« فونتمارا » انياتشيو سيلونه.. العنب المُر

20/05/2016 - 2:37:09

سيلونة مع أدونيس ويوسف الخال سيلونة مع أدونيس ويوسف الخال

حسين عبد الزّهرة مجيد - كاتب عراقي

   ولد سكندينو ترانكولي، وهذ هو اسمه الحقيقي، عام 1900 في قرية بيشينا الإيطالية. والحقيقة أن مصائر الأسماء غريبة كمصائر حامليها. نختار لنا اسما لنغطي به ماضيا تعسا، فيركبنا نصيبُ الاسم الجديد إلى آخر العمر، ولا نستطيع منه فكاكا. نتمنى العودة إلى الاسم الأول، ولكن هيهات!


    ولد سيلونه الجديد في السجن الإسباني، فاختار "انياتشيو" من اسم المصلح الديني "إغناطيوس دي لويولا"، أما سيلونه فجاء من اسم المحارب الأبروزي بوبيديوس سيلو الذي قاد ثورة مظفرة ضد طاغية روما قبل مائة سنة من المسيحية، وهكذا فقد جمع الكاتب في الاسم الجديد الذي اختاره لنفسه بين الماضي الوثني والورع الديني. لكننا لو بحثنا في حقيقة أي إنسان من اسمه، لا نعثر على الجواب الشافي الذي يهدينا إلى تلك الحقيقة.


    وبيشينا التي ولد فيها الكاتب قرية جبلية صغيرة تعود إلى منطقة أبرازو في جنوب إيطاليا، ما أن تدخلها قادما من سهل فوشينو حتى تشم رائحة زنخة. برك آسنة وبعوض. وفي الزمن القديم كانت الناس تهرب من الملاريا المتفشية في السهل وتصعد الجبل حيث تجعل بيوتها متراصة، دليل الأخوة والاتحاد والخوف. تشعر بالضعف أمام هذا الوباء القاتل، ولا تعرف أنها ستواجه في مستقبل الأيام محنا أشد وبالا من الملاريا. إنها هزّات الجبل الذي يثور بين الحين والحين، ويرمي حممه يكتسح بها كل شيء أمامه. كما أنها الذئاب التي تسرح وتمرح على السهل المنبسط في أسفل الجبل. في الصباح الباكر ترى العنز في الطريق الوحيد الذي يشق الجبل نازلة إلى السهل، وترى مواكب الخراف والبغال والحمير والبقر، وترى عربات من كل صنف ولون، يقودها الكافوني، وهم الفلاحون الأجراء. وفي المساء تعود المواكب صاعدة الجبل وقد أنهكها الإعياء من قساوة الأرض. من هنا جاء حب سيلونه لصديقه الدائم، الحمار. ما أن يأتي الأصيل حتى تنزل الذئاب من القمم، وتدفن أجسادها بالثلج قريبا من أحواض المياه. تحمل الريح الباردة روائح الخراف، وما أن يحل الظلام حتى تجن الذئاب بتلك الرائحة، فتنزع الثلج عنها وتمضي كل ثلاثة في مجموعة، غير مكترثة لرصاص الرجال الذي ينتظرها في الكمائن. كان تجفيف بحيرة فوشينو قد خلق أرضا زراعية طيبة في الوادي العميق أسفل الجبل، لكنه جلب النقمة على بيوت الجبل البائسة، فقد كانت مياه البحيرة تحافظ على الدفء المطلوب في أيام الشتاء القارس، ولكن الجبل قد تعرى بعد أن قطعت أشجار الزيتون، وأكل السوس أشجار العنب، فكان الفلاحون يجنون عنبا حامضا، ويحتسون نبيذا حريفا كالليمون.


    يتذكر سيلونه بوضوح ذلك اليوم الذي اصطحبه فيه والده إلى العمل في مدينة تقع على بعد أميال من القرية، وكان في العاشرة من عمره. لقد تخطى الولد زمن الطفولة الأولى، ودرج إلى مراتب الشباب. خرج الأب والابن في الصباح الباكر، وسارا بصمت مقدس أرحب من صمت كل البيوت. ما أن التفت الصبي إلى الخلف حتى رأى مشهدا نادرا لم ير مثله من قبل. ها هي البيوت مفتوحة أمام ناظريه كالمروحة، تمتد راقصة حتى الوادي الكبير. يمضي الجبل صعدا حتى السماء. ها قد خرج الوليد من بطن أمه، وبدأ يتلمس رائحة اللبن في الأرض البكر، وبقيت الصورة تتراقص أمامه حتى آخر العمر. إنها بيشينا، أرض النبع والعنب المر. أرض العمل الأدبي الخالد "فونتمارا".


    في إحدى زيارات سيلونه إلى بيشينا، أبصر صبيا بين البيوت المهدمة، وكان يعرف جده موزع البريد. وحينما سأله الصبي عن سبب مغادرته أهله وناسه، أخبره سيلونه بأن الحياة تصنعها الاختيارات، البعض منها رحيم، والبعض الآخر قاس. وكان قدره أن ينأى عن بيشينا. سأله الصبي: وهل تحبها؟ التمعت عينا الرجل الكبير وقال: بيشينا هي كل شيء. إنها حياتي، ووطني، وعائلتي. إنها حاضرة في أحلامي، هي قطعة مني. ولم يعرف الصبي أنه كان يتحدث إلى الرجل العظيم سيلونه إلاّ بعد سنين من ذلك اللقاء.


    ما أن أشرق صبح الثالث عشر من يناير 1913 حتى اهتز جبل بيشينا وتصدع. وفي خلال ثوان معدودة قتل الآلاف من البشر، وأصبح الآلاف في العراء. جاءت الهزة على كل البيوت، ما عدا بيتا واحدا، ويا للمفارقة، لم يكن مأهولا في حينها. تداعت كل السقوف، وفضحت كل الأسرار. كان الأطفال ينظرون بصمت من النوافذ، وحينما هدأ الغبار، ظهر أمام الناس عالم جديد. محيت البيوت، واختفت الطرق، وظهرت الأشباح. كان مرابي القرية يجلس عاريا على صخرة، يستر جسده بقطعة قماش وكأنه يستحم. كانت أسنانه تصطك من البرد، وحينما قال إنه جائع، ويريد طعاما، أخبروه أن يأكل الفوائد، ومات على الصخرة. بعد خمسة أيام عثر سيلونه على أمه ممددة على الأرض، ولم يكن عليها أي جرح، لكن الصبي لم يذرف دمعة واحدة. أما الأخ رومولو فقد أخرجوه من بين الأنقاض بعد خمسة أيام من الصراخ حتى امتلأ فمه بالتراب. لم تقل إحدى الزوجات بأن زوجها مازال حيا بين الأنقاض. وفي الليلة الأولى من الكارثة رأى سيلونه أحد أقربائه يسرق كيس النقود من صدر أمه الميتة، ومن يومها عرف أن المال محفوظ دائما بغلالة الرعب. ظلت الجثث أياما في العراء، وكذلك الناجون، وكان شتاء قاسيا لم ير الناس مثله، لم ينقطع فيه الثلج. سيقت البهائم إلى ملاجئ مؤقتة في الأرض العراء. سرعان ما يأتي الليل، وفي الظلمة تأتي الذئاب، تقودها رائحة الخراف. يشعل الأهالي النيران الكبيرة، تستعر حتى الصباح. وفي بعض الليالي لا يستطيع أحد النوم من العواء المتواصل الذي يصل أعنان الجبل. يخبر سيلونه زوجته قبل أيام من وفاته أن الناس كانت تموت من البرد، وقد حاول مرة أن يحفر بأصابعه بين الأنقاض لعله يجد شيئا يسد به رمقه، فلم يجد غير مفتاح من الحديد. وفي إحدى الليالي كان يتظاهر بالنوم حينما سمع أحد أعمامه يحذره من النوم، فرد عليه آخر قائلا دعه ينم، الأجدى له أن يموت ويلحق بأمه. ظلت الذئاب تطارد سيلونه حتى اليوم الأخير. قال لزوجته دارينا: أنا لا أخشى الموت، لكني أخشى حين أموت من أن تفترسك الذئاب. قالت: أنا لم أر ذئبا إلا في حديقة الحيوان. قال: لا، أعني الرجال برؤوس الذئاب!


    والآن، وبعد أن فقد أباه أولا، وماتت أمه، وجد سيلونه أنه وحيد مع أخوه الأصغر رومولو، فلم يجد بدا من الفرار إلى روما ليرى الملاجئ، والجوع، والذل، والخذلان. لكنه عثر على شيء جديد هبت رياحه على إيطاليا في تلك السنين، فتلقفها بإيمان شديد، فكان من المؤسسين للحزب الشيوعي الإيطالي الذي أسس في ليفورنو في يناير 1921. إنه فصل جديد من النضال، والخديعة أيضا.


    كان العالم يحترق في أتون الحرب العظمى، وسرعان ما ظهرت أفكار جديدة، وأحزاب جديدة. ويوما بعد يوم، كانت الفاشية تعبد طريقها الدامي إلى السلطة. لكنها بدلا من وعودها بإمبراطورية مبتكرة، ها هي إيطاليا يعبث بها اللصوص والقتلة. وبدلا من الرخاء الموعود، ها هم الإيطاليون شحاذون في الدروب والمنافي، ينوءون تحت همجية الصلبان المعقوفة التي لا تمت للإيطاليين بصلة. بدأت الفاشية بتصفية معارضيها، وكان الماركسيون الجدد لقمة سائغة لها، فلم يجد سيلونه بدا من الهروب إلى سويسرا عام 1929، حيث يصبح أديبا ورجلا، كما يقول. وفي مايو 1927 يسافر سيلونه لحضور اجتماع اللجنة المركزية للأممية الدولية في موسكو، وهنا يستمع إلى ستالين وهو يدين تروتسكي بالخيانة استنادا إلى وثائق دامغة كما قال. لكن سيلونه يصر على رؤية هذه الوثائق أولا، والتصويت عليها بالإجماع. هنا يضمر ستالين العداوة للرفيق الصغير، فتذيع الإذاعة من موسكو خبرا بوجود خلية سرية في سويسرا يقودها سيلونه، تعمل ضد مصلحة البلاد. تقبض السلطات السويسرية على سيلونه، وتبدأ مرحلة جديدة من التحقيقات معه. وأخيرا يخبر سيلونه المحقق من أنه مصاب بالسل، وأنه ينزف دما في الزنزانة، ويريد الذهاب إلى دافوس لعله يشفى. وفي دافوس يسكن سيلونه في نزل قديم، ويعرف أنها أيام قليلة، طالت أو قصرت، وإذا كان له أن يموت فليمت بين أهله في بيشينا. وسرعان ما يأتيه الخبر بمقتل أخيه رومولو على يد الفاشست. هنا يمسك القلم ويكتب شيئا جديدا لم يكن قد خبره من قبل، وليست له دراية بفنونه، إنها رواية "فونتمارا"! تحفة الأدب الإيطالي الحديث.


    ويبقى المخطوط مرهونا مع المعطف والآلة الكاتبة عند صاحب النزل إلى أن يأتي من يدفع الأجور ويستلمها منه. تظهر طبعتها الألمانية الأولى عام 1933، ولم تظهر بالإيطالية إلا في عام 1949 بعد أن صدرت بعشرات اللغات الحية، ومنها العربية التي صدرت عام 1941 بالقاهرة لمصطفى كامل منيب، ثم ترجمة أخرى لعيسى الناعوري، صدرت في بيروت عام 1963. وفي هذا يذكرنا سيلونه بكتاب عرب مرموقين كسعد زهران، وشريف حتاتة، دخلوا الأدب بعد أن ذاقوا مرارة السياسة، وجربوا أحابيلها الملتوية.


فونتمارا


    هي أول عمل في ثلاثية أبروزو، تلاها "خبز ونبيذ"، ثم "البذرة تحت الثلج". يخلق سيلونه عالما خاصا، ويبني قرية جديدة يسميها فونتمارا، البطل فيها هو الفلاحون المعدمون، الكافوني، تلك الأجساد التي تلوحها الشمس، وتحارب الأرض العذراء بأيديها من الفجر حتى الغروب، وتخلق العصر الجديد بكل شروطه الإنسانية. الفلاحون في الرواية هم الأطفال الحقيقيون للسيد المسيح، كما تصورهم الرسوم الرومانية القديمة على شكل حمار مصلوب... أخبرونا أنتم إن كنتم تعرفون عذابا مثل عذابنا، نحن الفلاحين.


    تبدأ الرواية بوصول أحد الفونتماريين إلى قريته بعد سنين من الغربة في زيورخ ليجد الأب والأم والابن ينتظرونه على الباب. والثلاثة نجوا من المذبحة، ويبدأ كل واحد بسرد قصته. الفلاح الفقير في فونتمارا ضحية قوتين غاشمتين لم تتغيرا مذ خلق الإنسان، وهما الأرض القاسية والإقطاع. لكن يظهر الآن عنصر جديد يتمثل بالمقاولين الجدد الذين تبعثهم الحكومة الفاشية من روما. وبعد سنين من الانتظار يأتي المقاول الجديد ليبتز الأهالي، ويستميل عصبة من الأعيان كالقس أباشيو، والمحامي الدون شيركو، والغني الدون كارلو. سرعان ما يستغل المقاول جهل الفلاحين، فيحول مجرى المياه إلى أرضه، بينما يبحث بيراردو فيولا، التي تدعي أمه أنه ولد في يوم نحس تحت النجمة السوداء، عن أمتار قليلة يزرعها ليستطيع الزواج من حبيبته ألفيرا. يتحول بيراردو من فلاح بريء إلى مناضل وليد. يعذب ويهان، حتى يهب حياته أضحية لدعاء الناس بالعدل. تستعيد الفاشية سطوتها وجبروتها بالقمع، وتنتهي الرواية بموت الفلاح وحبيبته التي أراد الزواج منها، ويجتمع نفر من الفلاحين بعد المجزرة، يتساءلون ما العمل؟ قتلوا أبناءنا، سرقوا مياهنا، ومنعوا دفن قتلانا، واستحيوا نساءنا... فما العمل؟ والحقيقة أن هذا ليس سؤالا، بل هو شرط إنساني جديد، خلقه عصر جديد، فإما الموت أو الحرية... هو دعاء للعدل، من صاحب العدل!


    أراد سيلونه في روايته أن يخلق عملا إنسانيا يهزأ بكل الحدود المصطنعة التي تكبل البشر أينما وجدوا. إنها عمل يسخر من النزعة الاستشراقية التي صنعها الأوروبيون لأنفسهم، فإيطاليا ليست بلاد الشمس والأعناب وحسب، بل هي بلاد الفقر والطغيان، بلاد الآمال العريضة التي يصنعها الإيطاليون بكفاحهم وصبرهم. ليست "فونتمارا" عملا غنائيا يشدو لأشعة الشمس كما عرفها الخيال الرومانسي، بل هي حكاية يرويها الناس البسطاء عصرا حين يجلسون على عتبة الدار، أو حينما يتحلقون حول النار في ليل الشتاء الطويل، أو وهم يعملون على نول الحياكة، يضعون الخيط بعد الخيط، واللون بعد اللون كي يكون النسيج واضحا للجميع. هكذا هي الرواية، تسمي الأشياء بأسمائها، الخبز خبز، والنبيذ نبيذ. كلمة بعد كلمة، وسطرا بعد سطر، وجملة بعد جملة، من دون تلميحات أو تحفظات. هكذا خلقت "فونتمارا"، من قلوب الناس وضمائرهم، كتبها إنسان يعشق وطنه وأهله حتى الموت.