« النكبة » لدى المؤرخين الإسرائيليين الجدد .. الجلاد يناور أم يعترف؟

20/05/2016 - 2:57:02

ديفيد بن جوريون ديفيد بن جوريون

أشرف راضي - باحث ومترجم مصري

    بعدما انتهت حرب عام 1948، كتب المؤرخ الفلسطيني قسطنطين زريق كتابه الأول "معنى النكبة" بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب بين إسرائيل والدول العربية بتوقيع اتفاقيات الهدنة في رودس عام 1949. وبعد الهزيمة في حرب 1967، كتب زريق "معنى النكبة مجددا". ولم يحظ الكتابان بالاهتمام اللائق من قبل المثقفين العرب ولا الحكومات العربية، وكذلك لم تحظ كتابات أحمد بهاء الدين، في أعقاب هزيمة 1967 باهتمام يذكر. و"النكبة" هو الاسم الذي أطلقة المؤرخون الفلسطينيون والعرب على ما حدث قي أعقاب حرب عام 1948، التي يطلق عليها في الرواية الرسمية الإسرائيلية "حرب الاستقلال".


    وظلت الرواية الرسمية الإسرائيلية هي الرواية السائدة في إسرائيل والغرب إلى أن تحداها جيل جديد من الأكاديميين الإسرائيليين في نهاية الثمانينات لتفتح الباب أمام مراجعة لكثير من المفاهيم والأساطير التي استندت إليها الرواية الإسرائيلية لقيام الدولة.  وفي عام 2005، كتب أسامة العيسة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية معلقا على مقال عن المؤرخين الإسرائيليين الجدد قائلا "الإسرائيليون يراجعون روايتهم، بينما العرب لم يكتبوها أصلا".


    ولعل تعليق العيسة هو الدافع لتناول المراجعة التي قدمها أكاديميون إسرائيليون رفضوا الرواية الإسرائيلية الرسمية للصراع مع الفلسطينيين، عسى أن يسهم ذلك التناول في تحفيز الباحثين العرب والفلسطينيين على تقديم رواية للتاريخ، لا تتحدى الرواية السائدة وحسب، وإنما تسعى إلى تقديم رؤية قادرة على إيجاد مخرج من المأزق الراهن وإعادة النظر في التاريخ الفعلي الذي لم يكتب بعد.


    ثمة بدايات لهذا التوجه لدى العرب لا نلمسه في الحقل الأكاديمي العربي وإنما في بعض الإبداعات الأدبية لدى الروائي الفلسطيني ربعي المدهون، ومن قبله إميل حبيبي الروائي الفلسطيني الذي عاش في داخل فلسطين (مناطق 1948)، وهو توجه همه الأساسي الكشف عن الجوانب والأبعاد الإنسانية في صراع القرن العشرين المتبقي.


    ليس الهدف من هذا المقال استعراض ما قاله المؤرخون الإسرائيليون الجدد، رغم ما في ذلك من أهمية، وإنما الهدف هو اختبار عدد من المقولات التي ثارت حولهم لدى المثقفين والباحثين العرب بشأن ما يطرحه هؤلاء المؤرخون من أفكار ومقاربات. وقد يكون من المفيد قبل التطرق لتناول المؤرخين الجدد لموضوع "النكبة" للتعريف بهم.


    بعيدا عن الآراء المتشككة في المؤرخين الجدد، وهي نظرة لها ما يبررها، قد يكون من المفيد محاولة فهم الظاهرة في ضوء الأزمة التي وصل إليها المشروع الصهيوني، منذ أواخر الثمانينيات والتي كشفتها الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987، وهي أزمة تفاعلت معها اتجاهات التفكير المختلفة في  إسرائيل. ولم يكن كتاب "مكان تحت الشمس" الذي ألفه بنيامين نتنياهو ونشرت طبعته العربية عام 1995، سوى استجابة لهذه الأزمة ومحاولة لإنقاذ المشروع الصهيوني. ألف نتنياهو هذا الكتاب في نهاية الثمانينيات قبل أن يعود من الولايات المتحدة إلى إسرائيل وينخرط في العمل السياسي إلى أن أصبح رئيسا للوزراء. يسير في هذا المنطق أيضا رحبعام زئيفي، مؤسس حزب "موليديت" (الوطن) اليميني المتطرف والذي كان يشغل منصب وزير السياحة في حكومة أرئيل شارون عند اغتياله في 17 أكتوبر 2001. ودافع زئيقي، الذي عرف في إسرائيل باسم "غاندي"، عن فكرة ترحيل الفلسطينيين (الترانسفير) على أسس أخلاقي!


    وعليه، لم نكن حركة التأريخ الجديد في إسرائيل قاصرة فقط على اليسار وعلى المؤرخين الذي ينتمون لتيار ما بعد الصهيونية الذين كانوا موضع اهتمام لدى الباحثين والمفكرين العرب من أمثال إيلان بابه وبيني موريس وزئيف شطرنهل، وإنما شملت حركة التأريخ الجديد أكاديميين وسياسيين من اليمين. وتظل النقطة الفارقة في ظهور مدرسة التأريخ الجديد في إسرائيل، هي الكشف عن وثائق حرب عام 1948 في الأرشيف الإسرائيلي التي تم نشرها بموجب القانون وإتاحتها أمام الأكاديميين في إسرائيل وخارجها. وأتاحت هذه الوثائق للمؤرخين الجدد تقديم رواية لتاريخ حرب عام 1949 مناقضة للرواية الإسرائيلية الرسمية وأقرب إلى الرواية الفلسطينية. لكن يظل السؤال: هل هذه الرواية كانت نتاجا لما كشفت عنه الوثائق الإسرائيلية الرسمية أم أنها كانت نتيجة لتغير في الرؤية أو المنظور الذي يتم من خلاله تناول التاريخ، أم الأمرين معا؟


    الإجابة عن هذا السؤال تتعلق بمدى التأثير الذي أحدثه الكشف عن وثائق حرب عام 1948، والاستجابة لهذا الحدث. فالوثيقة هي المادة الخام الرئيسية للتأريخ. كذلك فإن الاستجابة حدثت لدى الأكاديميين الإسرائيليين، لكنها تباينت بين من أصروا على التمسك بالرواية الرسمية الزائفة وما تنطوي عليه من أحكام وآراء بخصوص الصراع، وبين من تحرروا من هذه الرواية الرسمية وقاموا بتفنيدها. ومهما يكن الرأي في التأريخ الإسرائيلي الجديد فإنه ببساطة تصفية يقوم بها الجلاد مع ذاته، والاعتراف بصفته وموقعه كجلاد،  وانقسم الرأي بين من راح يبرر هذا الوضع ويقدم الأسانيد له (نتنياهو وزئيفي) وبين من يسعى لتصحيح هذا الوضع. وفي الحالتين، هناك إقرار بأن الفلسطينيين كانوا الضحية في هذا الصراع، ولهذا الاعتراف آثار بعيدة المدى على الصراع وسبل تسويته.


    فالأسئلة المركزية المتداولة في دراسات المؤرخين الإسرائيليين الجدد، بشأن المسؤولية عن تهجير الفلسطينيين، وفيما إذا كان قد تم قسرا أم طواعية، وبشأن وجود سياسة للتهجير وترحيل الفلسطينيين "ترانسفير" عند الحركة الصهيونية في الثلاثينيات والأربعينيات وقبل قيام إسرائيل، إلى جانب اهتمام آخر نلمسه عند أكاديمي مثل شطرنهل، بالسعي لتفكيك الأساطير التي قامت عليها إسرائيل، وتحديدا أسطورة القومية اليهودية والاشتراكية.  والنقطة التي تجدر الإشارة إليها هنا، هو أن المؤرخين الجدد لا يعبرون عن تيار واحد متماسك سواء في المدى الذي يصلون إليه في معارضتهم للرواية الرسمية أو في النتائج التي تترتب على ما توصلوا إليه من استنتاجات وحقائق في دراساتهم.


الموقف من المؤرخين الإسرائيليون الجدد


 


    هناك ترحيب بارد بما تطرحه مدرسة "المؤرخين الإسرائيليين الجدد" في أوساط المؤرخين والمثقفين العرب. ويتجسد هذا في قلة الكتابات عنهم وعن القضايا التي يطرحونها، وفي محدودية النقاش الذي يدور في شأنهم وما يطرحونه من أفكار وما توصلوا إليه من نتائج. كما أن المواقف العربية إزاءهم متباينة ولا تسلم من الارتباك. ولعل الدراسة التي أجراها الباحث الفلسطيني خالد الحروب هي أهم دراسة رصدت هذه المواقف المتباينة.


    يشير الحروب إلى أن النقاش المحدود فيما يتعلق بالمؤرخين الإسرائيليين الجدد في الأدبيات العربية يجري في ثلاثة عناوين فرعية: أهمية، أو عدم أهمية، هؤلاء المؤرخين وما يطرحونه. و ضرورة، أو عدم ضرورة، استثناء هؤلاء المؤرخين من سياسة رفض "التطبيع" مع الإسرائيليين والانفتاح عليهم أو عدمه. والعنوان الأخير والأهم، يتعلق بالاستجابة لدعوات بعض أولئك المؤرخين إلى ضرورة قيام مدرسة مؤرخين جدد فلسطينية/ عربية تناظر مثيلتها الإسرائيلية، وتقوم بالمهمة المراجعة نفسها إزاء الرواية العربية للصراع العربي – الإسرائيلي. ويهمنا من هذه العناوين الثلاثة العنوان الأول.


    انقسم الرأي الفلسطيني والعربي في النظر إلى المؤرخين الجدد وفي أهميتهم. ففي ندوة نظمتها مجلة الدراسات الفلسطينية في طبعتها الفرنسية مع صحيفة لوموند دبلوماتيك ضمت مؤرخين جددا إسرائيليين وفلسطينيين، أشار المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى أن أهمية المؤرخين الجدد تكمن في أنهم صادقوا على الرواية الفلسطينية لتاريخ الصراع مع الصهيونية، ويرى رشيد الخالدي، أن أهميتهم تكمن في أن إنتاجهم يؤسس لتصويب النظرة تجاه عدالة الحقوق الفلسطينية. لكن جوزيف سماحة يرى أن وظيفتهم تقتصر "على تنقية الرواية الصهيونية من شوائب بات الدفاع عنها صعبا". أما المؤرخ الفلسطيني الياس صنبر فيتخذ موقفا  وسطيا؛ فهو يرى مبالغة في تصوير أهمية المؤرخين الجدد وما يطرحونه، وهو في الآن ذاته يتحدث عما للمؤرخين وعما عليهم. ففي الجانب الإيجابي، يرى ثلاثة مستويات: "المستوى الأول، أنهم أثبتوا الرواية الفلسطينية، على الرغم من أنهم ينكرونها عند النقاش معهم. والمستوى الثاني، أنهم زعزعوا الشعور الخاطئ بالبراءة حول ما حصل في عام .1948 وقدموا، على المستوى الثالث،  فكرة رئيسية مفادها أن إسرائيل وُلدت من خلال جريمة بحق شعب".


    أوضح رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، أمل جمال، أن "المؤرخين الإسرائيليين الجدد" طرحوا وجهات نظر تدعو إلى إعادة دراسة موضوع النكبة والصراع الإسرائيلي - العربي مجددا وفق معايير ومقاييس علمية وأكاديمية، ممّا يعني زعزعة وتحطيم المسلّمات التاريخية التي اعتمدتها الرواية الإسرائيلية لعقود طويلة فيما يتعلق بأحداث النكبة عام 1948. وأضاف أن تأثيرهم كان كبيرا على الخطاب الفلسطيني، لأنهم وصلوا إلى الكثير من المعلومات عن النكبة، وأوصلوا هذه المعلومات التي كان معبر عنها من خلال الرواية الإسرائيلية، ودعموا الخطاب الفلسطيني بمعلومات كانت تنقصه وتعكس السياسات الإسرائيلية حول التطهير العرقي في فترة النكبة.


    وكانت قوة الرواية الإسرائيلية الرسمية بالنسبة لحرب 1948 تقوم على أساس أنها بلا ضحايا، ولسنوات طويلة كانت هذه الرواية هي السائدة في الخارج. ولا تنكر هذه الرواية وجود فلسطينيين ولكن تقول إنهم وجدوا على أرض ليست لهم وإن بلدا اسمه إسرائيل تعرّض، بالرغم من عدم وجوده وقتئذ، لعدوان خارجي فلسطيني – عربي ينوي تدميره.


    أما أهم نقاط الضعف التي تشوب المؤرخين الجدد وما يطرحونه في رأي صنبر فتكمن في التناقض بين ما يكتبونه وما يقرون به في الندوات والمحاضرات العامة، في تقوقعهم على بعضهم، والتخلي عن الكثير من أفكارهم عندما يناقشون المثقفين والمؤرخين الفلسطينيين بما يقودهم إلى "وضع قريب من انفصام الشخصية".


    وهناك أيضا تحليلات تختزل "مدرسة المؤرخين الجدد" إلى مناورات تاريخية/ سياسية لا يحسن فهمها إلا من زاوية الصراع بين اليمين واليسار داخل إسرائيل، ومن زاوية ترويج أطروحات جديدة تتفق مع نظرة إسرائيل إلى نفسها وإلى موقعها في المنطقة وطبيعة علاقتها بمحيطها العربي. يصف شمعون شامير ذلك بدقة، قائلا إن "المؤرخين الجدد، بطريقتهم، يريدون دعم المجتمع الإسرائيلي عن طريق مسعاهم بالذات إلى كشف الحقيقة كلها. فهم يؤمنون بأن الأساطير وأنصاف الحقائق والتزوير الموجّه لا تحقق مناعة قومية بل تعبر عن ضعف أساسي".


المؤرخون الجدد والنكبة


    أهمية المؤرخين الجدد تكمن في أن ما يطرحونه من أفكار تعارض الأفكار السائدة في الوسط الإسرائيلي، الرسمي والأكاديمي والشعبي، تجاه عدد من القضايا الأساسية (شبه المقدسة)، سواء أكانت قبل تأسيس الدولة أو بعدها.  والقضية التي ترتبط بالنكبة والتي أثارها المؤرخون الجدد تتمثل في الجدل بشأن احتواء الفكرة الصهيونية على مبدأ تهجير الفلسطينيين كمكون أساسي من مكوناتها، وخصوصا في فكر ديفيد بن جوريون، مؤسس الدولة خلال عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. وتنصب أبحاثهم على إثبات أن المنظمات العسكرية الصهيونية، التي شكلت الجيش الإسرائيلي قبيل الحرب، انخرطت في برنامج تهجير واع للفلسطينيين يهدف إلى طردهم من فلسطين  انسجاما مع الفكرة الصهيونية الأساسية، وهي ضرورة إخلاء الأرض للمهاجرين اليهود وعدم إمكان وجود شعبين في البقعة ذاتها. ونلمس هذا المنحى بشكل خاص في كتاب إيلان بابه.


    أثارت الكتابات التي صدرت عن المؤرخين الجدد فيما يتعلّق بالنكبة الفلسطينية صدمة في الشارع الصهيوني، لاسيما على المستوى السياسي والأكاديمي وحتى على الشارع العام والنخب السياسية. فبعد عشرات السنين من الراحة التي شعر بها الاحتلال بسبب تبني روايته لأحداث النكبة في العديد من دول العالم، لاسيما الدول التي ساهمت في صناعة النكبة الفلسطينية عام 1948، أصابها القلق بعد الكتابات التي نشرها مؤرخون يهود فنّدوا فيها الرواية الصهيونية وأكدوا صدق الرواية الفلسطينية لأحداث النكبة والمجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني.


    وعلى الرغم من أن "المؤرخين الجدد يضمون قائمة طويلة من الأكاديميين المختصين في التاريخ والعلوم السياسية والاجتماع، إلا أننا سنركز في هذا المقام على أعمال بابه موريس،  باعتبار أن إسهاماتهما الرئيسية تركزت على حرب 1948 وما بعدها. وينقض الكاتبان الرواية الإسرائيلية عن حرب 1948؛ ويؤكد أن طرد الفلسطينيين لم يكن مجرد هروب جماعي وطوعي للسكان كما زعمت الرواية الرسمية، بل خطة مفصلة جرى وضع اللمسات النهائية عليها في اجتماع عقده بن جوريون في تل أبيب يوم  10 مارس 1948، بحضور عشرة من القادة الصهاينة، وتضمنت أوامر صريحة لوحدات الهاجاناه باستخدام شتى الأساليب لتنفيذ هذه الخطة ومنها: إثارة الرعب، وقصف القرى والمراكز السكنية، وحرق المنازل، وهدم البيوت، وزرع الألغام في الأنقاض لمنع المطرودين من العودة إلى منازلهم، وقد استغرق تنفيذ تلك الخطة ستة أشهر.


    وبقدم الكاتبان ما يؤكد ذلك من خلال الوثائق التي كشف عنها من الأرشيف الإسرائيلي، إلا أنهما اعتمدا على منهجين مختلفين في التأريخ للحوادث، واستخدما لغة مختلفة في التعبير عن فداحة النكبة. ففي حيت استخدم بابه تعبيرات مثل "التطهير العرقي" ويذهب إلى حد القول إنها "جريمة ضد الإنسانية" بكل ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية، يتبنى موريس لغة أكثر تحفظا ويتحدث عن مشكلة لاجئين. عير أن موريس يتمتع بمكانة أكبر في أوساط الأكاديميين في إسرائيل وخارجها وتتميز أعماله بقدر أكبر من الصرامة الأكاديمية تضفي على ما يقوله وزنا أكبر يخدم القضية الفلسطينية على نجو أفضل.


    ومهما تكن الخلافات بين الاثنين يظل إسهامهما على قدر كبير من الأهمية من حيث تأثيرها على الخطاب الإسرائيلي، فبينما كان هذا التأثير شبه معدوم، حسبما يرى أمل جمال، الخبير الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية، حيث لم ينتشر خطابهم على المستوى الجماهيري الإسرائيلي، إلا أن تأثيرهم  كبير على المستوى الأكاديمي؛ فلا يمكن للمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية أن تتجاوز كم المعلومات التي طرحها هؤلاء المؤرخون الذين كان لهم تأثير أيضا على جميع الأكاديميين المؤرخين في الدولة العبرية. وأوضح أن هذا الخطاب الجديد أظهر وجود شرخ حول النكبة بين الخطاب الأكاديمي والجماهيري، وأظهر وجود فرق كبير بين الوعي الجماهيري العام الإسرائيلي حول رواية النكبة والمعلومات المتوفرة في الخطاب الأكاديمي. وهذا ينبع من عمل المؤسسة الإسرائيلية الأمنية والسياسية والتربوية التي عملت على الحد من تأثير المؤرخين الجدد، رغم أنهم لم يتبنوا الرواية الفلسطينية للنكبة.


    وذكر جمال، أن الأغلبية الساحقة من الأكاديميين العرب في الداخل يستعملون معلومات وفرها المؤرخون الجدد، وأصبحوا جزءا من المواجهة من خلال الترويج لهذه المعلومات التي تؤكد أن الرواية الفلسطينية للنكبة هي الصحيحة وتفكيك الرواية الصهيونية والتوضيح بأنها ليست رواية بطولة وتحرير وإنما رواية تطهير عرقي ورواية استعمار. لكن يظل ما قدمه هؤلاء المؤرخون الجدد والذين نقلت معظم أعمالهم إلى اللغة العربية في حاجة إلى منهج أكثر شمولا في التعامل معهم وفي توظيفهم ما توصلوا إليه من نتائج.