« رجال في الشمس » .. لا تنتظروا معجزات من السماء

20/05/2016 - 2:43:33

محمود عبدالوهاب - كاتب مصري

    البصرة هي آخر المدن العراقية الحدودية على شط العرب، يأتي إليها رجال من مدن عربية بعيدة، من غزة ويافا والرملة ورام الله في فلسطين، يتسللون منها عبر الصحراء إلى الكويت، يبحثون عن عمل هناك. ولأنهم بلا أوراق رسمية أو عقود عمل يحاذرون الاقتراب من حرس الحدود.


    وفي المدينة مكاتب لتهريب الرجال إلى الكويت نظير مبالغ محددة، وما إن يكتملوا عشرة حتى يرسلوا معهم دليلا، وكثيرا ما يتركهم الدليل في نصف المسافة في صحراء بلا ظل وتحت قيظ أغسطس، وكثيرا ما يخدعهم ويشير في الليل إلى أضواء الكويت البعيدة، فإذا بلغوها وجدوها قرية عراقية، يتركهم يلهثون من الجوع والعطش والشمس، ويأخذون من البدو بعض الماء نظير كل ما يملكون من نقود، وفي تلك الصحراء يتوحش الجرذان التي تتغذى على الجرذان الصغيرة، ويموت المتهربون وتنهشهم الطيور والحيوانات ويتحولون إلى هياكل عظمية عارية.


    يأتي فلسطينيون إلى البصرة بحثا عن عمل يكفل لهم مالا لتعليم الولد وزواج البنت والخروج من البيت الطيني في المخيم والإقامة تحت سقف من الأسمنت. ويأملون التخلص من خبز وكالة الغوث الذي يحصلون عليه بلا كرامة.


    في رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس" أربعة من فلسطين. أبو الخيرزان سائق سيارة ذات خزان كبير من الحديد لنقل الماء، تخلف في البصرة (لإصلاح السيارة) عن الثري الكويتي الذي يعمل عنده، وعندما هم بالعودة إلى الكويت فكر أن سيارته لا تخضع للتفتيش على الحدود، لماذا لا يرتزق من تهريب عدد من الرجال إليها؟


    كان أبو الخيرزان سائقا محترفا عمل في الجيش البريطاني قبل 1948، وبعدها عمل مع المجاهدين وانفجرت بين ساقيه قنبلة أضاعت رجولته.


    اتفق أبو الخيرزان مع أبو قيس وأسعد ومروان على أن يعتلي اثنان سطح الخزان ويجلس أحدهم بجانبه، حتى إذا اقتربوا من نقطة الحدود هبطوا إلى داخل الخزان لمدة دقائق ينهي خلالها التوقيعات المطلوبة على الأوراق تمثيلية يقومون بها مرتين.


    أبو قيس رجل متزوج وأب لأولاد ظل عشر سنوات ينتظر أن يعود إلى قريته وبيته وشجرات زيتونه. لكن أقاربه حرضوه على السفر بدلا من ذلك البقاء بلا معنى في قرية قريبة من قريته الأولى التي داهمها اليهود.


   وأسعد شاب كان يقود المظاهرات في الأردن قبضوا عليه وسجنوه وسجلوا اسمه في كل نقاط الحدود باعتباره متآمرا على أمن الدولة، تسلل من الأردن إلى العراق وحاول دخول الكويت في سيارة نقل الماء، وقد منحه عمه نقودا للسفر طمعا في أن يعود ويتزوج ابنته بلا رغبة منه في الزواج.


    سافر معهم مروان (16 عاما) ترك المدرسة بعد أن طلق أبوه أمه وتزوج من فتاة مبتورة الساق، انقطع أخوه عن إرسال المعونة الشهرية التي ظل يرسلها سنوات من الكويت وكتب له: آن الأوان أن تترك تلك المدرسة التي لا تعلم شيئا وتغوص مثلنا في المقلاة. سافر مروان لعله يستطيع أن يعول أمه وإخوته بدلا من الأب الذي تخلى عن واجبه والأخ الذي تزوج وقاطع أسرته.


    اقتربت السيارة من نقطة الحدود وهبطوا إلى الخزان الساخن كأنه فرن وانتظروا دقائق في الجحيم حتى عاد إليهم أبو الخيرزان مرة أخرى، وانتشلهم من الخزان وقد أوشكوا على الاختناق.


    في نقطه الحدود الثانية هبطوا مرة أخرى إلى الخزان لكن السائق لم يعد بعد الدقائق الموعودة، ظن موظفو الوحدة أن أبا الخيرزان يلهو في البصرة مع راقصة تنفق عليه وألحوا في أن يحكي لهم مغامراته، عبثا حاول إقناعهم بكذب الشائعة لكن دقائق غالية كانت قد أهدرت، لفظ خلالها الرجال الثلاثة أنفاسهم، عندما عاد إليهم أيقن أنهم موتى، أخرجهم وألقاهم على ركام من القمامة، ولم ينس أن يخرج ما في جيوبهم من نقود ويدسها في جيبه، لكن خاطرا مزعجا ظل يدوي في رأسه وفي قلبه وعلى لسانه، لماذا حين تأخرت عليهم لم يقرعوا جدران الخزان؟


* * *


    والسؤال الآن: هل سرب الكاتب إلى الرواية بعض الأسئلة:


هل بدأ الطريق إلى جحيم الخزان من الجهل واحتقار العلم؟


هل بدأ من الاهتمام بالأولاد وإهمال البنات؟


هل بدأ من التسليم بأن النقود تأتي أولا قبل الأخلاق؟


هل بدأ من اعتبار المعارضة - أي معارضة – مؤامرة لقلب نظام الحكم؟


* * *


   لم يكتب غسان كنفاني روايته على نسق الروايات الأدبية، فهو لا يخاطب القارئ الباحث عن جماليات الصياغة وضبط الإيقاع واكتمال الحبكة الدرامية.. إلخ. هو يكتب للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية:


    الشعب الذي اقتحم اليهود بلده وطردوه منها، ولاحقوه بالرصاص والهراوات والسجون، والشعوب التي تعاني الفقر والظلم وقهر الحكم الفردي. يكتب لهم جميعا ويسألهم: لماذا يتعذبون ويموتون في صمت مجاني؟ إن قرع الخزان بكل ما يحدثه من دوي وضجيج هو رمز احتجاج الشعوب وإعلان غضبها واندلاع ثورتها.


    هل تتركون العبث يلاحقكم في الحياة وفي الموت؟ هل تحرصون على حياة حافلة الرجولة المفقودة والسيقان المبتورة والخبز الملوث بالذل وألوان العذاب في الصحراء وفي الخزان والموت في النهاية على أكوام القمامة؟


* * *


    "رجال في الشمس" رواية تحريضية تفضح السلبية والصمت الخانع وقبول الذل وانتظار المعجزات من السماء، وتدعو بشكل مباشر إلى المقاومة بالعلم والوعي الشعبي والجهاد الوطني.