مجرمو الحرب الإسرائيليون بعد أن ذابوا في شوارع أوروبا

20/05/2016 - 2:45:52

رابين رابين

فؤاد حجازي - كاتب مصري

هل سمع أحدكم شيئا منذ عشر سنوات ونيف، عن قضية قتل وتعذيب الأسرى المصريين، في حروبنا ضد إسرائيل؟!


ولماذا نحن ردٌ لفعل الغير؟! وليت رد فعلنا يؤدي إلى شيء، إننا لا نزيد عن طبل أجوف. في 1998، اعترف ضباط إسرائيليون، بارتكاب مذابح بحق الأسرى المصريين والعمال المدنيين في سيناء في حربي 1956 و1967.


وعلا الصراخ في وسائل الإعلام المصرية، عن حق الدم، ونشرت تحقيقات عن الأسرى المصريين، ونشرنا صور رفات القتلى في المقابر الجماعية التي عثر عليها في شمال سيناء، وألفت كتب ووثقت شهادات الأسرى، وقامت منظمات حقوق الإنسان في مصر، تطالب بمعاقبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وتلقت أموالا من منظمات في الخارج، وأثرى بعض المحامين العاملين بها، وأصبحوا مليونيرات.


والتقى الرئيس السابق مبارك رابين، على هامش أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأثار معه القضية، ووعد الأخير بعمل تحقيق، وطبعا لم يتم أي شيء.. فكيف سيحقق الجاني في جرائمه؟!


   وتم امتصاص غضب الشعب، وفي الحقيقة غضب النخبة، وأصيبت القضية بسكتة قلبية، وبعد عدة سنوات، تحدث الإسرائيليون في وسائل الإعلام، بمناسبة تصوير فيلم عن قتل الأسرى. وهاجت الدنيا المصرية مرة أخرى، وأعيد السيناريو السابق، وبعد اللت والعجن المعتادين، خرج علينا السيد/ تقادم من وزارة الخارجية، وأعاد ما أعلنه عام 1998، أن هذه القضية لا تسقط بالتقادم، أي علينا بالهدوء والصبر وعدم القلق، وهي إشارة ذكية أننا لن نتخذ أي إجراء حاليا. وكذا خرجت علينا السيدة/ معلومات من الوزارة نفسها، وأعلنت أن مصر تجمع المعلومات والأدلة، وطوال نصف قرن، لم تحط السيدة معلومات ولا السيد تقادم علما بما يراه الجميع:


- مضبطة الكنيست الإسرائيلي، وقد نشرت الصفحات التي استجوبوا فيها كبار قادة الجيش الإسرائيلي، واعترافهم بما حدث، باللغة العربية.


- اعترافات مجرمي الحرب وعلى رأسهم رابين وباراك وشارون في الجرائد الإسرائيلية، وكانوا قادة كتائب وألوية في حربي 56 و67، ومسئولين مباشرة عن عملية القتل.


- رفات قتلى مصريين، عثر عليها في مقابر جماعية بشمال سيناء.


- تقرير مفتشي الصحة المصريين، عن الرفات..


- فيلم وثائقي إسرائيلي فيه اعترافات لمجرمي الحرب، بقتلهم الأسرى في الجبهة، وقتلهم العمال المصريين العاملين في سيناء بعد شحنهم في عربات نقل.


- شكاوى الأسرى المصريين عما لاقوه إلى الصليب الأحمر، من تجويع وعدم تطبيب الجرحى، وانتشار الأمراض البدنية والنفسية، والحفاء، ومنع الماء، وقتل ستة أشخاص في معسكرات الأسرى بعتليت، وذلك بالمخالفة لمعاهدة جنيف.


- أسر المدنيين، البعثة التعليمية في غزة من مدرسين ومفتشين، والبعثة الطبية من أطباء وممرضين بالمخالفة لمعاهدة جنيف وتعديلاتها، وكل ذلك ثابت لدى الصليب الأحمر الدولى، أضف إلى ذلك البشاعة التى ارتكبوها في حق الأطباء المصريين، فقد ألقوا بعضهم من فوق العمارات بقطاع غزة عام 1956.


- قام العدو الإسرائيلي بتشغيل بعض الأسرى في المجهود الحربي الإسرائيلي بسيناء عام 67، مثل تحميل العربات، ونقل مواد من المخازن، وتسوية طرق، وذلك بالمخالفة للمعاهدة وملحقاتها المذكورة آنفا.


- في حرب 1973 أسر الإسرائيليون الفلاحين المصريين العاملين في منطقة الجناين بخط القناة، وروعوا الأهالي، وطردوهم من دورهم.


- استجواب الأسرى العائدين بمعرفة القضاء العسكري المصري.


- الكتب التي وثقت شهادات للمصريين والإسرائيليين.


- ملف كامل عن القضية محفوظ في مجلس الشعب وملف آخر في الجامعة العربية، والأول أُعد في عهد الرئيس مبارك.


    ولقد أثيرت هذه القضية أول مرة في الجامعة العربية، حيث تعرض للقتل والتعذيب أسرى من فلسطين وسوريا والأردن ومصر، وأمر الرئيس عبد الناصر بحفظه، لأنه لا يريد أن يذكر أحدا بالهزيمة.


    ويبدو أن السيد تقادم لا يدري أن الزمن سيبطل حجته، فكثير من مجرمي الحرب الإسرائيليين ذاب في شوارع أوروبا، ويصعب العثور على أحدهم، وآخرون وعلى رأسهم مجرما الحرب رابين وشارون ذهبا إلى الجحيم، وباراك في طريقه إليهما.


    باراك الذي – من حسن خلقنا - استقبلناه رسميا في مطار القاهرة، كرئيس لحكومة العدو، بينما كانت هناك مذكرة باعتقاله وبعض الضباط الإسرائيليين، إذا وطئت أقدامهم أرض مطار لندن. وأصدرت الخارجية الإسرائيلية تحذيرها لهما بعدم السفر إلى بريطانيا.


    ولم يقل لنا السيد تقادم كيف سنعاقب مجرمي الحرب الموتى، وكيف ستقرر لنا تعويضات عن قتل أولادنا وتعذيبهم، والشهود الأحياء من الجانبين، يواريهم التراب عاما بعد عام.


    وهل ينتبه السادة النواب الجدد (في البرلمان المصري) إلى هذا الملف، الذي لم نر أحدا منهم – ولو على سبيل الدعاية - يشير إليه، ولماذا أغفلوا جميعا ذكر قضيتنا الوطنية وقضية العرب الأولى: السرطان الإسرائيلي؟!


   وهل يسأل أحد في المجلس الجديد: لماذا لم نذهب بهذه القضية المهمة إلى مجلس الأمن، لاستصدار قرار بإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية؟


    أعلم أن حق الاعتراض "الفيتو" الأمريكي سيحول دون ذلك. وعندها نعرض القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد يحول تكتل أوروبا وأمريكا دون اتخاذ قرار في صالحنا. حسنا. نثير الأمر في العام التالي، والذي يليه، وهكذا، لنكشف الوجه العنصري والمنافق لأمريكا وإسرائيل وغرب أوروبا خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الذين يتشدقون ليل نهار بالحديث عن حقوق الإنسان.


   وأين حضرة الجامعة العربية، وفيها إدارة إعلام، ومطبعة حديثة، ورجالها يقبضون الشيء الفلاني، أقصد القائمين بالعمل في الجامعة، ولا يعملون شيئا يذكر، لماذا لا يطبعون وقائع هذه القضية باللغات الحية، في كتب ونشرات، ويوزعونها في كل مناسبة ومؤتمر دولي، ولماذا عف لسان الأمناء العامون السابقون واللاحقون، عن ذكر القضية، وهم يسافرون شرقا وغربا.


    وهل نحن أغنياء، لنهمل حقنا في التعويض عن القتل والتعذيب، لنعمر قرانا التي أنجبت هؤلاء الأسرى؟ في حرب 67 وحدها كان لنا خمسة آلاف وخمسمئة أسير عسكري ومدني، فهل يخبرنا السيد/ تقادم كم نستحق عن كل أسير قياسا على ما دفعته ليبيا، لضحايا طائرة لوكيربي، بل قياسا على ما دفعته ألمانيا هتلر عن قتل وتعذيب اليهود، لإسرائيل ولم تكن قد قامت بعد.


    والأهم من ذلك.. أين كرامتنا.. وأين نخوتنا.. لنحافظ على شرفنا القومي والإنساني.