بعد روايته الجديدة « خمس زوايا » : ماريو فارجاس يوسا أديب نوبل في عيد ميلاده الثمانين لا يشعر بالثقة و « الأمن الإبداعي »

20/05/2016 - 2:39:52

يوسا وغلاف روايته الجديدة يوسا وغلاف روايته الجديدة

أجرت الحوار: ايلينا كيو - ترجمـة: حسين عيد - مترجم مصري

 الشجاعة، تلك الفضيلة التي أظهرتها بعض كائنات بشرية، هي ما أودّ أن أسلط الضوء عليه، من خلال الحائز على جائزة نوبل للآداب ماريو فارجاس يوسا (مواليد بيرو، 1936). الكاتب الذي كرّس حياته لعدد من الأنشطة بروح حصيفة. بأن يعيش حياة منضبطة، كحياة وفق متطلبات الأدب، ولا يتردد عندما تتطلب الظروف منه اتخاذ إجراء ضروري. وعلى سبيل المثال، أن يقدم مثلا على الترشح لرئاسة بيرو عام 1990، في وقت اعتقد فيه أن واجبه الأخلاقي يتطلب منه أن يصبح مشاركا نشطا في الحياة العامة، باعتباره زعيما ديمقراطيا، للتنديد بحكومات استبدادية أينما وجدت، أو عندما ذهب إلى خشبة المسرح للعمل من أجل حبّه للمسرح. وباختصار، يمكن للمرء أن يذكر أشياء أخرى كثيرة.


    قابلته بينما كان يعمل في مكتبه، تحيط به عشرات الكتب. قام باستقبالي الحائز على جائزة نوبل، رافعا رأسه عند وصولي بابتسامة مرحبا بلهجة لطيفة من صوت أهالي ليما. "كيف حالك؟"


   ايلينا كيو: لماذا لا نبدأ بالحديث عن روايتك الأخيرة، "خمس زوايا".. ماذا تعني هذه الرواية لك في هذا الوقت من حياتك ومهنتك الأدبية؟


   يوسا: هذه الرواية، وعمليا كل القصص التي أسردها، جاءت بطريقة شديدة الغموض جدا بالنسبة لي. كانت لديّ فكرة، أن أحكي قصة عن الصحافة الصفراء، التي تعتبر صحافة مثيرة، وأعتقد أنها إحدى السمات المميزة لعصرنا. أعتقد أن الصحافة الصفراء تظهر في أي مكان، في العالمين المتخلف والمتقدم على حدّ سواء. وهي نوع من الصحافة التي لعبت دورا مهما في نظام "فوجيموري" الدكتاتوري، عندما استخدم النظام صحافة الإثارة لتخويف المعارضة، بأن يحاول مواجهة المعارضين بالتهديد بفضيحة لا علاقة لها بمهنتهم، بل بحياتهم الخاصة، والتي غالبا ما تكون مجرد افتراءات مصطنعة، افتراءات لتلفيق تهم تشوه سمعتهم. كان هذا المنهج يستخدم من قبل الدكتاتورية ضد كلّ خصومها.


•       يبدأ الكتاب مع وضع غير تقليدي مثير جنسيا.


يوسا: أعتقد أنّ تلك معالجة لما هو مثير جنسيا بحيث تحدد ما إذا كان مثيرا بشكل أنيق أو مبتذل، يصعب إدراكه أو سيئ. تلك هي المعالجة، الكلمات، الطريقة التي تصور المشهد بأكمله. تنطوي الإثارة الجنسية، في حدّ ذاتها، على قدر معين من الحضارة. أعتقد أنه في مجتمع بدائي أو شعبي لا يوجد شبق. الجنس هو تنفيس عن غريزة. يسود المكوّن الحيواني في ممارسة الجنس أكثر من حساسية، أكثر من مكوّن اسمي. تولد الإثارة الجنسية في وقت معين من حضارة عندما تصبح الغريزة الجنسية أقل حيوانية وأكثر ثراء مع مساهمات من الفن ومن الأدب. تنبثق جوانب من عالم المسرح في كل أنحاء فعل الحب. وتلك هي الإثارة الجنسية. عندما تتحلل هذه أو يقل الاعتماد عليها - بسبب ضعف أداء، عدم كفاءة، ونقص مهارة لمن يصف أو يصور ذلك – عندئذ تظهر الإباحية. ولكني أعتقد أن الإثارة الجنسية لها علاقة مع الحضارة، مع الحرص على الأعراف الاجتماعية، في ثقافة معينة، وهو ما يصعّد حقا غريزة جنسية خالصة.


•       إذن، يجب أن نتحدّث عن فرويد. هل تتفق مع مفهوم تسامي الرغبة الجنسية كإبداع فني؟


يوسا: نعم، دون أدنى شك. أعتقد أنه كان على حق تماما في هذا الموضوع، وأعتقد أيضا أنه كان على حق تماما في مسألة الجنس لكونه وظيفة بدائية للحياة. لكن ليس بشكل استثنائي أو حصري. عندما يسود الجنس، على سبيل المثال، في الأدب والفن بشكل عام، يتمكن الجنس بمثل هذه الطريقة من طمس البقية، عندئذ يصبح شيئا اصطناعيا جدا، وهو أمر لا يمثل حقا ما هي الحياة الحقيقية. لا أعتقد في وجهة نظري أن الجنس يعتبر ضروريا لفهم كل شيء. وقد ذهب التحليل النفسي إلى هذا المدى، وذهب فرويد إلى ذلك الحدّ، ولكن يجب علينا أن نأخذ خطوة إلى الوراء متراجعين عن عبقريته، التي لا جدال فيها.


•       هل يمكن للخيال أن يصعّد تجربة مثيرة بمثل هذه الطريقة التي تفوق التجربة الفعلية نفسها؟


   يوسا: أعتقد أن الخيال والحساسية والثقافة يمكن أن تثري التجربة المثيرة بطريقة غير عادية، لكن أن تذهب إلى حدّ يتجاوز الواقع، فلا أعتقد ذلك. الواقع هو أغنى شيء، والشيء الأكثر أهمية هناك. خيالنا يسمح لنا أن نعيش حياة اصطناعية رائعة، غنية للغاية، ولكني لا أعتقد أن أي فنان قد يجرؤ على القول بأن ذلك المصطنع أفضل من واقع الحياة.


•       هل سبق لك أن اندهشت عندما كنت تقوم بإعادة قراءة ما سبق أن كتبت، وتتساءل كيف أنتجته؟


    نعم، أندهش دائما عندما أكتب. وأودّ أن أذهب إلى أبعد من ذلك لأقول إن اللحظات الأكثر إثارة والأكثر تحفيزا عند كتابة قصة تحدث عندما تنبثق أمور مفاجئة. على سبيل المثال، في رواية "خمس زوايا"، كانت هناك شخصية، عندما أبدعتها، كانت على وشك أن تكون شخصية بسيطة نسبيا، نوعا من شخصية ثانوية. لكن، وكما كان الحال في مناسبات أخرى، بدأت هذه الشخصية في اكتساب قوة، بدأت تنمو أكثر مع تطور القصة، كما لو أنها قد قررت من تلقاء نفسها أن تحصل على وجود متزايد الأهمية. وأعتقد أن هذه هي أكثر اللحظات الأكثر روعة، عندما تأتي شخصية فجأة إلى الحياة.


•       وما العوائق التي ينبغي أن تتغلب عليها أثناء عمليتك الإبداعية؟


    ربما أكبر عائق هو انعدام الثقة. كما تعلمين، على عكس ما قد يتصور المرء، فإن حقيقة أني أقضي كثيرا من الوقت في الكتابة، أو أنني نشرت كثيرا من الكتب، لا يعطيني الثقة: بل على العكس من ذلك، يزيد من انعدام الأمن. ربما لزيادة النقد الذاتي، أو ربما لطموح أعظم. لكن انعدام الأمن الذي أشعر به عندما أبدأ قصة، أو رواية، أو مسرحية أو حتى مقال، هو أكبر بكثير مما كان عليه عندما كتبت أول أعمالي. ومع ذلك، أعلم أنه بمساعدة من مثابرة وعمل دؤوب، يمكنني هزيمة انعدام الثقة.


•       أفترض أنه بالنسبة للكاتب، تعتبر الكتابة وسيلة حياة. أنت تراقب وتحلل كلّ شيء بطريقة مختلفة. أين تعتقد تكمن هذه الاختلافات؟


    يشير سؤالك إلى تعبير مشابه لشيء كتبه فلوبير: "الكتابة هي وسيلة معيشة" وأعتقد أن ذلك دقيق تماما. على الرغم من أن الطريقة التي يتم القيام بها تختلف من كاتب إلى آخر، بطبيعة الحال، وأعتقد حقا أن هناك نوعا من تفان وإخلاص، وهو ما يعني أن الكاتب يحمل داخله أيضا نوعا من جاسوس يراقب، أثناء التجربة - مشاركا في حياة حقيقية، مع أصدقاء، عشاق، إحباطات – حيث يوجد شخص داخل الذي يراقب كل شيء يقرر الكيفية التي يمكن أن يستخدمها بأفضل شكل في عمله ككاتب.


•       في قضيتك، أي مما أثبتّه كان أكثر خصوبة لإلهامك الأدبي: المعاناة أو السعادة؟


    أعتقد أنه لأمر رائع أن تجرب السعادة. أنا لا أعتقد أنها من المواد الخام، على الأقل في زمننا. ربما في الماضي، خلال أوقات معينة، لكن في وقتنا الأدب والفن والإبداع سرعان ما تم إطلاق النار عليها بواسطة شدائد، سلبية، خوف، ألم، استياء، ومعاناة، بدلا من حماس، وإثارة، وسعادة. وأعتقد أن هذا هو السبب في أن الفن في عصرنا لديه إثارة إلى حدّ ما وميل مأساوي. إنه ليس فنا أو أدبا من رضا، من قبول بالعالم كما هو. بل على العكس من ذلك، أعتقد أن هناك روحا متمردة قوية جدا في جميع مظاهر الفن في عصرنا، وهذا هو الأساس لأنه مستوحى في الأصل مما هو سلبي أكثر بكثير مما هو إيجابي في الحياة.


•       ربما يعتبر الإبداع الفني وسيلة لتخفيف الألم، وسيلة لتوجيه العواطف السلبية.


    بالضبط، وسيلة للتعبير عن نوع من إحباط، من استياء، أو حتى من حنين إلى شيء لم يكن لديك.


•       وهل يمكن للمرء أن يشعر بالتحرر مهما تكن لغته الفنية: تصوير زيتي، كتابة؟


    الفن هو شكل من أشكال المعرفة. يساعدك الفن على التعرف على الحياة التي تعيشها، بأسلوب أعمق وأكثر كثافة بكثير، لأن هناك عادة مسافة صغيرة مع الحياة التي يعيشها المرء. لكن الفن يوفر لك هذا المنظور، ذلك الأفق، الذي يمكنك من فهم العالم كما هو، القوى المحفزة، والآليات الكامنة وراء السلوكيات. هذا وصف من واقع سرّي يوفره الفن، وأكثر بكثير من التاريخ وعلم الاجتماع وأي علوم اجتماعية أخرى.


•       ويمكن للمرء أن يشعر بهذا التحرر؟


   في النهاية تشعر أنه مثل تنفيس. كنت تخفف عن نفسك ما يبدو كأنه وزن هائل. لكنك تكتشف فقط ما هو عليه وما يشبه عندما تكون قادرا على التعبير عن ذلك، بأدب، رسم، موسيقى، أو أي مظهر من مظاهر الإبداع. يمكنك أن تشعر بسوء حقا ولا تعرف لماذا. وأعتقد أن واحدة من عجائب الفن هي أنها تمكنك من التعبير عن ما هو غير مؤكد، مربك، ومصدر قلق رهيب. ولكن كم هو رائع عندما ترى أن الفن يمنحها شكلا ويجعلها قابلة للتواصل. وفي كثير من الأحيان يكون ذلك الإحساس، وتلك المزاجية التي لا تعرف من أين جاءا. يعاني المرء من هذه الحالة المزاجية، لكنه يفتقر إلى تفسير عميق بالنسبة لهما. وأعتقد أن هذا يمكن أن يصبح واضحا فقط عندما يسمح لك الأدب أو الفن بالتراجع الى الوراء، وتقدر الحياة بكل مشاعرك، غرائزك، وحدسك. أعتقد أنه واحد من الأدوار الرئيسية للفن: بتصوير ما هو الأعمق، والأكثر سرية في داخلنا.


•       ثم نجحت، ربما، في التعرف على نفسك من خلال التعبير عن نفسك، وربما ما كنت تقول إنك لا تعرف ماهيته، بأنه يأتي من اللاوعي، بطريقة غير غريزية، وأمكنك التعرف عليه في وقت لاحق.


    أحيانا كنت مندهشا، وكنت خائفا في غيرها. عليك أن تسأل نفسك: هل كان ذلك داخلي؟ هل كان لديّ ذلك بالداخل؟ ومن أين يأتي ذلك؟


•       بالطبع "هذا يأتي من داخلي؟"


    الأعمال الفنية هي سير ذاتية سرية. وربما الأعمال الأدبية أكثر من أي أعمال أخرى، لأنها صريحة جدا، ومباشرة جدا. فهي ليست رمزية كما، الموسيقى، على سبيل المثال. وهي أيضا سيرة ذاتية، ولكن أكثر تجريدا من ذلك بكثير. الأدب ليس تجريدا على الإطلاق. هو واضح جدا، وملموس جدا. وهو أشعة إكس الداخلية للإنسان، للطبيعة البشرية، للشرط الإنساني؛ ويمكن للمرء أن يصاب بالرعب من الوحوش التي تخرج من الداخل. ولكن لها وظيفة تطهيرية، تحررك منها في نفس الوقت.


•       إنها وسيلة صحيّة للغاية للعيش بها. كشخص "لا أدري"، فأين تجد الروحانية التي يجلبها الدين للمؤمنين؟


    أعتقد أنني أجدها في الثقافة، في الفن، وفي الأدب. فهناك نوع من الروحانية تظهر فيها. هو شيء يستخرج منك البعد الروحي الذي يجده آخرون في الدين. ولكني أعتقد أن "اللاأدري" لا ينبغي أن يكون بالضرورة ماديا بالمعنى الحرفي للكلمة. يمكنك أن تعيش حياة روحية بشكل مكثف من خلال الفن، من خلال الثقافة، أو من خلال وجود الروحانية العلمانية. كل "لا أدري" لديه قلق معين عندما يواجه هذا الفكر غير المعقول من: "حسنا، هذا كل ما في الأمر، وعندما تنتهي الحياة ينتهي كل شيء". يصبح غريبا للغاية ومثيرا للدهشة... مثل فكرة الحياة بعد الموت. فمن الصعب تماما، باستخدام السبب فقط، أن نفكر في الآخرة، كي نعتقد أن هناك بعدا آخر.


•       بالتحدث عن فكرة الموت، كيف يمكن للأدب محاربة أفكار الموت؟


    الأدب إحدى القوى الخارقة التي تتيح لنا أن نعيش عدة حيوات. يأخذنا من واقعنا ويجعلنا نعيش واقعا غير عادي، حياة غنية، مغامرات من هذا العالم، يجعلنا نأخذ كثيرا من الشخصيات ونفسياتهم وعقلياتهم. إنه إثراء غير عادي للحياة. ومع ذلك، فالأدب، في الوقت نفسه، ليس ضمانا للسعادة. بل على العكس من ذلك يقدم لك، بطريقة ما، كثيرا من التعاسة لأنه يجعلك تدرك أن هناك كثيرا من الأرواح أكثر ثراء من نفسك. بحيث يمكنك أن تصبح على بينة من عدم أهميتك.


•       لديك العديد من ذكريات الطفولة. هل الطفولة تذكّر أم إعادة بناء؟


    أعتقد أن المرء يتذكر بطريقة نسبية، لأن الذاكرة معقدة وحساسة للغاية، وانتقائية جدا. تمحو الذاكرة أو تضيف أشياء كثيرة، لأن هذا يساعدك على العيش. لا أعتقد أن الذاكرة موضوعية تماما، ولكنني أعتقد فعلا أن هناك اخلاص لما أنت عليه، لأنه حتى التحولات، والتشوهات بأن الحنين أو الخيال تلحقه الذاكرة هو أيضا بصورة ما أنت عليه، ما تفتقر اليه، ما كنت تود أن يكون لديك ولم يكن لديك. هذا تمرين من الذاكرة، على الأقل بالنسبة للكاتب، أمر أساسي. قال فرويد إن السنوات التي تشكل الشخصية يمكن العثور عليها في مرحلة الطفولة، أو مرحلة المراهقة.


•       ماذا يعني الحب في حياتك؟


    الحب مثل الأدب، أمر يثري الحياة بطريقة غير عادية. الحب شيء يعيش في خصوصية. وتلك العلاقة، شديدة التكثيف - ربما أغنى علاقة بين البشر – تتطلب، في الوقت نفسه، ألفة كبيرة، وتتطلب نوعا من الثقة للحفاظ عليها، لأنه عندما يصبح الحب عاما يصبح عاديا، أليس كذلك؟ ولكن تلك هي أكثر تجربة ثرية هناك. يختلف كل شيء عندما تعيش عاطفة كبيرة: تصبح الأمور أفضل، كل شيء أكثر جمالا، تواجه الحياة بتفاؤل، وفقط هو الحب الوحيد الذي يمنحك هذا. وهذه هي التجربة الأساسية، الأكثر إثراء، وفي الوقت نفسه، مصدر معاناة كبيرة، بطبيعة الحال. تأتي المآسي من الحب، من حب تعيس. وغالبا ما تكون المثالية مصنوعة من علاقة غالبا ما تصطدم مع واقع. لكن رغم ذلك، لا أعتقد أن أحدا على استعداد للتخلي عن الحب، على الرغم من كونه على علم بأن الحب له صدمات وعواقب أيضا رهيبة في بعض الأحيان. ولكن لا أحد يتخلى عنه. بسبب أن من يعيش هذه التجربة يعيش جميع التجارب. على أكمل وجه، الأكثر كثافة، والأكثر تحديدا.


•       وما معنى الحب في سنك؟


    أعتقد أن الحب لا علاقة له مع التقدم في السن. يعتبر حب شاب وشابة أكثر مثالية، أكثر براءة. حب من بالغ، من شخص أكبر، بطبيعة الحال، هو حب يتكون من كثير من خبرات متراكمة، يعيش مع حكمة أكثر، ومع معرفة أفضل للواقع. ولكن بغض النظر عن هذه الاختلافات، أعتقد أن الغبطة والفرح، والشعور بالتفاؤل في الحياة التي يمنحك إيّاها الحب، هو نفسه تماما كما هو الحال عندما كنت في سن المراهقة.


•       دعنا نتكلم عن كتابك "حضارة النظارات." هل تعتقد أن تلك الثقافة العالية لم تعد تطمح إلى تغيير العالم؟


    ما أعتقده هو أن تلك الثقافة العالية في طريقها إلى الزوال. يعتبر هذا، على ما أعتقد، مأساة مخيفة - هى أحد الأسباب التي كتبت بسببها هذا المقال - وهي ثقافة عالية، وبالتالي، نخبوية بشكل طبيعي. شيء محفوظ للأقلية، ومن السذاجة جدا الاعتقاد بأن الثقافة العالية هي في متناول الجميع. ليس لدى أي فرد الاهتمام، الفضول، الصبر، أو الانضباط، التي تتطلبها تلك الثقافة العالية.


    من ناحية أخرى، فأن تكون الثقافة في متناول الجميع هي فكرة جيدة. من يمكن أن يكون ضد هذا؟ ومع ذلك، وفي الوقت نفسه وقد حدث بالفعل، أن صارت الثقافة ـ في أحد جوانبها من أجل أن تكون في متناول الجميع ـ تافهة، وفقيرة، وهواية لشكل من أشكال الترفيه، فإن النتيجة بشكل واضح سلبية للغاية.


    وأعتقد أن هذا هو عيب كبير في التعليم في عصرنا. تعليمنا في الوقت الحاضر لا يحافظ على ثقافة عالية، بل ينظر إليها بازدراء. يتطلب الإبداع أو التفكير أن ننظر إلى الوراء إلى الماضي، لأن الحاضر يرسم مشهدا قاحلا إلى حد ما في هذا الصدد.


•       هل تعتقد أن علم التحكم الآلي أسهم في هذا التصحر؟


    بدون أدنى شك. بدأ الجهد الفكري في التناقص تدريجيا، لأن التكنولوجيا تساعدنا على التخلي عن إجراء هذا الجهد الفكري.


•       ما الدور الذي تعتقد أنه يجب أن يلعبه المثقفون في الحياة السياسية الحالية؟


    أنتمي إلى الجيل الذي تأثر بشدة بأفكار المفكرين الوجوديين. على الرغم من أنني ابتعدت في نواح كثيرة عن سارتر وأنا أنتقد عمله للغاية، وأعتقد أن فكرته عن الكاتب أو التزام المثقف بزمنه، بواقعه، بمجتمعه، كانت صحيحة تماما. لا يمكن للمرء أن يكتب، أو يرسم، أو يؤلف مع الاستغناء الكامل عن مشاكل العالم الذي يعيش فيه. ومن الأساسيات - لا سيما، إذا كنت تؤمن بالديمقراطية - أن يشارك الجميع في البحث عن حلول للمشاكل: للحصول على إجابات عن الأسئلة الكبيرة التي طرحها المجتمع، من أجل خلق نظام يمكن للمرء أن يتعايش فيه مع كل الآخرين، مع وجود اختلافات المرء لطرق العيش، ورغباته الخاصة.


   هذا أمر أساسي، وعلاوة على ذلك، أعتقد أن الأدب الحقيقي، والفن الحقيقي، يجب أن يعالج هذا الوضع. المشكلة الرئيسية هي أنه في الوقت الحاضر، تعتبر الأفكار أقل أهمية من الصورة. وأعتقد أن التكنولوجيا الخالصة ليست كافية، وأن وجود أفكار في النقاش العام هو الهدف الأسمى لفهمنا لقضايا الإنسان. ولكن في وقتنا هذا يبدو أنه قد تم التقليل من أهميتها وحلت محلها الشاشات والصور.


•       لأنه مطلوب جهد أقل.


    يتطلب ذلك جهدا أقل بكثير. ولكنني لا أعتقد أنه ينبغي أن تكون بهذه الطريقة، ليس على الإطلاق. لا يوجد مجتمع لتوجيه القانون التاريخي في هذا الاتجاه. إنه قرارنا. أعتقد أنه على الرغم من أهمية التكنولوجيا – وهو ما لا يمكن إنكاره - فمن الضروري للأفكار مواصلة لعب دور قيادي في حياة المجتمعات، إلا إذا أردنا أن نصبح مجتمع روبوتات. سأشير مرة أخرى إلى أورويل، الذي كان ثاقب النظرة في تخيّل عالم تسيطر عليه التكنولوجيا تماما، عالم دكتاتوري. مثل جمهورية أفلاطون.


(من موقع "هوفبوست"، بتاريخ 17 مارس 2016)