قالت الراويات.. فلسطينيات يستعدن لحظة النكبة

20/05/2016 - 3:01:29

امال الآغا وعبلة الدجانى امال الآغا وعبلة الدجانى

أمال الآغا - فلسطينية

    منذ أن أصدر وزير الخارجية البريطانية اللورد بلفور تصريحه الشهير في 2 نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين علي حساب الشعب الفلسطيني صاحب الأرض لم يتوقف نضال الشعب الفلسطيني، وقدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى حتى الآن، وبإقامة الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين في 15 مايو 1948 تشتت وتشرد الشعب الفلسطيني في مختلف الدول العربية وغير العربية، وعاش في معسكرات اللجوء حياة صعبة ومعقدة، ومع ذلك ظلت بوصلته متوجهة نحو الوطن، نحو فلسطين والعودة إليها، ظل يحمل مفاتيح بيوته وحجج ملكيتها في يديه، وبدأ في مسيرة نضالية جديدة مستمرة حتي يومنا هذا.


    ظلت روح الفلسطيني متعلقة بقريته ومدينته وبيته والبيارة والكروم والبحر، حافظ علي عاداته وتقاليده وثقافته وتراثه الحضاري والثقافي رغم مرور 68 عاما على الهجرة وفي المناسبات الطيبة والأعياد يقال: إن شاء الله في البلاد.


التقيت ثلاثة من الأخوات اللاتي عاصرن عام النكبة وسألتهن سؤالا واحدا: ما ذكرياتك عن النكبة؟


قالت الراوية / سناء الدجاني "أم الطيب":


    أول ما يتبادر للذهن يوم الهجرة نفسه، الذي أتذكره باليوم وكان يوم 28 أبريل (نيسان) سنة 1948، وكنت أحد أفراد أسرة مؤلفة من والدين وستة أبناء. كنت في الثامنة من عمري وفي صباح يوم 28 باكرا، وفي حدود السادسة صباحا، هز البيت انفجار وأصوات قنابل آتية من البحر، كأنه مقصود أن يبدأ باكرا، قمنا من فراشنا مذهولين، نستفهم ونسأل ما العمل؟ خلال لحظات لبسنا وخرجنا إلى بيت جدي لأمي في منطقة العجمي والذي كان يبعد عن ساحل البحر. البيت كبير وواسع، وجدنا عددا كبيرا من العائلة مجتمعين بالحديقة بسبب ضرب القنابل الآتي من البحر.


    عندما استمر الضرب، قررت العائلة إحضار شاحنة تنقل الأطفال والنساء وكبار السن. انحشرنا في الشاحنة، كنا الأمهات والأطفال والأجداد ومعنا مفتي يافا الشيخ "توفيق الدجاني". انطلقوا باتجاه الأردن. أتذكر أن الشاحنة كانت تتجه باتجاه الأبنية وتختفي خلف أسوارها خوفا من استهدافها. كانت النساء يبكين طوال الوقت. وصلنا إلى عمان ثم الزرقاء ونزلنا في أحد جوامعها، وبدأ يفتشون على بيوت للسكن بها. بقينا من أسبوع إلى أسبوعين ولم يكن أمامنا سوى الانتظار.


    الوضع ازداد تفاقما واقترب زمن الدراسة، فأخذ والدي القرار بالسفر إلى بيروت من أجل الدراسة وترتيب الالتحاق بالمدارس، وبقينا نتابع كل صغيرة وكبيرة. رجع بعض الشباب إلى يافا لنقل حليّ النساء وكان والدي من حجم الصدمة قليل الكلام وكان ظاهرا له أنه لا أمل في العودة قريبا.


    أتذكر ميدان الساعة في يافا والذي فهمته أن جدي لأمي "محمد علي الدجاني" كان رئيسا للبلدية، وأذكر مستشفي الدكتور فؤاد الدجاني الذي حوله اليهود إلي منزل لكبار السن.


    كنت أذهب إلى مدرستي سيرا على الأقدام وظل هذا المشهد في الذاكرة، كانت مديرة (مدرسة أسماء بنت الصديق) هي المرحومة "مفيدة الدباغ"، وهي أيضا التي أسست أول مدرسة للبنات لأسرة آل سعود بالرياض، مدرسة "دار الحنان". ويذكرونها حتى اليوم بالخير.


وقالت الراوية / الخالة أم انشراح:


    عندي 81 سنة، باتذكر إن والدي كان تاجر بين سوريا و فلسطين، أنا من درعا بسوريا. نزل أبوي على يافا وأخد معه العائلة وسكنا في منطقة أبو كبير في يافا. يمكن عمري كان 8 أو 10 سنين. كنت بالشارع ألعب، لقيت الناس بتجري، لقيت نفسي ماشية مع الناس، أنا لحالي طلعت. وصرت أمشي معهم على البحر، وكان في صوت ضرب نار وقنابل. ركبوا الناس في البحر، ركبنا مركب، ولما وصلوا على الشط نزلونا (رست المركب في غزة). لقيت واحده جنبي بتطلع ابنها من الحرام اللي لفاه فيه، لقت المخدة اللي بينام عليها. كنت قاعدة جنبها. انا كنت لحالي أخدوني ناس من دار الشوا وتربيت عندهم. كبرت وتزوجت، بتذكر لما أجوا يخطبوني أهل زوجي، رفضوا في الأول، لأني ماليش أهل...


    تزوجت في غزة سنة 1961 وبعدين انتقلنا على العريش والإسماعيلية والقاهرة، لما صارت الإذاعة، كان في برنامج بيبعت رسائل بيقولوا فيها معلومات عن العيلة، أنا فلان ابن فلان من قرية كذا. زوجي صار يبعت على البرنامج.


وتقول "انشراح" ابنة الراوية:


    في يوم من الأيام اتصل فينا خالي إبراهيم وتعرف على أمي وعملنا تصريح عن طريق الصليب الأحمر، وسافرنا كل العائلة، كان خالي إبراهيم مبيعرفش شكلنا ولكن وقف جنب الباص يدور على ست وزوجها ومعها خمس بنات. رحنا على دار ستي في الرملة وكان خالي لسه ماقلش لستي. "خايف" عاملها مفاجأة لستي. لما ستي شافت أمي ماصدقتش وسألتها عن علامة مميزة لديها، لما شافتها، أغمي عليها، أغمي عليها نصف يوم كامل. وأمي قالت لها: "آمنة أنا أجتلك يا آمنة". وكان هادا بعد 35 سنة من ضياعها عن أهلها في يوم النكبة.


وسألت الراوية / أم ناصر: ايش بتتذكري أيام الهجرة؟


قالت:


     أنا كنت بالصف السابع في مدرسة الطليان، كنا ساكنين في المنشية في يافا جنب اليهود، كنا قريبين على "تل أبيب". صار في ضرب وصار يطخوا حولينا اليهود ويقتلوا العرب. أخدنا أبوي، جاب تراك (شاحنة) وحملنا وودانا على النزهة (حي في يافا) قعدنا في النزهة 4 شهور، دخلت المدرسة في النزهة. صار اليهود يضربونا بالقنابل. فضي الشارع وما ضل إلا إحنا. أبوي خاف علينا أحسن اليهود يدبحونا. بالتراك رحنا علي "خان يونس" كل العائلة، كنا تسعة ومعنا أهل أمي، كنا بالتراك على بعض وهاربين من الضرب. قالوا الناس هربت، فضيت البلد. بيتنا ليلة في خان يونس وبعدين ركبنا القطار على القنطرة. قعدنا بالقنطرة 4 شهور في خيام، كان مولد، كتير من الناس اللي حوالينا كانوا من يافا. كان المصريين يجيبولنا الأكل ويوزعوه علينا. بعد أربع شهور جاب أبوي تصريح علشان نروح على القاهرة، واحد صاحبه مصري ساعده علشان كان ممنوع حدا يروح على القاهرة، كان ممنوع حدا يتحرك من مكانه وأجي قرار ان الناس لازم ترجع على غزة. دخلنا كلنا إلا إخوتي الصبيان، لكن صديق والدي رجع ودخلهم ولحقونا علي القاهرة.


    أجرنا دار وعشنا أيام صعبة، كانت كل العائلة تشتغل علشان نوفر مصاريف العيشة. وكان والدي يصر على تعليم أخوتي ويدخلوا المدرسة. والله كانت أيام صعبة شقى، شقينا وتغلبنا، إحنا كان عنا أملاك وأبوي كان تاجر بيسافر على تركيا وسوريا.


وقالت الراوية / الأخت عبلة الدجاني:


    وصلنا مصر في أوائل سنة 1948، كان عند والدي مؤتمر. أجينا بالطائرة من مطار اللد. أجي والدي ليشارك في مؤتمر للمهندسين العرب، وطلبوا منه أنه ياخد عائلته معه لأن الوضع في يافا مش مستقر وفي حالة حرب. كان أخوالي في مصر، واحد بيدرس في كلية الهندسة والثاني كان مع الحاج أمين الحسيني بياخد سلاح من مصر وبيبعته إلى يافا للثوار. مارجعناش تاني على يافا، قامت الحرب.


    تسجل مؤسسة الدراسات الفلسطينية في مجلتها "الدراسات الفلسطينية" المجلد (9) العدد 34 ربيع 1998 صفحة 77 الوثيقة (4) "سقوط يافا":


    "كانت حيفا هي المدينة الثانية المدرجة في قائمة الهاجاناه، فالمدينة الثالثة كانت يافا". وتتحدث الوثيقة عن التنافس بين عصابات الصهيونية المسلحة الهاجاناه والأرجون ضد مدينة يافا وأهلها، قبل ووبعد انسحاب جيش الاحتلال البريطاني في 15 مايو. تقول الوثيقة : "قامت عصابات الأرجون بقيادة مناحيم بيجن بهجوم لمدة ثلاثة أيام من 25 إلى 28 أبريل عام 1948 على حي المنشية بقنابل المورتر البريطانية وتم فصل حي المنشية حتى البحر عن المدينة وكما كتب الصحافي البريطاني اليهودي جون كيمحي: "كل ما كان يمكن نقله نُقل من يافا، أثاث، سجاد، صور، أوان فخارية وخزفية، حلى، سكاكين وشوك وملاعب. لقد تم تجريد الجزء المحتل من يافا (أي المنشية) من كل شيء... وما تعذر نقله جرى تحطيمه. وتناثر حطام النوافذ والبيانوهات والتجهيزات والمصابيح في حمأة طقس دمار عربيد".


    كما تذكر الوثيقة أن الحامية في يافا والمؤلفة من 35 مقاتلا من جيش الإنقاذ، قامت بمحاولة أخيرة للصمود وشنت فى 29 أبريل هجوما مضادا لاسترداد "تل الريش" الواقع إلى الشرق من يافا، وعلى بعد 2 كيلومتر وبحسب التاريخ الرسمي للهاجاناه، خسر لواء غفعاني في هذ المعركة 33 قتيلا و100 جريح. إلا أن أوان الصمود قد فات فالسكان المدنيون الذين دب الرعب في قلوبهم بسبب القصف كانوا قد بدأوا الفرار بالآلاف.


    سقطت يافا في 3 مايو 1948 وأعلنت بريطانيا انسحابها وأعلنت العصابات الصهيونية قيام دولة إسرائيل.


    وبرغم ظروف الحياة الصعبة التي واجهت الراويات إلا أنهن أصررن على أن يكون لهن دور في النضال للعودة إلى الوطن، ودور في الحفاظ على الهوية الفلسطينية التي كبروا على مفرداتها من فلكلور (أغاني ودبكة) ومشغولات وعادات وتقاليد وحكايات عن فلسطين.


      سناء الدجاني ـ أم الطيب مسؤولة لجنة التراث في اتحاد المرأة الفلسطينية.


      أم انشراح عضوة اتحاد المرأة الفلسطيني بالقاهرة وكانت ممن يقمن بالتطريز في الهلال الأحمر الفلسطيني مع الست / خديجة عرفات.


      عبلة الدجاني انضمت للعمل الفلسطيني، وعملت في إذاعة الثورة الفلسطينية وتطوعت في الهلال الأحمر الفلسطيني، وانضمت لحركة فتح وأصبحت عضوة مميزة في اتحاد المرأة الفلسطينية، مثلت فلسطين في كثير من المؤتمرات والاجتماعات العربية والدولية، وكتبت الكثير من الدراسات والأبحاث عن تاريخ فلسطين والثورة الفلسطينية والمرأة الفلسطينية، وهي الآن رئيسة اتحاد المرأة الفلسطينية في مصر.