جورج طرابيشي .. لماذا تخلفنا ولماذا تقدم الآخرون؟!

20/05/2016 - 2:38:18

محمود قرني - شاعر مصري

    الحسرة التي كللت السنوات الخمس الأخيرة من حياة المفكر السوري جورج طرابيشي (1939 ـ 2016" ترتبط ارتباطا وثيقا بالنتائج التي آل إليها حال سوريا على نحو خاص وحال الربيع العربي على عمومه. وعلى نحو جازم، كان هذا هو الدافع الجوهري لدى طرابيشي للتوقف عن الكتابة منذ عام 2011 سوى من مقالين اثنين كتبهما وأشار إليهما في محطات سبع نُشِرت في غير منبر. أما المقال الأول فكان حلما بأن تكون ثورات الربيع العربي خلاصا من سلطان الكهانة وأن يكون الخروج العربي رديفا للثورات التاريخية الكبرى مثل الثورة الفرنسية عام 1779 أو أن تكون على مثال ثورات أوروبا الغربية عام 1848، أو دول المعسكر الاشتراكي في أواخر القرن العشرين.


    كان طرابيشي يحلم بأن تبدد تلك الثورات صدمته في التاريخ العربي الحديث الذي دفعه للاحتشاد مرة في صفوف اليسار ومرات أخرى بصفوف القوميين العرب. وقد سبق للرجل أن رَأَسَ تحرير مجلتي "الفكر العربي" في بيروت، ثم غادرها عام 1984 إلى باريس ليترأس تحرير مجلة "الوحدة". غير أنه بعد تلك السنين يعود ليعلن خيبته وخيبة جيله إثر تبدد حلم العقل العربي وشعوبه بحداثة تليق بنقاء تلك الأفكار التي تحلَّقَت حولها الدولة القومية في ظلالها المتباينة. لذلك يعود طرابيشي ويقول، بعد مرور ما يربو على السنوات الأربع من عمر الثورات العربية، إن التطور اللاحق للأحداث يعد برهانا على تفاقم خيبة الأمل وليس العكس بعد أن أحيت تلك الثورات حالة من التوحش العقائدي والأيديولوجي، ويضيف هنا: "الربيع العربي لم يفتح من أبواب أخرى غير أبواب الجحيم والردّة إلى ما قبل الحداثة المأمولة والغرق من جديد في مستنقع القرون الوسطى الصليبية / الهلالية".


    وقد كان جورج طرابيشي بين هؤلاء الذين وجهوا لوما مرا وقاسيا للنظام السوري في مقاله الثاني الذي كتبه في مايو 2011، حيث كان يرى أن النظام السوري إذا لم يفتح الباب للمزيد من الحريات التي وعد بها أمام زخم التعدد السوري واسع الطيف سيكون مصيره إلى زوال، لذلك فقد دخل الأتون المتوقع للحرب الأهلية، ولم يكن مستغربا أن يحمل المقال عنونا دالا هو "النظام السوري من الإصلاح إلى الإلغاء".


    لكن، طرابيشي نفسه عاد واعترف بأن تفاؤله لم يكن في محله، فيما يتعلق بـ "مطالبة النظام بإلغاء نفسه تفاديا لحرب أهلية طائفية مدمرة"، حيث كانت الانتفاضة السورية في أسابيعها الأولي، لذلك عاد وتحدث عن "دور العامل الخارجي إعلاما وتمويلا وتسليحا، وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري بجميع طوائفه ثمنه دما وموتا ودمارا غير مسبوق إلا هولاكيا، وهذا في ظروف إقليمية وأممية تشهد احتداما في الصراع الطائفي السني/الشيعي ينذر بأن يكون تكرارا للصراع الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر".


    ولا شك أن كثيرين سيتفهمون الصدمة العميقة التي تعرض لها مفكر بحجم جورج طرابيشي الذي قضي جل عمره في العمل على إعادة العقل العربي من استقالته القسرية. فقد قدم ما يقرب من الخمسمائة بحث حول تلك الإشكالية، وكذلك قدم مشروعه الأهم "نقد نقد العقل العربي" ردا على مشروع محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي".


    كان لزاما على طرابيشي، بطبيعة الحال، أن يتعرض للعديد من القضايا الإشكالية التي شغلت العقل العربي وظلت بين ظهرانينا تمثل منطقة رمادية تستعصي على الحسم، لذلك أعاد النظر في معظم المقولات الأساسية لعصر النهضة من خلال ما يسميه بالجرح النرجسي الذي أصاب البشرية جراء كشوف علمية جوهرية في حياة البشرية أعاد طرابيشي مناقشتها عبر ذلك المقال التاريخي الذي نشره فرويد عام 1917 تحت عنوان "صعوبة التحليل النفسي"، ويشير فيه إلى ما يسميه "الجرح النرجسي الكوني الذي نشأ نتيجة الإذلال الذي تعرضت له كبرياء الإنسانية لثلاث مرات على التوالي من جراء تقدم العلم وتوالي كشوفه".


   يشير طرابيشي إلى أن أول هذه الجروح نتج عن الأثر الذي أحدثته نظرية "كوبرنيكوس" عندما قلبت معادلة الجاذبية الكونية وبدلت قطب المركزية في النظام الفلكي وقررت ما يسميه الحقيقة المؤلمة ألا وهي أن الأرض لم تعد مركز الكون حسب الاعتقاد البشري الاستعراضي؛ وأنها، أي الأرض، هي التي تدور حول الشمس. أما الجرح الثاني فيراه جرحا بيولوجيا نتج عن نظرية داروين في أصل الأنواع، حيث لم يعد الإنسان كائنا سماويا أو مخلوقا من روح الله وأنه ليس على مثاله أو صورته كما كان يعتقد. أما الجرح النرجسي الثالث الذي أصاب البشرية نتيجة تلك الكشوف العلمية فهو جرح سيكولوجي نتاج الكشف الفرويدي عن أن النفس لن تعد مركز الإنسان بل هناك ما يسمي باللاوعي الذي "يكمن فيه أوقيانوس اللاشعور" ومن ثم لم يعد الإنسان ذلك الكائن الذي يتميز عن بقية الكائنات بملكة الوعي بل إن العمق اللاشعوري يلعب دورا أكثر تأثيرا من سطح الشعور.


    وفي السياق نفسه يضيف جورج طرابيشي أن ثمة جرحا نرجسيا رابعا لم يتوقف عنده فرويد في مقالته الشهيرة يستحق الانتباه هو أن النماذج الثلاث كانت نتاجا لثقافة غربية كانت تعد إنسانها ليكون إنسانا كونيا، فتحول العلم ومنتجوه إلى مركز جديد للعالم بدلا من الكهانة التي شكلت مخيلة البشرية لقرون طويلة. لذلك يرى طرابيشي أن العقل العربي كان فاقدا للتوازن حيال ما يحدث في الغرب، حيث لم يعد ثمة مناص أمامنا من أن نعيد اكتشاف أنفسنا من خلاله.


    هنا يستنبت طرابيشي السؤال العربي الإسلامي الذي لم نعثر له على إجابة حتى ساعتنا "لماذا تقدم الغرب.. ولماذا تأخرنا نحن؟"، غير أنه يشير في بحث من أهم أبحاثه تحت عنوان "الانفتاح والانغلاق في الثقافة العربية والإسلامية" إلى أن جزءا رئيسيا من تلك المشكلة يتعلق بالكيفية التي تعامل بها الآخرون مع تلك الحقائق مقابل الكيفية التي تعاملت بها العقلية العربية والإسلامية.


    ويشير إلى أنه في حين تعاملت الثقافات والأمم الأخرى مع تخلفها على أن نقص في التطور تعامل العقل العربي والإسلامي مع أزمته على أنها انحطاط، بما ينطوي عليه الوصف من أخلاقية ماسة بطبيعة الموقف العقائدي الذي سيؤدي في النهاية إلى مزيد من الردة، حتى أن النهضة العربية نفسها تم رد أسباب نكوصها إلى الآخر العدو، فظل وجود هذا الآخر سببا دائما لمزيد من النكوص، وهنا يرى طرابيشي أن ما طرأ على مفهوم القومية العربية من انغلاق وصل إلى حدود أن القومية تعاملت مع نفسها كعرقية أنتج صورة تجددت وتجسدت في المزيد من الأصولية الدينية التي كانت ولازالت ترى، حسب طرابيشي، أنها ما انحطت إلا بسبب اختلاطها بالأغيار، من هنا لا يرى الرجل غرابة في الدعوة المحمومة إلى ما يسمي بحتمية العودة إلى الإسلام في نقائه الأول.


    وإن كان ما ينعيه طرابيشي هنا هو فشل مشروع التحديث العربي الذي كان سببا في هذا النكوص فإن جزءا من تلك الأزمة لا يمكن فصم علاقتها بالمركزية التي أنتجتها الثقافة القومية التي استبعدت من معارفها فكرة التعدد التي تنطوي عليها الثقافة العربية وكذلك تنوع إنسانها عقائديا واثنيا وعرقيا وهي حالة تناقض ثقافة الوثوقية في المرجعية الدينية.


    فالثقافة الوثوقية، في أبسط تعريفاتها وأقلها وطأة، تبجيل تاريخي للمعرفة النقلية مقابل احتقار المعرفة العقلية، من ثم فإن علاقتها بالزمن علاقة نقائض، فهي تعتمد على تثبيت القيم الإنسانية باعتبارها خارج الصراع التاريخي. وليس غريبا في هذا السياق أن تقوم كل البلدان التي فتحها الإسلام باختصار الميراث الحضاري الباهظ لها "كما في الحالة المصرية" في حقبة الفتح العربي.


    واستمرارا لتلك التصورات ذات الأفق المغلق لم يكن أمام العقل العربي، حسب طرابيشي، سوى أن يتمادى في تضخيم الأنا، مقابل الحط من شأن الآخر. من هنا سينشغل التاريخ العربي الحديث بالبحث في تاريخ الأنثربولوجيا الحضارية لبيان مديونية الغرب للعالم العربي والإسلامي. ورغم أن طرابيشي لا يشكك في حقيقة وحجم هذه المديونية التي تراكمت منذ القرن الثاني عشر إلا أنه يشير إلى أن الغرب نفسه لا يتنكر لها، وهنا يساءل: لماذا إذن تأخذ تلك المطالبات طابعا هذيانيا؟! وتتفاقم يوما بعد يوم؟


    ويضرب طرابيشي عدة أمثلة على هذا الهذيان، فيشير بين ما يشير إلى كتاب الأصولي الشيخ محمد قطب "جاهلية القرن العشرين" الذي يتبدى فيه رفضه للحاضر على أنه نوع من الرفض لماضي العلم بكل منتجاته ومن ثم فهو، أي قطب، يقصر التاريخ على الإسلام فحسب، ما يفسر قوله بضرورة "أسلمة الإسلام"، أي أن الإسلام بشكل مطلق يجب أن يمثل البداية ويمثل النهاية أيضا كأن التاريخ لم يشارك آخرون في صنعه. ووجه اعتراض جورج طرابيشي على تلك المقولات، المسرفة علينا وعلى نفسها، يتحصل في أن فكرة أسلمة الإسلام لم تكن في أية لحظة من بين أسباب العطاء الكبير للحضارة الإسلامية بل كانت، بلا شك، سببا مؤكدا من أسباب انحطاطه.


    لقد ذهب جورج طرابيشي تاركا خلفه إرثا باذخا يتجاوز الثلاثين مؤلفا وأكثر من مئة كتاب في الترجمة فضلا عن مئات الأبحاث، فماذا نحن فاعلون بذلك الإرث؟!