أسلحة الجيش المصري 1948.. الحقيقة والوهم

23/05/2016 - 11:13:08

محمود بك محمد محمود محمود بك محمد محمود

حسام جاد النجار - مصري

    مثلت حرب 1948 نقطة تحول تاريخي مهم داخل المنطقة العربية في الحقبة التى تلتها، فبهذه الحرب بدأ تاريخ جديد له سماته ومظاهره التى نعيشها اليوم، جاء قرار الأمم المتحدة الشهير في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين مع توصيه بإنهاء الانتداب البريطاني علي فلسطين أول مايو 1948، لتدخل المسألة اليهودية في طور جديد بإعلان التعبئة العامة لليهود وإتمام مجموعة كبيرة من صفقات الأسلحة لتبدأ عمليات موسعة لزعزة الاستقرار وترهيب أهل الديار، ولم تسلم الحكومة البريطانية من ذلك حتى 15 مايو 1948 ونهاية انتدابها علي فلسطين. في الوقت ذاته لم تكن للحكومات العربية سياسة قاطعة حيال المشكلة الفلسطينية حيث رفض الحكام العرب بدء العمليات الحربية داخل فلسطين قبل 15 مايو نظرا لبقاء فلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، مما يجعل أي تدخل عسكري اعتداء علي الدولة صاحبة الانتداب.


    ظهر ذلك في قرار القيادة السياسية المصرية الممثلة في الملك فاروق ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي التدخل العسكري الذى جاء قبل نهاية الانتداب البريطاني بأسبوعين فقط، بينما أقر مجلس الشيوخ ذلك قبل نهاية الانتداب البريطاني بيومين، وأُخطرت رئاسة الجيش رسميا بقرار الحكومة المصرية حيال الأزمة الفلسطينية قبل التدخل الحربي ببضعة أيام، وبسبب القصور الشديد في السلاح والعتاد الحربي اللازمين لدخول الجيش المصري الحرب ونظرا لضيق الوقت تم تشكيل لجنة يوم 13 مايو لشراء الأسلحة والذخائر، "لجنة احتياجات الجيش".


    كانت حالة القوات المسلحة المصرية في الفترة التي سبقت دخول القوات العربية فلسطين تتسم بالاكتفاء بالمحافظة علي الأمن الداخلي  بعيدة عن الطابع العسكري وعما يجب أن تكون عليه القوات العسكرية من تدريب واستعداد متواصل. وكانت الأسلحة المتوفرة تكفى لتجهيز مجموعة لواء مشاة مستقل مع الاحتفاظ لباقي وحدات الجيش المكلفة بأعمال الأمن والحراسة ببعض الأسلحة الخفيفة التي لا تحقق الكفاءة التامة إذ ما تطلب الأمر اشتراك تلك الوحدات كاحتياط لتطور العمليات. أما موقف الذخيرة فكان أكثر سوءا إذ كانت الذخائر المتوفرة  بصفة عامة تكفى للقتال المستمر لفترة تتراوح بين أسبوعين للمدافع وأربعة أسابيع للبنادق والرشاشات، ويؤكد ذلك تعليق "عثمان باشا المهدي" رئيس هيئة أركان الجيش المصري أثناء حملة فلسطين: "فوجئنا بحملة فلسطين، ولم نكن علي أهبة الاستعداد، وقد عارضت دخول الحرب لعدم وجود عتاد، لكنهم أرغمونا عليها".


    ورغم أن الأسلحة مثلت أكبر مشكلة للجيش المصري في حملة فلسطين، أمر مجلس الوزراء في 13 مايو 1948 بالترخيص لوزارة الحربية التحلل من جميع القيود والإجراءات المالية المقررة، وعلي هذا الأساس شكل وزير الحربية "لجنة احتياجات الجيش" أوكلت إليها سلطة إبرام الصفقات اللازمة لسد احتياجات الأسلحة والذخيرة. ولم تكن "لجنة احتياجات الجيش" تمتلك الوقت أو الوسائل اللازمة لجمع المعلومات عن مواصفات الأسلحة ومدى صلاحيتها وأولوية الحصول عليها خاصة في ظل قرار مجلس الأمن بحظر التصدير الأسلحة لدول المتحاربة في فلسطين، فاضطرت للاعتماد علي مجموعة من السماسرة والوسطاء للتعاقد بالنيابة عنها مع شركات الأسلحة للتحايل على هذا القرار والحصول علي الأسلحة والذخائر في أسرع وقت ممكن، ففتح الباب على مصراعيه للعمولات غير المشروعة لتحقيق مكاسب ضخمة.


    هذا ما كشفته وثائق محمود محمد محمود رئيس ديوان المحاسبة التي نشرها الدكتور خالد عزب في جريدة "المصري اليوم" (11 أغسطس 2009).


    اعتمد مجلس النواب ميزانية  "1948/ 1949" بعد تخصيص أربعة ملايين جنيه لحملة فلسطين ارتفع إلى 9 ملايين جنيه في يونيو 1948 لمواجهة المصروفات الإضافية، كذلك خصصت ميزانية "1949 / 1950" مبلغ 14 مليون جنيه مع رفع تكاليف الحملة من 30 مليونا إلى 42 مليونا. في حين أن جملة المصروفات التي أنفقتها وزارة الحربية على حملة فلسطين 245,866,21 جنيه، أما الباقي وقدره 447,133,20 جنيه فظل تحت تصرف الوزارة في السنة المالية "1949 / 1950".


    في 14 يونيو 1949 استجابت وزارة الحربية لطلبات ديوان المحاسبة المتكررة بتسليم مستندات شراء الأسلحة والذخائر أثناء حملة فلسطين، لتكشف المستندات عن مخالفات مالية جسيمة تم تمريرها بلجنة الاحتياجات أو خصما علي حساب حملة فلسطين. جاءت صفقة القنابل الإيطالية التي تعاقد عليها القائمقام "عبد الغفار عثمان" لتوريد 250 ألف قنبلة يدوية من مصانع "كستر وزيوني ميكانيكا" بسعر 750 مليما للقنبلة في حين كان سعر القنبلة فعليا لا يتعدى 250 مليما وسعر النوع المحلى الذى تصنعه مصلحة السكك الحديدية المصرية لا يتعدى 370 مليما.


    أما صفقة قذائف "الانرجا" فكانت كمياتها وأسعارها كبيرة بشكل لافت دون مبرر خاصا أنها وصلت بعد انتهاء الحملة، ربما كان كثرة وسطاء هذه الصفقة وراء الأسعار المبالغ فيها إذ تم التعاقد عليها بواسطة كل من توفيق أحمد باشا وكيلة وزارة الحربية و اللواء ابراهيم المسيري وعبد الغفار عثمان وغيرهم.


    وتعتبر مجموعة الصفقات التي عقدت مع شركة "براندت" ومحل "ج ابرانخت" لصاحبها مسيو بيسارا الصفقات الأكثر تجاوزا واستغلال فقد تم التعاقد على صفقة بقيمة 377 ألف جنيه لتوريد مدافع الهاون وقنابله التى لم يتم الانتفاع بها خلال الحملة لتأخر مواعيد توريدها، والمثير للدهشة تزامن هذه الصفقات مع إنتاج شركة مصرية مدافع وذخيرة الهاون أسعارها أقل ظلت في انتظار اختبار صلاحيتها حتي انتهاء الحملة.


    في صيف 1948 كلفت وزارة الحربية لجنة الاحتياجات بتحرير أكثر من عقد مع شركة F.N  لشراء 20 ألف بندقية عادية و700,17 بندقية نصف آلية جاءت أسعارها ضعف ثمن البندقية "انفليد" الإنجليزية، والغريب في الأمر إصرار لجنة الاحتياجات التمادى في التعاقد مع هذه الشركة رغم التأخير في التوريد إذ لم يصل أى بندقية نصف آلية حتي 1950، ربما ذلك لصالح الخواجة "آدمون جهلان" وسيط شركة F.N ولو أن اسمه لم يظهر في أى عقد من عقود هذه الصفقات.


    ثم تأتي تعاقدات وزارة الحربية مع مصنع "أورليكون" لتكشف عن مدى التخبط في القرارات والارتجال بتنفيذها، وفقا لما ورد في تقارير ديوان المالية تم دفع مبلغ 000,200,6 فرنك لإنتاج ذخيرة 20 مم، في حين أن المدافع التى كانت موجودة لدى القوات المسلحة من هذا النوع 50 مدفعا ذات طراز قديم استوردت وقت الحظر، في الوقت الذي يتعاقد السلاح الجوى علي شراء طائرات حديثة مسلحة بمدافع من طراز "هسبان" تحتاج إلي ذخيرة مختلفة تماما عن ذخيرة " أورليكون".


    وتكشف الوثائق عن تخصيص مبلغ 165 ألف جنيه لشراء يخت "فخر البحار"، وأصل ثمنه لا يتجاوز 60 ألف جنيه.  ويذكر محمود بك تجاوزات مكاتب القادة وما تم وقتها من تحميل مخصصات حملة فلسطين مصروفات إضافية صرفت في غير جهات الصرف المحدد لها، حيث أمر السلاح البحري بصرف 34 جنيها قيمة 8 محافظ جلد لحفظ الأوراق، و40 جنيها لشراء طقم مكتب كريستال أونيكس لمكتب القائد العام، كما أمر وزير الحربية بصرف 42جنيها لشراء سجادة و75 جنيها لشراء كنبة جلد 4 كراسي، و19.5 لشراء مروحة كهربائية ودفاية لمكتب قائد سلاح المدفعية، بالإضافة إلى تخصيص ملبغ 78 جنيها لشراء نجفتين وضعت إحداهما بمكتب الطوارئ بثكنات قصر النيل.


    ويعد أخطر ما كشف عنه ديوان المحاسبة أثناء مراجعته مستندات مصروفات حملة فلسطين تزوير في بصمات وتوقيعات تسلم المكافآت والعلاوات الاستثنائية المخصصة للضباط والجنود المشاركين في حملة فلسطين. هكذا أثمرت مراجعة ديوان المحاسبة لمستندات شراء الأسلحة والذخائر الخاصة بحملة فلسطين التي قدمتها وزارة الحربية بتاريخ 14 يونيو 1949 عن حقيقة أن 25 % من نفقات التسليح أنفقت بالفعل في شراء الأسلحة، بينما 75 % تم إنفاقها في غير الغرض المحدد لها.


    يذكر محمود بك في أوراقه الخاصة الموثقة في مكتبة الأسكندرية من أربع صفحات بخط يده "أنه بعد مقابلته مع حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي توجه في الواحدة من نفس اليوم للقاء النحاس باشا الذي أبدى عن وجهة نظر الوزارة بوجوب معالجة الأمور بشيء من السرية ومراعاة ما تقضي به المصلحة العامة وأنه يمكن تعديل أو حذف ما ورد في التقرير" هكذا قامت الحكومة المصرية برئاسة النحاس باشا بالاتفاق مع القصر بالضغط على محمود بك للتراجع عن موقفه وتعديل تقرير ديوان المحاسبة، الأمر الذي جعله يصر على تقديم استقالته في 20 أبريل 1950، وهذا نصها:


حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء


تحية واحتراما وبعد


فقد عرضت ظروف خاصة تحول دون الاستمرار في رئاسة ديوان المحاسبة، ولذلك أتشرف بأن أرفع إليكم استقالتي من رئاسة الديوان راجيا التفضل بقبولها، كما أرجو أن تتقبلوا شكري لكم ولحضرات أصحاب المعالي الوزراء علي ما لقيته منكم من صادق المعونة وحسن المجاملة


وتفضلوا رفعتكم بقبول عظيم احترام


محمود محمد محمود


    وفي  8 مايو 1950 قدم مصطفي بك مرعي عضو مجلس الشيوخ استجوابا لحكومة الوفد حول الأسباب التي دفعت رئيس ديوان المحاسبة إلي تقديم استقالته. ليعلن بعد ذلك عن الضغوط التي تعرض لها رئيس ديوان المحاسبة من قبل الحكومة بسبب التقرير الذي تضمن تجاوزات مالية لحملة فلسطين، وأن هناك سماسرة بعضهم يعمل في الحكومة المصرية والبعض منهم من المقربين للقصر قد تربحوا من ذلك.


    تقرر تأجيل رد الحكومة على استجواب مرعي بك إلى جلسة 29 مايو 1950 لتبدأ مناورات فؤاد سراج الدين وزير الداخلية مرجعا استقالة رئيس ديوان المحاسبة لظروف تتعلق بمهام أعماله ليس لها علاقة بملاحظاته علي نفقات حملة فلسطين، مؤكدا أن تأخر وزارة الحربية في الرد لا يعد سببا كافيا لتقديم استقالته، وأن هناك آلاف الطلبات لها سنوات ولم يرد عليها بعد في مختلف الهيئات والوزارات. وفي النهاية أسفرت المناقشات عن قرار المجلس بتشكيل هيئة تحقيق وإحالة الاستجواب إلى لجنة الشؤون الدستورية.


    يذكر محمد حسين هيكل في كتابه "مذكرات في السياسة والحرب" مدى انزعاج الملك من جلسات الاستجواب واعتبارها مظهرا من مظاهر التشنيع على رجال القصر وتشويه صورته الشخصية، وكيف انتهى الأمر في 17 يونيو 1950 بإصدار ثلاثة مراسيم ملكية عصفت بغالبية أعضاء مجلس الشيوخ وعلى رأسهم مصطفى بك مرعي وإنهاء رئاسة هيكل باشا للمجلس في اعتداء صارخ على الدستور.


    في 13 يونيو 1950 بدأ إحسان عبد القدوس حملة صحفية ممتدة بعنوان "محاكمة مجرمي حرب فلسطين" في مجلة "روزاليوسف" موجها الاتهامات للبعض من رجال القصر والعديد من ضباط الجيش محملا إياهم مسئولية صفقات الأسلحة والذخيرة غير المطابقة للمواصفات التي كانت وراء هزيمة الجيش في فلسطين.


   جاءت مقالته بالعدد 1150 من مجلة روزاليوسف (27 يونيو 1950) لتهاجم السياسة التي أنتهجها الوفد والتي تقتضي بعدم التدخل في شؤون الجيش والتي ظهرت بوضوح في بيان سراج الدين عند نظر استجواب مصطفى مرعي.


    وجدت مقالات إحسان عبد القدوس تجاوبا كبير من الرأي العام ونجحت في تكوين ضغط شعبي ضد الحكومة والقصر مما دفع وزير الحربية الفريق محمد حيدر تحت هذا الضغط الشعبي لتقديم بلاغ للنيابة العامة للتحقيق فيما نشر في روزاليوسف بخصوص صفقات أسلحة حملة فلسطين. وبدأ النائب العام محمد بك عزمي التحقيقات التي أسفرت عن تقديم بعض رجال القصر للمحاكمة، وأولهم حسن عاكف الطيار الخاص للملك والنبيل عباس حلمي وأدمون جهلان وعدد كبير من رجال الجيش، على رأسهم اللواء إبرهيم بك المسيري رئيس لجنة الاحتياجات ومدير سلاح المهندسين وتوفيق أحمد باشا وكيل وزارة الحربية والبحرية وأمير البحر أحمد بدر قائد عام بحرية الملك، كما اتهم القائمقام عبد الغفار عثمان والبكباشي حسين منصور بتوريد أسلحة غير صالحة للاستخدام، مع إيقاف الفريق محمد حيدر والفريق عثمان المهدي عن العمل لحين انتهاء المحاكمة.


    في 27 مارس 1951 جاء قرار النائب العام بحفظ التحقيقات وإغلاق ملف تلك القضية تحت ضغط الملك وموافقة االحكومة.


    ومع قيام حركة الضباط الأحرار التي اتخذت من هذه القضية ذريعة للإطاحة بالملك ووسيلة دعاية جيدة لتدعيم حكمهم، أحيلت القضية في 9 ديسمبر 1952 للمستشار أحمد ثابت لإعادة فتح باب التحقيق، وصدر حكمه في 10 يونيو 1953 ببراءة كل المتهمين وتغريم عبد الغفار عثمان وحسين منصور مائة جنيه مصري لكل منهما بتهمة الإهمال. حتى وقتنا هذا لا نعرف السبب  الرئيسي وراء احكام البراءة؟ ولماذا اختفت حيثيات حكم المحكمة من سجلات القضاء خاصة في السنوات الأولى بعد قيام حركة يوليو؟


    ويبقى التساؤل المركزي: هل الأسلحة والذخائر التي وردتها لجنة الاحتياجات وراء هزيمة الجيش المصري في حرب 1948؟ وفقا لشهادة ثروت عكاشة في كتابة "مذكرات في السياسة والثقافة" فإن أغلب أسلحة وذخائر تلك الصفقات لم يستخدم في حرب فلسطين إذ تم توريد أكثرها بعد انتهاء الحرب وإن ما حدث يومي 7 و12 يونيو 1948 بانفجار أربعة مدافع عيار 25 رطلا وما نتج عنه من وفاة جنديين وإصابة ثمانين ترجع إلي جهل الجنود للعمر الافتراضي لمواسير المدافع، حيث إن أحد هذه المدافع قد أطلق يوم انفجاره 49 قذيفة بينما أطلق آخر 14 قذيفة، وقد أثبت أن هذه المدافع وذخيرتها لم تكن ضمن صفقات لجنة الاحتياجات.


    أما بخصوص القنبلة اليدوية الإيطالية التي تسببت يوم 4 يناير 1949 في إصابة الصاغ مختار دسوقي بيده، فيؤكد عكاشة أن ذلك نتاج سوء استخدام إذ لم تثبت سجلات المعارك حوادث مشابهة أثناء استعمال تلك القنابل من 19 أكتوبر حتى 26 ديسمبر 1948. وعن الألغام الأرضية التي كانت بلا فاعلية فيؤكد أنها كانت صناعة محلية ينقصها فتيل الاشتعال. ويتعجب عكاشة من إصرار ضباط يوليو على إثارة هذا الأمر على أنه حقيقة وأن هزيمة 1948 مؤامرة دبرت ضد الجيش، وترجع أهمية شهادته كونه أحد أبرز ضباط حركة يوليو ورفيق عبد الناصر ووزير ثقافته.


    هكذا يتبين أن تلك الأسلحة لم يكن لها أى تأثير في هزيمة الجيش المصري في فلسطين، وأن أسطورة الأسلحة الفاسدة ما هي إلا وهم زرعته بداخلنا الأداة الإعلامية والمناهج التعليمية.