بعد 68 عاما على النكبة .. أي مستقبل ممكن لفلسطين؟

20/05/2016 - 2:56:00

عائدون عائدون

سلامة كيلة - كاتب فلسطيني

سنوات طويلة مرّت على النكبة الفلسطينية. ورغم أن النهوض العربي الذي حدث بعدها بسنوات قليلة (وكانت النكبة أحد عوامل حدوثه) كان يوحي بأن النصر قريب، فقد أتت هزيمة يونيو حزيران 1967، ومن ثم نهوض وانهيار المقاومة الفلسطينية، لكي يحبط، وينشر اليأس بأن تجاوز النكبة ليس ممكنا، وبالتالي لا بد من القبول بالأمر الواقع.


هذا هو الأساس الذي جعل القبول بتسوية سياسية للصراع هو "الجو العام" الذي أخذ ينتشر ويتوسع منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، وخصوصا بعد احتلال الدولة الصهيونية لنصف لبنان سنة 1982، وطرد المقاومة الفلسطينية منها، لتتشتت بعيدا عن فلسطين بلا قدرة على الفعل. وهو الأساس الذي جعل قطاعات شعبية تقبل بحل الدولتين، أي بالتنازل عن 80% من أرض فلسطين، اعتمادا على "ميزان القوى الدولي" حين كان الاتحاد السوفيتي قائما، بعد أن فقدت الثقة بإمكاناتها وقدرتها على تحقيق الهدف الذي رافقها عقودا: تحرير فلسطين.


لكن يظهر واضحا الآن بأن حل الدولتين هو أكثر طوباوية من تحرير فلسطين، بالضبط لأن الدولة الصهيونية لا تريد ذلك، بل أنها تعتبر أن كل فلسطين هي "إسرائيل"، ولا مساومة لديها على ذلك. وأن الوضع الدولي انحدر كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحوّل روسيا إلى حليف للدولة الصهيونية (رغم أنه لم يفعل شيئا مهما في هذا المجال)، وعدم رغبة أمريكا في فرض حلّ على هذه الدولة، بالضبط لأنها كانت تعتبر أنها قوتها المركزية في الوطن العربي.


ولهذا يظهر الآن أن حل الدولتين بات من الماضي، وبالتالي أنْ لا حل يخص الفلسطينيين إلا ما تقرره الدولة الصهيونية، أي فرض الأمر الواقع القائم على السيطرة على معظم أرض الضفة الغربية وحصر السكان الفلسطينيين في معازل وكانتونات، وتكريس انفصال قطاع غزة الذي يتعرض للحصار المفرط بما يجعل السكان يعيشون في وضع مأساوي ربما يدفع إلى هجرتهم في لحظة المقدرة على ذلك، كما جرى تهجير اللاجئين الفلسطينيين في العراق الذين جرى تهجيرهم إلى أمريكا اللاتينية، وما يجري للاجئين الفلسطينيين في سوريا الذين فرض تدمير العديد من مخيماتهم إلى هجرتهم إلى أوروبا.


في هذه الوضعية تبدو الصورة قاتمة، ويظهر أن "المخطط" يقوم على تلاشي اللاجئين الفلسطينيين عبر تشريدهم في أربعة أسقاع الأرض. لكن هذا ما سمح به انهيار الوضع العربي بعد أن سيطرت نظم تابعة، التي خاضت في اللبرلة بما جعل الشعوب تعاني من الفقر والتهميش والبطالة وسيطرة السلفية والتخلف. وكذلك السياسة الخاطئة للمقاومة الفلسطينية، التي قامت على فصل قضيتها عن القضية العربية العامة، واعتبرت أن تحرير فلسطين هو مهمة الفلسطينيين، رغم أن المقاومة ذاتها كانت تنطلق من أرض عربية تحكمها نظم لم تكن معنية بتحرير فلسطين. هذه الفلسطنة قزّمت القضية، ووضعتها في سياق انتحاري ظهر من خلال التحجج بالحصار العربي من أجل الانخراط في سياسات تسوية كانت الطريق إلى الانهيار الشامل.


إذن، لا التحررية العربية أفضت إلى تحرير فلسطين، ولا المقاومة الفلسطينية انتصرت. ولكل أسبابه في الفشل، حيث كانت الفئات التي حكمت النظم القومية أضعف من أن تفهم متطلبات الصراع، ومالت إلى تحسين وضعها عبر التمسك بالسلطة أكثر من أن تكون معنية حقيقة بالمواجهة، فانهارت من الداخل نتيجة مصالح قطاع من هذه الفئات لأن ينهب الدولة لكي يصبح رأسماليا. والمقاومة لم تكن كذلك في مستوى الصراع، ظهر ذلك في فلسطنة القضية، والمسارعة للوصول إلى حل جزئي كان مستحيلا ويخدم المخططات الصهيونية. لهذا يجب إعادة بناء الرؤية، وتحديد طبيعة الصراع، وكيف يمكن ان ننتصر فيه.


أولا، يجب أن يكون واضحا أن الأمر لا يتعلق بالسيطرة على أرض من أجل إقامة دولة من مستوطنين (تحت حجة وضعهم الإنساني، والأحقية التاريخية)، هذا هو مظهر الصراع، الذي ربما يطلق الأوهام، فليس الأمر يتعلق بـ "يهود" مشردين يحتاجون إلى "وطن". الرأسمالية أبعد من أن تنطلق من منظور إنساني، فهي من سحق اليهود الأوروبيين وهمشهم واستغلهم أبشع استغلال. ورغم أن هذا الفهم كان واضحا مع نشوء الدولة الصهيونية، إلا أنه خلال العقود الماضية ظهر أن المنظور الإنساني هو ما يقبع في اللا وعي، ويجعلنا نتعامل مع الأمر من منطلق التنازع على أحقية السيطرة على فلسطين، وبالتالي على حق الفلسطينيين فيها.


وهذا الأمر سمح بربط فلسطين بالفلسطينيين فقط، والمواقفة على المنظور الذي عممته المقاومة الفلسطينية، والقائم على فلسطنة القضية. لهذا لا بد من إعادة النظر فيما تراكم في العقود الأخيرة، وإعادة تأسيس الوعي بالمسألة الفلسطينية، لكي يكون ممكنا وضع إستراتيجية تحرير حقيقية. فإقامة الدولة الصهيونية أتت في سياق السعي الاستعماري للسيطرة على الوطن العربي، حيث تكون حاجزا بين المشرق والمغرب من جهة، وأداة عسكرية لمواجهة الميل للتطور والوحدة من جهة أخرى. بمعنى أن الرأسمالية أقامت "قاعدة عسكرية" مغلفة بمجتمع "مدني" من اليهود، ومعززة بأيديولوجية صهيونية تنطلق من أحقية السيطرة على فلسطين. ولهذا فإن وجودها ذاته كحاجز، ودورها العسكري عربيا هو ما يجب التركيز عليه، لأنه يعني استحالة فلسطنة القضية الفلسطينية، ودون ذلك يكون تغطية على الهدف الحقيقي لوجود الدولة الصهيونية. ومن ثم الهروب من عملية الصراع الحقيقية.


فقد تبلورت الفكرة الصهيونية ليس لدى يهود بل لدى الرأسمالية البريطانية قبل أن يُدفع يهود لطرحها والشغل عليها (آل روتشيلد). وطُرحت بعد محاولة محمد علي باشا توحيد المنطقة العربية حينما احتل بلاد الشام، وظهر أن محاولة مصر للتطور تدفعها حتما إلى التمدد "القومي" وتوحيد المنطقة. وبالتالي جاءت الفكرة في سياق إستراتيجية تهدف إلى منع تطور، وتكريس تفكيك الوطن العربي، من أجل ضمان السيطرة الطويلة عليه. بهذا ارتبط تحقيق التطور في الوطن العربي، الذي يفرض توحيده، بمواجهة الدولة الصهيونية. وبهذا لم تعد القضية فلسطينية، رغم أن العبء الأخطر وقع على الفلسطينيين الذين شُرِّدوا من أرضهم، وتوزعوا بين فلسطين والدول المجاورة والعالم، والذين هم في هذه الوضعية عاجزين عن مواجهة الدولة الصهيونية مواجهة حقيقية، ليس نتيجة توزعهم وتشتتهم هذا بل أساسا لأن قوة الدولة الصهيونية التي سيطرت على الأرض الفلسطينية جاعلة منها قاعدة عسكرية ضد الوطن العربي، بُنيت على أساس مواجهة كل العرب، والتدخل في الوطن العربي من أجل إجهاض تطوره وتوحيده. لهذا كانت الأرض التي تنطلق المقاومة منها غير مناسبة لصراع حقيقي مع الدولة الصهيونية، وكان اللا تكافؤ في القوة واضحا، ومختلا بشكل هائل. ومن ثم كان "طبيعيا" أن تكون في مأزق كارثي منذ البدء، وأن يُستغلّ هذا المأزق لجرف المقاومة نحو التسوية التي أوضحت عمق الكارثة حال تحققها في أوسلو.


من هذا المنظور لا بد من إعادة بناء التصور حول فلسطين، ووضع الإستراتيجية التي تنطلق من أساس فهم طبيعة الدولة الصهيونية كمرتكز عسكري إمبريالي. الأمر الذي يجعل الصراع في جوهره هو صراع عربي ضد الدولة الصهيونية، خصوصا وأن وجود هذه الدولة يشلّ كل إمكانية للتطور والحداثة وتحقيق الوحدة القومية. بالتالي لا بد من الانطلاق من أن كل عربي معني بإنهاء الدولة الصهيونية كجزء من نضاله من أجل التطور والحداثة. وأن مواجهتها هي جزء من مواجهة السيطرة الإمبريالية، ومواجهة النظم التابعة القائمة. حيث أن التطور والحداثة والوحدة تفترض مواجهة هذه القوى، وفرض سيطرة الشعب، الذي هو وحده المعني بالتطور والاستقلال والحداثة والوحدة.


لهذا تكون هزيمة الدولة الصهيونية هي النتاج الطبيعي لإسقاط النظم التابعة، حيث لا بد من بناء القوة القادرة على مواجهة الدولة الصهيونية. بالتالي لا تكفي هنا العواطف ولا الشعارات، ولا حتى التضاهرات المؤيدة لفلسطين رغم رمزيتها، لأن كل ذلك هو تفريغ لشحنات التعاطف، و"إراحة للضمير"، بناء على دور محدود لا يغيّر في ميزان القوى، الذي هو الأمر الجوهري من أجل تحرير فلسطين. لقد جرى تكريس الدولة الصهيونية في الوقت ذاته الذي جرى فيه تكريس تفكك الوطن العربي، وتحكم نظم تابعة فيه. وحين جرت التحولات في خمسينيات القرن العشرين، ونشأت نظم حاول بعضها تغيير ميزان القوى، جرت عملية تصفية لها وتكريس نظم تابعة من جديد. كل ذلك لأن العلاقة متبادلة بين وجود الدولة الصهيونية ووجود النظم التابعة، رغم أن عنصر التفوق هو للدولة الصهيونية لكي تقاوم كل تغيير. وحيث لا يحدث الاختلال الذي يسمح بتغيير ميزان القوى لمصلحة التطور والحداثة في الوطن العربي، وبالتالي التأسيس لمواجهة الدولة الصهيونية.


ربما تكون الثورات العربية قد فتحت على تغييرات عميقة سوف تفرض حتما مواجهة الدولة الصهيونية، كونها حارسة التخلف والتبعية والتفكك. وإذا كانت الثورات قد نتجت عن الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت سنة 2008، كونها أزّمت طبقات مأزومة أصلا نتيجة النهب المريع الذي مارسته المافيات الحاكمة بالتشارك مع الطغم المالية الإمبريالية، فإن استمرار الأزمة وتجذرها، واحتمال حدوث انفجارات جديدة في بنية الاقتصاد الرأسمالي، ومن ثم تراجع دور المركز الإمبريالي: أمريكا، سوف يفرض حدوث مسارات جديدة ليست في مصلحة الدولة الصهيونية. فهذا الوضع المأزوم للرأسمالية سوف يعمق من أزمة المجتمعات، وبالتالي يعزز من استمرار الثورات في البلدان العربية، مع ترجيح بانتقالها إلى بلدان كثيرة أخرى، في جنوب أوروبا وشرقها وفي أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، وربما حتى في روسيا والصين. وكل ذلك ينعكس على وضع الدولة الصهيونية، خصوصا أن أزمة الرأسمالية طالتها جزئيا في السابق نتيجة تراجع صادراتها، وستطالها بشكل أوسع في الفترة القادمة، وهو الأمر الذي سوف يعني ضعف بنيتها الداخلية، واحتمالات حدوث تناقضات طبقية فيها. كما أن "الانسحاب الأمريكي" من "الشرق الأوسط" بعد اعتبار الإدارة الأميركية أن أولويتها هي آسيا والمحيط الهادي، يعني انكشاف الدولة الصهيونية، سياسيا وكذلك ماليا نتيجة كونها كقاعدة عسكرية تحتاج "مساعدات" كبيرة لأنها اقتصادها اضعف من أن يحمل ميزانية عسكرية ضخمة.


إذن، هناك تحولات عربية كبيرة تطرح على بساط البحث تصعيد الصراع مع الدولة الصهيونية، بالضبط لأن دورها يقوم على مواجهة كل تغيير حقيقي في المنطقة، وربما نشوء نظم معنية حقيقة بالتطور والحداثة والتوحيد القومي. وأيضا سيكون وضع الدولة الصهيونية معرّضا لـ "صدمات"، نتيجة الأزمة الاقتصادية، والتفارق الطبقي، وتفكك التماسك الذي أقامته الحركة الصهيونية على أساس الدين اليهودي لمصلحة ميولات طبقية وقومية أكثر.


الأفق يشير إلى تحولات كبيرة، وفلسطين ستكون في قلبها.