النكبة كسرديّة بصريّة ـ نصيّة .. قراءة في « ميلانكوليا » شريف واكد

20/05/2016 - 2:52:50

د. مليحة مسلماني

كاتبة فلسطينية تقيم في القدس، حاصلة على الدكتوراه في الفن الفلسطيني المعاصر، مؤسّسة ومديرة جاليري "بيت مريم" في رام الله


يُعرف الفنان شريف واكد بتعدّد الأساليب الفنية المعاصرة التي يوظفها في سعيه المستمر نحو تكامل وانسجام الشكل الفني والرؤية التي يطرحها من خلاله، بما تحويه تلك الرؤية من معانٍ ورسائل وأسئلة، ظاهرة أحيانا وخفيّة في كثير من الأحيان، فتأتي أعماله متنوعة بين فنون الفيديو والتشكيل والطباعة الرقمية، وغيرها من الأساليب التي تدور مواضيعها في أفلاك البحث والسؤال حول الوجود والإنسان والصراع والسلطة، ومضامين أخرى شكّلت مصدر قلق واشتغال الفنان في مختلف أعماله.


 يظهر الاشتغال الواضح على الترابط بين النصّي والبصريّ، وعلى توثيق العلاقة بينهما، في سلسلة من الأعمال بعنوان "ميلانْكوليا" يوظف فيها فكرة ملصق الشارع Sticker المعالجة بالحاسوب وبتقنية الطباعة الرقمية؛ ملصقات تُظهر سرديّات بصرية تتضمن مقاطع نصّية من "ذاكرةٍ" رسّخت في طيّاتها مقولات وأرقاما وصورا صاحبت تراكمها وتشكّلها عبر الزمن. "ميلانكوليا" Melancholia كلمة تعني "السوداويّة"، وهي تشير في هذا العمل إلى سخريةٍ ممزوجةٍ بألم ورومانسية معا. ينتمي الملصق إلى الثقافة الشعبية ولغتها في الاحتجاج وفي إيصال رسائلها السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي المقابل فإن ملصقات "ميلانكوليا" تمثّل تجسيدا للذاكرة الجمعية الفلسطينية، والتي تبدو نتيجة التشرذم الذي يفرضه واقع الشتات كمقاطع مجزّأة تبحث عن خيوط تصل بينها لتنسج بها حكايتها. تحتوي تلك الملصقات على صور حقيقة من أرشيف النكبة ومن الواقع في فلسطين والعالم العربي، تصاحبها مقولات ومقاطع مألوفة من قصائد وأغاني عربية وأجنبية. 


يبدأ الكتالوج، الكتيّب المصوّر، الخاص بتلك المجموعة بجملة:


"AND THE STORY WAS TOLD" 


طُبعت ضمن شريط أسود على خلفية باهتة يقطعها شعاع من النور ، وهي جملة يوحي مضمونها بنهاية السرد؛ فالحكاية رُويت سابقا وقد حدث ما حدث، غير أنه وفي موضعة الجملة في بدء الكتيّب دلالة على إصرار الذاكرة على إعادة سرد حكايتها من جديد من وجهة نظر الأجيال الجديدة من اللاجئين الفلسطينيين، ومن بينهم الفنان نفسه الذي ولد لعائلة هُجّرت من إحدى القرى الفلسطينية التي دمّرت لتقام على أنقاضها مستوطنات إسرائيلية، وهؤلاء من يسمّون بالفلسطينيين اللاجئين في وطنهم، وهم من هُجّروا من قراهم إلى مناطق أخرى من فلسطين ولم يستطيعوا العودة إليها فاستقروا حيث وصلوا. يقول شريف واكد: "أنا أنتمي إلى جيل يحاول مواجهة الانفصام بين شخصية داخلية وأخرى خارجية، وهو انفصام ميّز جيل والديّ، جيل النكبة، كنتيجة لتجربة الفقدان الصادمة التي حوّلتهم إلى لاجئين في وطنهم" .


تظهر في ملصق آخر صورة من أرشيف النكبة لقافلة لاجئين من يافا يظهر عليها مقطع محرّف من أغنية لليونارد كوهين:


"IV TREID ON MY WAY TO BE FREE"


تظهر الصورة ذاتها بلون يميل إلى الخضرة في ملصق آخر وتصبح الكتابة فوقها


"I SHALL BE FREE"


يصوّر هذان الملصقان، بتكوينهما البصري والنصّي، ألم وعبثيّة الحدث ومفارقاته؛ فالحدث يصرّ بقوة على العودة وإن مرّ عليه الزمن وعلى صوره التي تصبح من قدمها شبه ممحوّة، في حين توحي صورة قافلة اللاجئين في الملصقيْن برحيلٍ وعودةٍ في ذات الوقت، أي من الممكن رؤيتها من كلتا الزاويتيْن، في دلالة على أن عام 1948، يعمل كنقطتيْ بدايةٍ ونهايةٍ بالنسبة للفلسطيني، ففي مقابل التهجير ـ النهاية، فإن النكبة هي أيضا نقطة البدء بالنسبة للفلسطيني للانطلاق نحو صياغة هوية جديدة ـ قديمة تستند إلى الحقّ في العودة والوجود على الأرض. يعمل تكرار لفظ "Free" في الملصقيْن دور المفتاح لفهم المرجعية الفكرية التي يستند إليها الوعي الجمعي الفلسطيني في تصوّره للأزمة والصراع، إذ هو وفي محاولته استيعاب واقعه يموضع متقابليْن؛ واقع النكبة والاحتلال في مقابل مطلب العودة والحرية.


ملصقات كثيرة أخرى ترافقها نصوصٌ باللغة العربية، إلى جانب تلك التي ترافقها نصوص باللغة الإنجليزية، في تأكيدٍ على السرديّة الثنائيّة التوجّه، فهي تعمل من ناحية كحوار ذاتي داخلي، مونولوج ذاكرةٍ تقصّ حكايتها بذاتها لذاتها، ومن ناحية أخرى تُوجّه تلك الذات، الذاكرة، خطابها للآخر بلغة أجنبية، الإنجليزية المعروفة والمألوفة لدى الكثيرين، وهناك أيضا ملصق تضمّن كلمات بالعبرية تعني "سلام أيتها الصديقة"، في دلالة على السخرية من "عملية السلام" التي أتت للفلسطينيين بالمزيد من الحصار والدمار، وفي تأكيد مرة أخرى على قلق الذات التي لا تنفكّ تقصد تذكير "الآخر"، مستخدمة لغته، بمأساتها التي تسبّب بها. تظهر في ملصق آخر صورة مألوفة من أرشيف النكبة لفلاحٍ فلسطيني يحمل طفلة، في حين يغطي شريط أسود عينيّ الفلاح، طُبع عليه "عبثا تحاول يا أبي"، تعزز الجملة من السوداوية المحيطة بالحكاية، فالنص وما يتضمنه "عبثية المحاولة" والشريط الأسود، يعملان كعصبةٍ على عيني الذاكرة في إشارة إلى اعتقال أو اغتيال الذاكرة في روايةٍ مضادّة هي رواية المستعمر المسيطر على الحاضر والتاريخ وعلى صياغتهما. في ملصق أخر يظهر في المركز مقطعا مقتبسا من قصيدة معروفة لمحمود دوريش غنّاها سميح شقير هو "بيروت تفاحة"، تتموضع الجملة وسط تكوينٍ لجدار منزل حلّ به دمار جراء القصف وكثرت به الثقوب التي أحدثها الرصاص.


تنتهي الرواية، بعد تتابع صور الملصقات جميعها في الكتيّب، بملصق أسود طُبع عليه الرقم "1948"، والذي يحضر بلونٍ أبيض منيرٍ كمصباحٍ كهربائي في مركز الملصق مسيطرا على الجزء الأكبر من مساحته؛ يختزل العمل في رقم 1948 مأساة الشعب الفلسطيني، لتعكس القوةُ الكامنةُ في هذا الاختزال العمق الذي يحفره هذا الرقم في الذاكرة الفلسطينية، وحضوره فيها بقوةٍ وثقل، في دلالة على الحضور المستمر والطاغي للنكبة في الوعي الجمعي الفلسطيني. يُظهر الملصق الحالة ككوميديا سوداء وسخرية مريرة من تحول مأساة شعب واختزالها في الخطاب السياسي في مجرد رقم.


يدور عمل شريف واكد في دائرة بدايتها ونهايتها هي النكبة، وهي الرواية الفلسطينية التي يكرر الفلسطيني سردها كوسيلة يدفع بها التاريخ ليسير ضمن مساره الطبيعي والمفترض. وبين ملصقيْ البداية والنهاية يقصّ الفنان الحكاية، بسخرية من يتألم، سردا نصّيا ـ بصريا يستند إلى النكبة التي تمثّل موضوعا لكوميديا سوداء، أو تراجيديا يحيط بها كمٌّ هائل من الأسئلة والصور والذكريات لدرجة تقترب فيها من مسرح يموضع شخوصه والأحداث التي ترتبط بهم في إطار عبثيٍّ مبعثر. ووسط  هذا الزخم من الأحداث المؤلمة المرتبطة بتلك الذاكرة، يحاول الفنان إيجاد معنى وخيطٍ يربط بين تلك المقاطع المبعثرة، والتي تبدو حكايةُ تحتاج بشكل مستمر إلى إعادة ترتيب الصور والنصوص الخاصة بها.


يوظف شريف واكد في "ميلانكوليا" القوة التي تكمن في ملصق الشارع، والتي تستند إلى قدرته على الطرح المباشر للرسائل المراد إيصالها، وعلى الرغم من المباشرة والوضوح في أسلوب الملصقات، إلا إن الفنان يستخدم عناصر أخرى في مجموعته تجعل الرائي أمام حيرةٍ وكمٍّ من الأسئلة، فالملصق عند شريف واكد غامض رغم وضوح الجملة أو الرقم أو الصورة، وهو غموض لا يقف عند حدّ الدعوة إلى تعدّد التأويلات بل يهدف إلى استدراج الرائي إلى عمق الرسالة، أو الرسائل، المنطوية في الوعي والذاكرة. فملصقات "ميلانكوليا" أشبه بالذاكرة الفلسطينية الجمعية ذاتها، التي ترسّخت فيها حوادث وتواريخ مؤلمة، لكن غبار الزمن وتكرار السنوات على مأساة ما زالت مستمرة يجعل منها دائما ذاكرة قديمة ـ حديثة، تجمع بين الموت والولادة، وبين الشتات والحنين إلى الوطن، وبين مفارقات عدة خلّفتها النكبة، وتلك هي المفارقات ذاتها التي تجعل منها كوميديا سوداء جارحة وميلانكوليا احتجاجيّة.


(نُشرت هذه القراءة في كتاب مليحة مسلماني "تجلّيات الحرْف: جماليات النص في الفن الفلسطيني المعاصر" الصادر عن أكاديمية القاسمي ومكتبة كل شيء في حيفا (2015).


شريف واكد:


    ولد عام 1964 في مدينة الناصرة لعائلة هُجّرت من قرية المجيدل (جنوب غربي الناصرة)، يقيم ويعمل بين حيفا والناصرة. درس الفلسفة والفنون الجميلة في جامعة حيفا (1983 - 1986). تُعرض أعماله على نطاق واسع في المتاحف ودور العرض المحلية والعالمية: في اليايان والولايات المتحدة وأستراليا وغيطاليا وفرنسا وبريطانيا، والبحرين والجزائر.


صورة (43) شريف واكد، من مجموعة ميلانكوليا ـ "عبثا تحاول يا أبي"، طباعة رقمية على قماش، 7/ 21.5، 1998.


صورة (44) شريف واكد، من مجموعة ميلانكوليا ـ "بيروت تفاحة"، طباعة رقمية على قماش، 7/ 21.5، 1998.