أدب النكبة .. ثلاثة فلسطينيين يتنبأون بالكارثة

20/05/2016 - 2:55:00

إبراهيم طوقان إبراهيم طوقان

د. عادل الأسطة - كاتب فلسطيني

هل بدأ أدب النكبة في فلسطين مع تأسيس دولة إسرائيل وطرد الشعب الفلسطينى من أرضه فى صيف عام 1948؟ وهل يقتصر دارس هذا الأدب على النصوص المكتوبة بعد الخروج الكبير من أرض الوطن؟


    يتبع السؤالين السابقين سؤال ثالث هو: ماذا بشأن الأدب الذى كتب قبل عام 1948؟ هل استشعر أدباء تلك الفترة النكبة فى أدبهم؟


    عرفت فلسطين قبل 1948 أدباء حققوا شهرة على مستوى الوطن العربى وأبرز هؤلاء إبراهيم طوقان وإسحق موسى الحسيني. توفى طوقان عام 1941، وامتد العمر بالحسينى لعقود بعد النكبة، ومع أن الخروج الكبير تم بعد سبع سنوات من وفاة طوقان إلا أن أشعاره كانت تعبر عن خطر جسيم يحدق ببلاده وأعدائه، وأنها فى طريقها إلى الضياع، وهذا ما نبه إليه مرارا، وهو يخاطب زعماء قومه وسماسرة بلاده، وأعداءه الإنجليز والصهاينة، بل وهو يكتب عن الفدائى الذى استشعر الضياع فضحى بنفسه من أجل بلاده. رأى طوقان زعماء قومه يقتتلون على الزعامة ويتناحرون من أجل فوز أحزابهم، ورأى بلاده تضيع فكتب: فى يدينا بقية من بلاد فاستريحوا كى لا تطير البقية.


    وأما سماسرة البلاد فكانوا يتنعمون بمال حرام، مقابل شقاء عم البلاد، والسماسرة ليسوا سوى عصبة قليلة، ولكنها وجدت من يغطى على سلوكها، مثل بعض الجرائد. ولاحظ الشاعر سلوك الإنجليز وتصرفاتهم وسياستهم الجائزة المنحازة للحركة الصهيونية، مقابل تشددهم إزاء كل فلسطينى يقاوم أو يفكر فى المقاومة، فأدرك أن الطرفين، الإنجليز والحركة الصهيونية، يفكران فى قتل الشعب الفلسطينى أو طرده:


أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو، أم محونا والإزالة


    وأما الفدائى الفلسطينى الذى اندفع يقاتل من أجل بلاده فلم يحركه طمع من أجل منصب، أو مال حرام من بيع أرض. كان خوفه على بلاده هو ما دفعه لقتل الضابط الإنجليزى. ولهذا وقف بالباب ينتظر قدوم الضابط ليطلق عليه النار:


وبلادا أحبها ركنها قد تهدما


وخصوما ببغيهم ضجت الأرض والسما


    ركز طوقان على الأرض التى لا تعادلها أموال الدنيا وذهبها، وخاطب بائعها قائلا:


يا بائع الأرض لم تحفل بعاقبة


 أما علمت بأن الخصم خداع


فكر بموتك يا أرض نشأت بها


 واحفظ لقبرك أرضا طولها باع


    كأنه كان يستشرف ما سيؤول إليه الفلسطينيون، وكأنه هو قائل أسطر مظفر النواب الدالة:


هنا دفنت طفلة آخر الأمر


 يا أرض غزة فاسترجعيها


 لئلا مقابرهم تستفز


    لم يكن طوقان الأديب الوحيد من أدباء تلك الفترة الذى استشرف النكبة، فقد كتب إسحق موسى الحسيني فى بداية أربعينيات القرن العشرين روايته الشهيرة “مذكرات دجاجة” التى صدرت عام 1943 عن سلسلة اقرأ، (دار المعارف بالقاهرة)، وقدم لها طه حسين، ورأى أنها دجاجة فلسطينية تحب الخير للجميع.


    فى “مذكرات دجاجة” ذات الأبعاد الرمزية إشارة، بل كتابة تشغل صفحات، إلى الصراع على المأوى، بين دجاج غريب طارىء والدجاج المحلى. والدحاجة الحكيمة تعترض على سلوك الزعيم الذى قرر مواجهة الدجاج الغريب الطارى الذى أخذ ينافس على المكان، وتقترح الدجاجة الحكيمة على الزعيم ورفاقه أن يتركوا المأوى وأن يصلحوا العالم، حتى إذا ما أصلحوه حلت قضيتهم.


    واقتراح الدجاجة هذا سيجد رفضا عنيفا من بعض نقاد الأدب الفلسطينى الذين رأوا فيه طرحا يخون القضية الفلسطينية، وأبرز هؤلاء عبد الحميد يس الذى كتب مقالين تحت عنوان “مذكرات ديك” وفاروق وادى فى كتابه “ثلاث علامات فى الرواية الفلسطينية” (1985).


    ثمة قصة قصيرة كتبها القاص نجاتي صدقي الذى طبع كتبا عديدة فى مصر، صدرت عن سلسلة إقرأ أيضا، عنوانها “الأخوات الحزينات”، وفيها يستشرف القاص حدوث النكبة. كتب صدقي قصته عام 1947، قبل النكبة بعام، ويروى السارد فيها قصة فلسطينى ذهب ليرتاح تحت خمس شجيرات جميز، فغفا وشاهد الشجرات الخمس أخوات خمسا تروى كل واحدة منهن حكايتها، وتبلغ قمة المأساة مداها حين تتحدث الأخت الخامسة، وتنتهى القصة برياح قوية عاتية توشك أن تقتلع الشجرات الخمس من جذورها.


    إذا كان هؤلاء الأدباء الثلاثة استشعروا النكبة قبل حدوثها، فإن هناك من كتب عنها بعد وقوعها.


    مات طوفان عام 1948 ولم يواصل الحسينى كتابة الروايات ليكتب عن آثار النكبة، وواصل نجاتي صدقي كتابة قصصه القصيرة التى صور فى بعضها حياة اللاجئين، ومن قصصه هذه قصة “عنبر رقم 5” من مجموعته الثانية “الشيوعي المليونير” (1963) وفيها يرصد حياة فلسطينى كان فى بلاده ينفق الأموال على مسراته وشهواته، وغدا بعد 1948 لاجئا لا يملك شيئا، يقيم مع لاجئين كثر فى عنابر آوت اللاجئين.


    رصد حياة اللاحئين وما آلوا إليه فيها، ابتداء فى الشعر الذى كان أسرع فى الاستجابة للأحداث، وكان عبد الكريم الكرمى (أبو سلمى)، وجل شعراء النكبة، عبر عن حياة اللاجئين فى قصائد عديدة جمعها فى ديوان هو “المشرد”. لقد غدا الشاعر مثل 650.000 فلسطيني يهيمون فى الطرقات والبرارى والمغر، واختار دمشق مكانا له ، دمشق المدينة التى درس فيها ولاحظ الفرق بين معاملة أهل دمشق له طالبا سيعود إلى بلاده، ومعاملتهم له لاجئا:


أتنكرني دمشق وكان عهدي بها ألا تلوح بالسراب


أتنكرنى وفي قلبي سناها وأعراف العروبة في إهابي


     صور الكرمى شعبه هائما فى السهول وطرق الجبال، وعبر عن أمله بالعودة واعتزازه بعروبته، لكنه حزن لما آل إليه هو وشعبه.


لقد عاد إلى دمشق خيال شعب


يطوف فى الجبال وفى الشعاب


    وإذا كان أبو سلمى من الأدباء المخضرمين، أى الذين عاشوا قبل النكبة وبعدها، وظل يكتب الشعر حتى وفاته عام 1980، فإن جيلا جديدا من الأدباء ظهر وأخذ يكتب القصة القصيرة والرواية، وقد عبر فيما كتب عن مأساة الشعب الفلسطينى تعبيرا أبرز وأوسع، بدأ فى الشعر، وهذا يعود إلى طبيعة النثر الذى هو أرحب فى التعبير عن قضايا اجتماعية.


    ظهر اسم سميرة عزام التى أصدرت خمس مجموعات قصصية، عبرت فى قصص كثيرة فيها عن معاناة اللاجئين، إلى جانب كتابتها عن معاناة المرأة، وكتابتها عن موضوعات اجتماعية كالفقر والبطالة وما شابه. كتبت سميرة فى قصتها الأبرز “لأنه يحبهم” من مجموعة "الساعة والإنسان" عن التحولات التي طرأت على الفلسطينيين بسبب النكبة ورصدت هذا من خلال شخصيات عديدة. كأن القصة القصيرة هذه رواية. كتبت عن المزارع الفلسطينى الذى كان سعيدا فى وطنه يعيش على ما تنتجه أرضه، وفجأة فقد الأرض غدا لاجئا يقتات على معونات وكالة غوث اللاجئين، فانقلبت أحواله وغدا سكيرا ، وكتبت عن المرأة الشريفة التى استشهد زوجها فى الدفاع عن بلاده، وضاع أهلها فى ظل النزوح الكبير، ووجدت نفسها وحيدة بلا معيل، فمارست الرذيلة والبغاء، لتواصل الحياة.


  كما كتب غسان كنفاني فى قصته القصيرة “الصغير يذهب إلى المخيم” عن تحول فلسطينيون إلى سكيرين ومنافقين ومفسدين، فمن لا أرض له لا كرامة له. ويعد كنفانى الصوت الثالث، بعد (أبو سلمى) وسميرة عزام، في التعبير عن هموم الفلسطينيين ومعاناتهم، بسبب النكبة. رصد كنفاني فى قصصه أحداثا كثيرة تعكس بؤس الحياة بعيدا عن فلسطين، وجعل المنفى مقبرة، وهو ما بدا فى روايته "رجال في الشمس " (1963). لقد مات شخوص الرواية الثلاثة فى الكويت، فى داخل خزان، وألقى الفلسطينى الرابع الذى فقد رجولته فى حرب 1948 جثثهم فى قلب النفايات. كأن مكان الفلسطينى فى المنفى هو قلب النفايات.


    فى رواية إلياس خورى "أولاد الغيتو: اسمي آدم" (2016) يذكر بطلها آدم أن النكبة ما زالت مستمرة لم تنته، وأن أدبها مازال يكتب، ويروى آدم / إلياس جانبا آخر منها يتمثل فى حياة الفلسطينيين الباقين فى أرضهم.


هل أخطأ إلياس خورى فى رأيه؟