الشعر الفلسطينى بين الفن والخطابة

20/05/2016 - 2:42:08

طلعت رضوان - كاتب مصري

    أحسنتْ مجلة "الهلال" (عدد أكتوبر 2015) عندما خصـّـصتْ ملفــا عن (الشعر فى فلسطين المُـحتلة) وأعتقد أنّ هذا الملف كاشف عن الفرق بين الشعر الخطابى (آفة الشعر العربى) والشعر النابض بلغة الفن، وعن النوع الأول - كمثال - قصيدة إيمان مصاروة (سقوط المنافى) التى تقول فيها "يا لوعة العربى منفيا.. والفرات يناجى الأقصى.. ويا دمشق: أما لحزنك من غياب.. لا لن تموت عروبتى". وكنتُ أتوقع أنْ تكون الأبيات التالية تتضمن (قبلة الحياة) حتى لا تموت العروبة، ولكنها رأتْ شيئـا مُـفارقــا فكتبتْ "سنعود للصحراء بكتبنا"، فهل العودة للصحراء فيها (قبلة الحياة) أم التمهيد للموت؟


    والشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش، بعد أنْ تخلــّــص من (شعر الخطابة) ارتقى أعلى ذرى (الشعر الفنى) برحابته الإنسانية وأفقه الوجدانى، فكتب على سبيل المثال في "كزهر اللبوز":


كنتُ أحسبُ أنّ المكان يُعرف


بالأمهات ورائحة المريمية


لا أحد قال لى إنّ هذا المكان يُسمى بلادا


وإنّ وراء البلاد حدودا


وإنّ وراء الحدود مكانا يُسمى شتاتا ومنفى


لذا، لم أكن بعد فى حاجة للهوية


والهوية؟ قلتُ: فقال دفاع عن الذات


إنّ الهوية بنت الولادة، لكنها فى النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماضٍ


أنا المُــتعدّد/ فى داخلى خارجى المُـتجدّد


يُحب بلادا ويرحل عنها


يُحب الرحيل إلى أى شىء


ففى السفر الحر بين الثقافات


قد يجد الباحثون عن الجوهر البشرى مقاعد كافية للجميع.


    وأعتقد أنّ الشاعرة نداء خورى ـ فى ملف الهلال ـ تتميز بذلك البُـعد الإنسانى (أنا المُـتعدّد، المُـتجدّد) الذى عبّر عنه درويش. وفى قصيدتها (باب الشروق) عبّرتْ عن رفضها للثوابت (الثقافية) ومنذ الأبيات الأولى تدخل فى جدل (بلغة الشعر) مع كل ما هو مزيّـف فتعترف بأنها "ابنة الشرق.. وليدة البؤس حفيدة الخلفاء" وأنّ أمها ماتت مقتولة "قتلتها الأمة حين وُلدتْ من النساء" وقتل النساء ليس بالمعنى المادى فقط وإنما بالتدنى (الحضارى) حيث القتل "فى ليل الحوارى والجوارى.. فى عتمة التعرى.. فى بلاط الأسياد.. فى ليل السلاطين"، والقتلة "من الأجداد والأسياد والاستعباد" ولذلك فهى لا ترى أنها تعيش فى (وطن) وإنما فى (قبيلة) وتراث القبيلة تلضمه بتعبير (الشرق) الذى ناء "من التمر وأحمال البوادى ومن الصحارى/ من بدء حمد الرب إلى جلالة رب الحمد/ ومن صلاة الصبح إلى مغرب الأصالة".


    فى هذا المقطع إسقاط رمزى على حالة (التواكل) والاعتماد على الصلاة وتوجيه الحمد للرب دون عمل، وهذا سر شقاء (الشرق) الذى ناء "من التمر ومن الصحارى" وأنّ مصير (الشرق) معلق على "رحمة السلطان".


    وآفة (الشرق) اختصاره فى المرأة فكتبتْ "الشرق امرأة علتها الليل/ ضرتها الشمس/ حرقتها تقتل/ وباب الشرق يُغنى/ يا فؤادى/ لا تسل أين الهوى/ كان صرحا من خيال فهوى" أى أنّ (الشرق) سجن المرأة فى (الليل) وجعل من الشمس عدوة لها، أى أنها لا تخرج (من خدرها الليلى) وبالتالى فإنّ كل وظيفتها إمتاع الرجل. وإذا كان باب الشرق يُغنى "يا فؤادى لا تسل أين الهوى" فإنه (أيضا) يُغنى "الغضب الساطع آتٍ وأنا كلى إيمان". فى هذا المقطع تمتلك الشاعرة جرأة البوح بما ترفض الثقافة العربية السائدة الإفصاح عنه، وهو أنّ النضال ضد الصهيونية وضد إسرائيل صار (نضال الشعر والأغانى) والخطورة عندما تكتمل عناصر الجودة الفنية من كلمات وأداء، بل إنّ الموسيقى تقوم بدور غاية فى الأهمية، خاصة عندما يكون اللحن على درجة عالية من القوة والإبداع الفنى، فيُــحدث التأثيرالنفسى لدى المُستمع كما هو فى القصيدة الشهيرة التى غنتها فيروز، فتكون النتيجة (حالة استرخاء) ورضا عن النفس، وأنه تمّ تحرير القدس بالأغانى.


   وأعلم أنّ هذا التفسير قد لا يُـعجب أغلب المثقفين، وأنّ الغضب (الساطع) المُـفترض أنْ يوجـّـه لإسرائيل، قد يوجـّـه لشخصى وللشاعرة نداء خورى، وأنا سأتقبل غضبهم بصدر رحب، بل إننى أعترف بأنّ كلمات الأغنية واللحن الفنى وصوت فيروز القوى، كل تلك العناصر الفنية الرائعة تجعلنى - فى كل مرة أستمع فيها لتلك الأغنية – أشعر بحالة من النشوى والشجن، وإذا بخيالى يحلق فى مملكة سماواتى، فأرى القدس وأرى المسجد الأقصى وقد تحرّر من قبضة إسرائيل، ولكن عندما أهبط إلى أرض الواقع أقول لنفسى يا ليت (إرادة الفعل) تتواكب مع حسن الظن بتأثير (الأغانى) وأعتقد أنّ هذا ما قصدتْ الشاعرة وأفصحتْ عنه بقولها "على باب الشرق انحفر صراخ/ مشلوخ من ركوع البشر" وكتبتْ "خلقت أجيال فى الحرب، عُـلقتْ/ والحرب لغات/ ناس تكتب، ناس تقرا (مكتوبة هكذا بدون همزة والشاعرة متعمدة هذا) وناس تعيد الحكى على النيات/ شى عَـبَـرْ، شى هجر، شى باقى/ يبحث عن أثر/ خلص الكلام والمعنى انكسر / باب الشرق مجنون".


    والشاعرة فى جدلها مع الواقع الملطخ بمساحيق التجميل، تتمنى واقعـا أفضل يسوده الصدق، فكتبتْ "باب الشرق كذاب/ كل يوم تطلع شمس/ يبلعها غياب/ ما تصدق وعدك/ وعدك عتيق/ وبلادك عباءة/ صلاة شلحْها الزمن". هكذا بكل صراحة: البلاد مجرد (عباءة) والصلاة شلـحْها (عراها) الزمن، لأنه زمن النفاق العربى. وباب (الشرق كذاب) والكارثة أنه مثل (القدر) الذى لا فكاك منه فهو مكتوب "على جبين الناس" وهذا الشرق العربى لايزال الناس فيه على إيمان بالحاكم الفرد المخلص وهو ما عبّرتْ عنه الشاعرة فكتبتْ "افتح بابك يا سلطان/ افتح بابك واحمينا، صغار وتعبتْ أيدينا"، ليس هذا فقط وإنما جماهير (هذا الشرق) لايزالون على (إيمان) بتراثه الأسطورى/ الخرافى عن (الغول) القاتل، والمطلوب من السلطان (حماية شعبه) حيث (نحن صغار وتعبتْ أيدينا) من الدق (على باب السلطان) وفى هذا البيت من القصيدة توحى الشاعرة (بلغة الفن) بآفة أخرى سائدة فى هذا الشرق العربى وهى (تحفظ القضية) لأنّ (الفاعل مجهول) أما الإيمان بالسلطان الحاكم الفرد مُـطلق الصلاحيات فهو أخطر الآفات، التى تعوق مسيرة التقدم والحرية، حيث ثبات مقولة "بالروح بالدم نفديك يا فلان"، وهى مقولة سخر منها وانتقدها الفيلسوف الألمانى هيجل الذى كتب "ملعون الشعب الذى يعبد البطل، حتى ولو كان بطلا بالفعل".


    لفت نظرى أنّ الشاعرة نداء خورى (المولودة فى قرية فسوطة بالجليل) استخدمتْ بعض مفردات البنية اللغوية المصرية مثل "نقول مش معقول بالشرق/ قتل الشرف مش معقول" واستخدمتْ حرف (الباء) فى البنية اللغوية المصرية فكتبت "باب الشرق كلمة بتخلف كلام" وهذا الحرف يستخدمه شعبنا المصرى بكثرة للتعبير عن حالة الاستمرار مثل: الواد بياكل.. بيذاكر.. الراجل بيستعبط.. إلخ كما كتبتْ "ناس تكتب.. ناس تقرا" فحذفت الهمزة من كلمة (تقرأ) العربية وكتبتها كما ينطقها شعبنا المصرى، والدليل على أنها كتبتْ بـ (المصرى) عندما قالت "خُلص الكلام" لأنّ ترجمتها إلى العربى "انتهى الكلام" أو لم يعد هناك كلام يمكن إضافته.. إلخ. وكتبتْ (الشرق كذاب) وكلمة (كذاب) بنية لغوية مصرية لأنها بالعربى (كاذب) وأعتقد أنّ الشاعرة نداء خورى فى جدلها مع الواقع الذى ترفضه ومع التراث الذى تنتقده، إنما تسعى لواقع جديد تسود فيه قيم التعددية والتخلص من حالة (الانغلاق) الثقافى المؤدى إلى (الجمود) وذلك بالانفتاح على كل ثقافات العالم كما كتب محمود درويش:


"ففى السفر الحر بين الثقافات قد يجد الباحثون عن الجوهر البشرى مقاعد كافية للجميع" أما الهوية فهى "بنت الولادة، لكنها فى النهاية، إبداع صاحبها، لا وراثة ماضٍ".