جمعية زهرة الأقحوان : دور فاعل للمرأة الفلسطينية

20/05/2016 - 3:00:23

مهيبة خورشيد تتوسط الباحثتين آمال الأغا من اليمين وفيحاء عبد الهادي من اليسار-القاهرة 1998 مهيبة خورشيد تتوسط الباحثتين آمال الأغا من اليمين وفيحاء عبد الهادي من اليسار-القاهرة 1998

د. فيحاء قاسم عبد الهادي - كاتبة فلسطينية

    في الذكرى الثامنة والستين للنكبة، يجدر بنا إضاءة بعض النماذج النسائية الملهمة، التي لعبت دورا في تاريخ الشعب الفلسطيني الكفاحي لنيل الحرية؛ حتى يكون عمل النساء مرئيا، وكي يترسخ إسهامهن السياسي الفاعل، والذي بدأ منذ أوائل القرن الماضي، وما زال مستمرا حتى الآن.


    من بين هذه النماذج أقف لدى جمعية "زهرة الأقحوان"، التي تأسست على يد شقيقتين فلسطينيتين، في يافا، هما: "مهيبة خورشيد" ، و"ناريمان خورشيد" ، وشارك بها عدد من النساء الفلسطينيات، وبعض الرجال العرب والأجانب. ورغم قصر المدة التي عملت خلالها جمعية "زهرة الأقحوان" (1947-1948)؛ إلاّ أنها قامت بدور عسكري سياسي متميز، كشف عنه البحث ضمن منهج التاريخ الشفوي، من منظور النساء، الذي هدف إلى تقصي أدوار النساء الفلسطينيات، ومساهمتهن السياسية، منذ الثلاثينيات، والذي بادرت إليه إدارة المرأة/ وزارة التخطيط والتعاون الدولي في فلسطين، عام 1998، واستكمله مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق/ اليونسكو، حين نشر نتائج البحث ضمن الكتابين الذين تناولا مشاركة المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات ، ومشاركة المرأة الفلسطينية في الأربعينيات ، عام 2006، ثم حين نشر الكتاب الذين تناول مشاركة المرأة في الخمسينيات حتى منتصف الستينيات ، عام 2009، والكتاب الذي تناول مرحلة منتصف الستينيات حتى عام 1982، عام 2015 .


    ضمن كتب التاريخ المدوَّن؛ وجدنا تضاربا في تحديد طبيعة المنظمة، حيث ذكرت بعض المصادر أنها فرقة نسائية للتمريض، تجنَّدت عضواتها لمرافقة الثوار، وإمدادهم بالتموين والسلاح ، وتذكر مصادر أخرى أنها فرقة عسكرية، وإن لم توضح تماما هذا الدور العسكري ، ويذكر أحد المصادر الدور العسكري الذي قامت به زهرة الأقحوان؛ لكنه ينسب قيادتها إلى رجل . وتختلف المصادر حول اسم قائدة المنظمة، فهي "جهينة خورشيد"، و"عربية خورشيد"، كما جاء في مصادر عدة: "خديجة أبو علي" ، و"غازي الخليلي" ، وهي دون اسم أول حين الحديث عن مجموع المقاتلين الذين كانوا في كرم الصوان بقيادة "إبراهيم حوسو" ، وهي "مهيبة خورشيد"، حسب ما يذكر مصدر واحد .


    هذا ما جعل هناك ضرورة، لتقصي دور المنظمة، من خلال مقابلة قياداتها، ومن عمل معها، ومن سمع عنها، من خلال منهج التاريخ الشفوي، حيث يمكن سد الثغرة الموجودة في التاريخ المدوَّن، بعد الكشف عما لم يكشف من دور المنظمة، وتسليط الضوء على ما لم يعرف عنها.


    بدأ نشاط "زهرة الأقحوان" خيريا، أقرب إلى النادي الاجتماعي، ثم تطور إلى عمل عسكري منظم. تحدثت مؤسِّسة الجمعية "مهيبة خورشيد"، عن بداية تأسيس الجمعية، حيث كانت جمعية نسائية اجتماعية الطابع، تهتم بالوحدة ما بين الأديان، وبمساعدة الطلبة الفقراء بشكل غير مباشر. ثم تحدثت عن تحوّلها إلى عمل عسكري، بعد حادثة مقتل طفل فلسطيني بريء أمام عينيها:


    "بعد موت الطفل. كلها من ذلك التاريخ صارت عمل عسكرى، فيه كان عندنا مجاهدين من سينـاء، وفيه كان عندنا ألمان مجاهدين صاروا فى الجمعية، فيه كثير كانوا؛ حتى واحـد ألمـانى أنصاب" .


    سميت الجمعية باسمها، الذي يدل على الحياة والجمال والديمومة، لعلاقتها بكتاب فرنسي - قرأته مؤسسة الجمعية - يشير إلى الزهرة القرمزية في الثورة الفرنسية، بالإضافة إلى ارتباطه بزهرة الأقحوان، الموجودة بكثرة في ربوع فلسطين، وهي عبارة عن زهرة من الصدف، التي تشتهر به مدينة بيت لحم، وهي ترمز إلى جمال الطبيعة والحرية، التي يسعى إليها الشعب الفلسطيني. هذا ما جاء على لسان:"مهيبة خورشيد" .


    كما أنها زهرة المارجريت، التي تعيش فترة طويلة، وهي أيضا شعار وعلامة للمجاهدين، وتعني بالإنجليزية: إخاء وتفاني وإنكار ذات، كما جاء على لسان المؤسِّسة المشاركة: "ناريمان خورشيد" .


    ومن الجدير بالذكر، أن شعار الجمعية، كان قد نفذ بالهند، بتعليمات من "المهاتما غاندي". وهو من تصميم"مهيبة خورشيد"" .


    وقد حاول البحث أن يصل إلى بعض عضوات الجمعية، التي ذكرت أسماؤهن؛ لتقصي الحقيقة عن الجمعية، ودورها، وعملها، وأسماء قيادتها، وأعضائها. تحدثت "خديجة عابدين"،عن ذكرياتهاالمتعلقة ببعض زميلاتها من عضوات الجمعية:


    "كنت ألاحظ دبّوس بشكل زهرة الأقحوان على صدر "صبحية عوض"، وهو الحقيقة أنا أعجبني الدبوس، وأنا فكرت إني بدي اشتري زيّه، فكّرت بنباع، بعد فترة حكت: إن هذا الدبوس بمثل جمعية اسمها جمعية "زهرة الأقحوان"، وإن هي محدودة، وعرضوا عليّ أن أكون من الجمعية أنا بهذاك الوقت."فايزة شلون" عرضت عليّ، برضه حكت لي عن الجمعيّة" .


    كانت مهمة تقصي حقيقة أسماء عضوات الإطار شاقة جدا. اعتقدت الباحثات أنهن سوف يعثرن على أسماء العضوات، من خلال ذكريات مؤسسات الجمعية على الأقل. كان ذلك صعبا أيضا. تعللت المؤسستان بضعف الذاكرة؛ لكن الباحثات عثرن على ورقة خطية تحمل نص قسم عضوات "زهرة الأقحوان"، حين الانتساب للمنظمة:


    "أقسم بشرفي وديني وملتي على موالاة مبدئي، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الخير والمساعدة لكل محتاج وضعيف، أشهدت رب العالمين على ما ذكرت، كما أنني لا أبوح به حتى الموت".


الموقِّعات: عضوات جمعية زهرة الأقحوان: صبحية عوض، خديجة كيلاني، مديحة البطة، نجمة عكاشة، ميسر ضاهر، سنية إيراني، فايزة شلون ، مبرة خالد. اليوم الخميس الواقع في 20 شباط من العام 47 الموافق 24 محرم" .


    وحين استطاعت الباحثة أن تصل إلى بعض العضوات، اللواتي كتبت أسماؤهن في الورقة، كما هو مع"خديجة عابدين"؛ ازداد الأمر صعوبة. تحدثت "مديحة البطة"، عن عدم علمها بهذا القسم، وعللت ورود اسمها، بأن زميلاتها ربما قد كتبنه غيابيا.


    وإذا أمكن تعليل أمر نسيان أسماء عضوات الجمعية، ونسبته إلى تقدم السن، كما فعلت "مهيبة خورشيد"، فإن إصرار النساء الأخريات، مثل "مديحة البطة"، و"فايزة شلون"، على إنكار معرفتهن بالمنظمة؛ تجعلنا أميل إلى تفسير ذلك، برغبتهن في الحفاظ على القسم، الذي قطعنه على أنفسهن، والمحافظة على تنظيمهن السري، طيلة حياتهن. ولم تخرج عن هذا التكتم عن أسماء العضوات سوى "خديجة عابدين"، التي تحدثت بما ينبئ عن معرفة ببقية العضوات .


    أكدَّت "ناريمان خورشيد" انضمام اثنتي عشرة عضوة إليهما: "انضممت إلى أختي، ونشرنا الدعوة بين آنسات الطبقة المستنيرة في يافا، فانضمت إلينا اثنتا عشرة فتاة عربية" .


   وكشفت "مهيبة خورشيد"، أسماء عضوتين فقط، من الاثنتي عشرة عضوة، اللواتي التحقن بالمنظمة: "واحدة توفيت مسلمة من أصل مصرى اسمها: علياء عمارة، وواحدة مسيحية من عائلة زخريا: إيفلين زخريا من يافاا!" .


***


    وحول نشاط الجمعية الرئيس؛ جاءت شهادة مؤسستي الجمعية، لتكشف الكثير منالمعلومات، حول العمل العسكري، الذي خاضته الجمعية، وحول طبيعته. ومن الملاحظ أن المعارك التي وصفتها الراويتان، تتصل اتصالا وثيقا بالانتقام المحدد من المستعمرات، التي تذيق الويلات للشعب الفلسطيني.


    تحدثت "مهيبة خورشيد"، عن الدور العسكري لعضوات الجمعية:


"ينزلوا هجوم بالليل، إنما فى الخلف. الرجال يزحفوا على بطونهم .


    ووصفت "ناريمان خورشيد"، واحدة من المعارك التي خاضتها، مع شقيقتها، ونساء الجمعية، بحماية ومؤازرة المجاهدين العرب؛ الأمر الذي أكَّد الدور العسكري للنساء:


    "هاجمنا الوكر الصهيوني في ظلام الليل، وفاجأنا رجال العصابة يشربون الشاي ويصطلون بنار أوقدوها، فما راعهم إلا وبنادقنا مصوبة إلى صدورهم، وحاول رئيسهم أن يهاجمنا، فعاجلته برصاصة أردته، فرفع الباقون أيديهم وسلموا أنفسهم، فسقناهم إلى المعسكر العربي." .


***


    تأتي أهمية توثيق شهادات النساء الفلسطينيات تحديدا؛ بسبب خلو الأرشيفات الفلسطينينة منها. وبما أن التاريخ الشفوي معني بتسجيل صوت من لا صوت لهم؛ تصبح الحاجة ملحة لتوثيق ذاكرة النساء، التي تغني الأرشيف الفلسطيني، وتحفظ الذاكرة الفلسطينية، والتي تمثل ركنا أساسا من أركان الهوية الفلسطينية.