« أبوللو على شاطئ غزة » .. استعادة الروح والتخلص من الأساطير

20/05/2016 - 2:44:40

تحسين يقين - كاتب من القدس

    بالرغم من صغر النص إلا أن القارئ يراه طويلا وشائقا، إذ أوصلتنا الكاتبة إلى منتهى الفكرة والأحداث، من خلال حل عقدة الأحداث العادية في النص القصصي، وحل العقدة الإنسانية. وهذا هو سحر النص.


 لم تكن الكاتبة هدى الشوا وهي تقود الأحداث في روايتها "أبوللو على شاطئ غزة" وصولا إلى ما يسمى بالذروة، باستخدام الحبكة البوليسية، إلا مفكرة ومتأملة في ما آل إليه المكان، هنا، المحاصر ليس عسكريا فحسب بل فكريا، من خلال عنصرية تنفي الآخر عن مكانه الأصلي أو تحتجزه فيه، لعلنا هنا نفسّر الإهداء "إلى الذين يبحرون في بضعة أميال، ويصبرون".


    التقطت هدى الشوا حادثة العثور على تمثال نادر في قاع بحر غزة، تمثال برونزي زنته 500 كيلوجرام لإله الشعر الإغريقي "أبوللو"، عثر عليه صياد غزيّ، وحمله في عربة يجرها حمار، عائدا إلى بيته غير مدرك لقيمته، ثم بنت باقتدار قصتها لتوصيل مضمون إنسانيّ عبرت عنه في نهاية النص من خلال بوح / خطاب / اقتراح المدونة إسراء أبو حصيرة ابنة الصياد الذي فرح بالتمثال، كأعطية البحر:


 "إلى أن يكون لنا في غزة متحف يحتضنك أنت وكل الآلهة التي عبرت من هنا، ستكون في عهدتنا"، بما يحمل من دلالة العودة إلى الروح الشعبية الحافظة للحضارة في ظل التعرض للاستلاب، وعدم تحقق الاستقلال الوطني الذي يضمن سيادة الشعب على ممتلكاته الثقافية.


    مضمون إنساني وحضاري يرتقي بالمنظور الوطني والقومي أيضا، يعيد الاعتبار للإنسان صانع الحضارة، ومبدعها، والذي يقدرها حتى ولو كانت وافدة إلى بلادها. "اسمي أبوللو من جبال الأولمب" هكذا يعرّف أبوللو نفسه كتمثال، إله إغريقي، كدلالة "هيمنة العولمة الإغريقية في القرن الثالث قبل الميلاد"، فليست العولمة الحالية هي أول عولمة، حيث تترك الكاتبة هنا الحرية للقراء للتأمل والحكم على حياتنا المعاصرة فلسطينيا وعالميا.


   ويتمثل الفكر الحضاري في تقدير الصياد أبو حصيرة لتمثال أبوللو، وسعادته بهذا الكنز الذي وهبه البحر له. تعرض الأحداث لمستويات النظرة للتمثال، من كنز حضاري كما لدى أبو حصيرة وابنته، وبين كونه كنزا (ماليا) لدى الابن عايف، المحتجز والمحاصر في غزة عاطلا عن العمل ومحروما من التنقل في بلاده والسفر إلى الخارج، فيجد للوهلة الأولى نفسه أمام خلاص فرديّ، يزهد من خلاله بالقيمة الحضارية لأبوللو. تباين ردود الفعل تجاه الكنز-التمثال مثل الخط الدرامي الصاعد والمتسارع وصولا لحل العقدة، والتي تكون باتجاه الخلاص الجمعي، والذي يصعب أن يتحقق إلا بتحرر الفكر المنغلق من ناحية ومن الغيبيات والأساطير من ناحية أخرى.


    كيف استدعى المضمون شكله في "أبوللو على شاطئ غزة"؟


    أسلوب إبداعي في التعامل مع الأحداث والزمن، عبر حوارات ومونولوجات (حوارات داخلية)؛ تبادلا ما بين الماضي البعيد والقريب والحاضر بما يثير التشوق ويقود تيارا واعيا وتفكيرا لدى القراء..


    تبدأ بالزمن القديم بتعريف أبوللو على نفسه، ثم بعثور الصياد عليه، ثم بالعودة إلى غزة اليونانية المزدهرة بمعبدها الذي يطاح به وبتماثيله، بسبب تحولات الدين الجديد، حيث يهدم "المعبد الوثني مارنا" ويتم بناء كنيسة على أنقاضه. فقد زهد الحكام بالتماثيل، أما أبوللو فقد نجا مصادفة من التحطيم فهوى في البحر 2000 عام.


    ثم يتحول السرد الى الزمن الحاضر، بداية الألفية الثالثة، حصار البر والبحر، وهنا يأتي على وجود أبي العزم، صياد آخر على شاطئ بحر غزة، صديق "أبو حصيرة"، ولعله الشاهد والمشارك لهذا كله. وهو يشبه كشخص في القصة، المخاطب في الشعر العمودي الذي يستحضره الشاعر العربي لمشاركته البكاء على الطلل. ليتحول السرد إلى الوراء، لكن ليس عميقا في التاريخ، بل إلى التاريخ الحديث لهذه الأرض قبل الاستلاب عام 1948 في البرّ والبحر، حيث يستعيدان معا ذكريات الإبحار الحرّ إلى يافا وحيفا وعكا وصور وتركيا وبورسعيد ودمياط، وما واكب ذلك من انفتاح اجتماعي وثقافي حيث يسرد شيئا عن تفاعلهما مع أهالي البلدان التي يصلون بحرها "نغني الحداوي ونبكّي النساء".


    قدرنا عمر الصياد أبي حصيرة أنه في الثمانينيات، لأن حادثة العثور على التمثال كانت عام 2013، وحتى يكون للصياد ذكريات واعية عن السفر عبر البحر قبل عام 1948، لا بد أن يكون فتى أو شابا في مقتبل العمر. لذلك فهو في لحظة تجلّ يبحر محاولا الانعتاق من أسر البحر، ولكن تكون له الطوافة الإسرائيلية بالمرصاد، حيث يكاد يفقد نفسه.


    ويتكرر اللعب بالزمن، بالعودة للتاريخ القديم، عودة إبداعية وحضارية، تربط زمن فلسطين الحرّ (نسبيا قبل عام 1948) بزمن الإسكندر الذي بهر بجمال غزة، التي صارت مركزا ثقافيا يونانيا يرتاد طلبة العلم حتى من اليونان مدارسها الفلسفية. لعله انفتاح البحر المتوسط تاريخيا قبل الاستلاب والحصار واحتكار الانفتاح على شعب دون الشعب صاحب المكان الأصلي، فتظهر حضارة غزة حاضرة في "تل العجول ومعبد مارنا إله الخصب والحب بجانب تماثيل افروديت وهيليوبولس وكورا وتايكي وهيكاتي وهرقل سبعة أعمدة تشير إلى الشرق.. وإله المرح أورفيوس". ولعلنا هنا نستطيع تفسير مرح الغزيين الذين احتضنوا يوما أروفيوس هذا الضاحك.


    يتحول السرد إلى وصف رد الفعل الشعوري والفكري لدى إسراء أبو حصيرة ابنة الصياد، تجاه التمثال، فهي المنتمية لعصر تكنولوجيا المعلومات، تكشف سرّ أبوللو من خلال شبكة المعلومات-الإنترنت، وصولا لتعرفها على مثالية الفن اليوناني، تقرأ وتعرف عن "سوفوكليس فلسطين فلستيا حكايات من مروا على هذه الأرض".


    وبالرغم من حاجتها للتحرر من الفقر والحاجة مثل أخيها عايف، وطموحاتها للاشتراك بمسابقة فلسطين الغنائية، ومعاناتها كسائر الغزيين والغزيات من انقطاع الكهرباء الذي ينقطع الاتصال مع العالم مع انقطاعه، إلا أنها تجد نفسها محلقة في سماء تاريخ المكان وعاشقة له، ومن يحب مكانه يحب تاريخه "لازم ندرس التاريخ يا عايف"، وتأتي كاميرا الوصف على صورة الأسرة التي يحضر فيها الثوب الفلسطيني الجميل قبل عام 1948، التي التقطها مصور أرمني. هنا يمكن التأمل بأحلام "إسراء" بالغناء، وأحلام "عايف" بالتنقل، كدلالة على الشعور الإنساني الطبيعي لدى الشعب تحت الاحتلال، شعور محبة الحياة كما قال محمود درويش الذي تكرر ذكره "ما استطعنا إليها سبيلا".


    يحول السرد إلى الأسلوب البوليسي، من خلال محاولة تهريب  التمثال من خلال النفق إلى مصر، ومن خلال حاجز الاحتلال في "إيرز" إلى الضفة الغربية وباقي فلسطين التاريخية بحثا عن مشتر سخيّ تحلّ أمواله مشاكل الأسرة المالية، حيث يكتشف عايف نفسه أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، فيعود بأبوللو ليفرح به أبوه كما فرح حين اصطاده من البحر الكبير، الذي جعله الاحتلال صغيرا وضيقا.


    ولعل تأمل عايف للتمثال برجل واحدة وما آل مصيره، في زمن الانغلاق الفكري، يحاكي ويستحضر الحرب الدينية قبل 2000 عام، حينما تم تدمير المعابد بتأثير التحولات الفكرية في ذلك الوقت، والتي رأت العالم من خلال رؤية أحادية تنفي رؤية الآخر، بل تدمر آثاره وممتلكاته الثقافية.


    إذا كان حدث تحطيم نصب الجندي المجهول في غزة هو دلالة الانغلاق، فإن استعراض خيالات وأساطير البحر الغيبية هي ضرب آخر معيق ومرعب للبحارة والصيادين من دخول البحر (فيزيقيا)، بما فيه من دلالة دخول الحياة والانتماء للعصر (معنويا).


    من خلال رحلة "أبو حصيرة" البعيدة خارج نطاق المسموح به بالصيد لصيادي غزة، يدخل الصياد هواجس الليل باستعراض أساطير مثل: "إله البحر والملاحة داجون نصفه الأعلى رجل والأدنى سمكة.. تنين البحر المجنح ينفث دخانا من فمه.. الدولفين الذي يتبارك به الصيادون لأنه ينقذ الغريق.. امراة بشعر طويل وبطن كالبورسلين امراة فقمة.." لكنه مع يقظته على انقضاض طوافة الاحتلال عليه، يتيقظ لديه الوعي الذي يحرره من الغيبيات، حيث أنه طوال صيده مع أبي العزم في بحار سواحل لبنان ومصر وسوريا، "لم يصادف الإله داجون، ولا تنين البحر ولا الفقمة ذات الشعر الطويل، وقد رأى أن الدولفين كان دائما يقفز بعيدا عنهم يشق الماء، يتقلب مشاكسا بين الأمواج ثم يختفي". هذا الوعي الحر سيكون بداية الانعتاق، من خلال العامل الذاتي-النفسي-الاجتماعي- الثقافي والوطني، الذي من خلاله تستعيد الروح الشعبية روحها الحرة صاحبة الإرادة بأن تكون، من خلال وعي العصر وأدواته، بل من خلال ما تمثله إسراء من مساواة وتحرر اجتماعي لازم لأي تحرر وطني وسياسي.


    إطلاق كوني من إسراء، من خلال مدونتها، لتعتق أبوللو بل شعبها المحاصر خارج الأنفاق والجدران، من خلال الفضاء الافتراضي. ماذا نفعل بأبوللو؟ هو سؤال ماذا نفعل بالحضارة؟


    وهنا تتهيأ الفرصة لتحسم إسراء موضوع الحضارة: "إلى أن يكون لنا في غزة متحف يحتضنك أنت وكل الآلهة التي عبرت من هنا ستكون في عهدتنا، وأنا يا أبوللو، أنا إسراء ابنة الريس أبي حصيرة من غزة المحاصرة سأكتب قصتك يا ملك الشمس أعدك بأنني سأكتب قصتك وسأسميها: أبوللو على شاطئ البحر". لعلها حارسة نارنا المقدسة كما وصفها محمود درويش في إعلان الاستقلال، لعلها الكاتبة، لعلها الروح الحضارية. لعل دلالة أبوللو الذي "عشعشت عليه الطحالب"، دعوة لنا كي نتحرر من طحالبنا الفكرية، هي رمزية البعث الجديد لغزة، ولفلسطين.


    تعاملت الكاتبة مع الأحداث والزمن دخولا في الزمن الحاضر وخروجا منه، وهي لا تخرج إلا لتعود للحاضر لتعمق النظرة تجاهه. وخلال التنقل الزمني الحيوي استخدمت أساليب حيوية. لقد حمل السرد روافع معنوية وتأريخية وتشويقية بوليسية، إلى جانب الحوار بين الشخصيات من جهة، وحوار ذهني بين إسراء وأبوللو والمونولوج كمونولوج فرح أبوللو باحتفاء الصياد الغزيّ، بل نشعر بأنسنة للتمثال أيضا وهو يسمع حوار أبو حصيرة وابنه عايف، ونداءه لإسراء.


    بعد الانتهاء من الحكاية، يصير لما اقتبسته من قصيدة "سنختار سوفوكليس" لمحمود درويش معنى عميق:


"لا بد من شاعر


يفتش عن طائر في الزحام ليخدش وجه الرخام


ويفتح فوق السفوح ممرات آلهة عبرت من هنا..


سلاما على أرض كنعان


أرض الغزالة،


والأرجوان.."


أما الرسوم فهي بريشة الفنان إياد صباح. رسم بسيط، اسكتشات أبيض وأسود، رسم عميق عبر عن أزمنة غزة، رسم  قديم وجديد معاصر يلائم جميع الأعمار، كاف لمنح فضاءات بصرية، فراغات مريحة للقارئ. ولعل المضمون القويّ اكتفى بهذا الأسلوب البسيط والجميل بعيدا عن إبهار بصري لا داعي له. ورغم صدور الكتاب عن مؤسسة تامر المتخصصة في أدب الطفل، إلا أننا نزعم أنه ملائم لجميع الأعمار، ولكل عمر هنا أن يستمتع ويفكر، وللأطفال والفتيان أن يحملوا بذور هذا الوعي الحضاري في اللاوعي والاستسلام للأساطير والغيبيات.