرة، وراتب منتظم.


    استمرت الاشتباكات المسلحة بين الطرفيْن، في تقطُّع مستمر، وخلالها كان بعض المناضلين العرب الفلسطينيين يندفع، حاملا لغما، ليزرعه في استحكامات الصهاينة. وغالبا ما كان البعض ينجح في مهمته، التي ينفذها في جسارة عزَّ نظيرها.


     لطالما لجأت العصابات الصهيونية المسلحة (الهاجاناه؛ الأرجون؛ وشتيرن) إلى فتح النار على إحدى جبهات مدينة يافا (أبو كبير؛ المنشية؛ الجبلية، وسكنة درويش)، فيسارع المناضلون إلى الرد على النار، بكثافة، حيث يستدرجهم الصهاينة في سبيل استنزاف ذخيرتهم الشحيحة. وهنا تصمت بنادق الصهاينة ورشاشاتهم!


     لقد نجح أولئك المناضلون، بإيمانهم بعدالة قضيتهم، أن يحققوا انتصارات محدودة، ويحرموا الصهاينة من تحقيق أي تقدم في أي موقع من فلسطين، ما دفع المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة، وارن كريستوفر، (15 مارس 1948)، إلى المطالبة بإلغاء قرار التقسيم، ما أفزع القيادة الصهيونية، ودفعها إلى رسم مخططها الإجرامي، بتنفيذ مذابح بشعة للعرب الفلسطينيين، بدْءا من مذبحة دير ياسين (9 أبريل 1948)، التي نفذتها العصابات الصهيونية المسلحة في القرية المذكورة، مستغلة غياب رجالها ومقاتليها في تشييع قائد "الجهاد المقدس"، عبد القادر الحسيني، الذي كان استشهاده قبل يوم واحد، في معركة القسطل.


    لقد كان يمكن أن تمر مذبحة دير ياسين، دون أن يجني الصهاينة ثمارها؛ بسبب الأداء الخاطئ للإعلام العربي المحيط، الذي ركَّز على تفاصيل المذبحة، وكيف أن الصهاينة عمدوا إلى بقر بطون الحوامل، وذبحوا الأطفال في أحضان أمهاتهم، واعتدوا على أعراض النساء، وطافوا ببعضهن عرايا، في شوارع القدس الغربية.


    بينما كان لهذا الأداء الإعلامي أن يفيد لدى الرأي العام العالمي، وليس بين العرب الفلسطينيين، إذ فتَّ هذا الأداء في عضدهم، وأشاع شعار: "الأرض ولا العرض"، ما أسهم، مع شحّ الذخيرة، وتدني مستوى السلاح والتدريب، في بدء رجحان الكفة الصهيونية في القتال، خاصة بعد أن تركت القوات البريطانية، عند انسحابها من فلسطين (14 مايو 1948)، أسلحتها وذخائرها لحلفائها الصهاينة.


   مع هذا كله، عندما دخلت الجيوش العربية فلسطين، مع انسحاب القوات البريطانية منها، كان العرب الفلسطينيون حافظوا على ما بين 80% ـ 82% من مجموع أراضي فلسطين. لكن تلك الجيوش أصرَّت على أن تُسحب من المناضلين العرب الفلسطينيين أسلحتهم، يُقصون عن ميدان القتال، بينما هم الأدرى بمقاتلة الصهاينة، والملمين بالأرض وشعابها، والأهم أنهم كانوا شديدي الإيمان بما يقاتلون من أجله. بينما كانت الغالبية العظمى من مقاتلي الجيوش العربية تجهل الهدف الذي تقاتل من أجله، ولا تلم بالأرض التي تقاتل فوقها، عدا تواضع تسليحها، وتدريبها، ناهيك عن أن مجموع تلك الجيوش لم يصل إلى ثلث مجموع العصابات الصهيوينة، آنذاك، التي امتلكت 68 ألف مقاتل، ومثلهم من الاحتياط.


    ثمة وثائق ومذكرات ومراجع موثوقة، أكدت أن بريطانيا شدَّدت على حكومتيْ مصر والأردن ألا تتخطى قواتهما خطوط التقسيم، الذي سبق للأمم المتحدة أن أقرته. وهو أمر ما كان للمناضلين العرب الفلسطينيين أن يلتزموا به، ما جعل جيشيْ مصر والأردن، دون جيوش العراق، وسوريا، ولبنان، يُقدمان على سحب الأسلحة من أولئك المناضلين، ومَن رفض منهم تم سجنه.


    لذا، لم يكن غريبا أن تحيق الهزيمة بالجيوش العربية، وأن تنقلب الآية، فلا يصبح بيد العرب سوى 22%، فقط، من مجموع الأراضي العربية الفلسطينية، ما أشار بأصابع الاتهام إلى من أضاع فلسطين.


    وبعد، فهذه شهادة تاريخية من أحد الذين عاشوا أيام صنع النكبة، والتي تقوضَّت معها كل البنى الفلسطينية، الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والنقابية، واحتاج أمر تعافي الشعب الفلسطيني من آثار النكبة إلى نحو عقديْن، لتلاحقه آثار كارثية لنكسة 1967، ولهذا مقال آخر.