« شبابيك » حلمي التوني .. رؤية أكثر رحابة للوجود

20/05/2016 - 2:35:47

حلمى التونى حلمى التونى

د. سماء يحيى - فنانة تشكيلية وناقدة مصرية

"لأنني قد رأيتك منحنية


على النافذة الأخيرة


فقد فهمت، فقد ارتويت


من عدمي"


   هذا المقطع من قصيدة الشاعر رايلز ماريا ريلكه "نوافذ"، وقد كتبها بالفرنسية وربما كانت ملخصا لرؤية المفكرين والشعراء والفنانين التشكيليين والأدباء لمفهوم النافذة عبر العصور؛ فالنافذة هي عين الكائن الغريب، هي فتحة في الجدار المصمت تتيح له أن يعرف ما يدور على الجانب الآخر من الحائط مهما كان نوع الحائط أو طبيعته.. حائطا زمانيا، حائطا مرئيا وهميا مكانيا. وهي أيضا عين الساكن خلف الجدار على الجهة الأخرى، هي حلقة الوصل والقناة بين الرائي والمرئي، بين ضفتين وعالمين ومكانين وزمانين بينهما فاصل.


    وهذا هو الموضوع الذي يتطرق له التشكيلي المصري حلمي التوني في معرضه "شبابيك" الذي أقيم في قاعة بيكاسو في الفترة من 8 إلى 22 أبريل 2016 ليفتح لنا نافذة على عالم من الخطوط والأشكال والألوان ليكشف لنا أسراره ومعالمه، عالم يخرجنا من رؤيتنا العادية ويفتح به آفاق أرحب لرؤية الوجود بتفاصيله الدقيقة ومعالمه الحقيقية، ويجعل من أشكاله في داخل اللوحة مفتاحا على العالم المفتوح للكافة، يتيح به لعالم المتلقي الخاص فرصة التواصل مع هذا العالم الأرحب في لوحات لديها القدرة على خلق حالة من بهجة مباشرة يشعر بها المتلقي في كيانه، فرغم الأداء الفني والتقني العالي جدا من الفنان في بناء اللوحة والتكوين والحسابات الدقيقة المبنية على أسس التصوير الحديث لتوزيع العناصر في العمل الفني فإن هذه اللوحة صنعت من أجل الجمهور. لوحات تبهج البسطاء وليس فقط النقاد والخبراء، فحلمي التوني ينتمي لمدرسة من الرسامين المصريين الذين كرسوا حياتهم لإحياء مدرسة التصوير المصري الذي يتواصل مع الجمهور ويستمد عناصره وألوانه وموضوعاته من البيئة، فلوحاته لها هوية لا تخطئها العين.. مصرية في ألوانها، ولأشكالها وخطوطها لكنها لا تخاطب المصري فقط بل العالم كله؛ فالتوني يستلهم تراث رسام الجدارية الفرعوني ووريثه رسام الحائط الشعبي في معادلة حديثة تخاطب الجمهور قبل النقاد، ويتفاعل معها حتى الطفل الصغير لفرط البهجة والبساطة التي تفيض منها، أو كما قال الناقد أحمد فؤاد سليم "ثمة دائما عند التوني تلك المعادلة الصعبة غير الطيعة التي تنطوي على الرغبة في معادلة الأزمات المختلفة ببعضها البعض بحثا وراء تلك الهوية الهاربة من وقائع التاريخ بحثا عن ذلك العبق الذي يلهم أرواحنا فنمسكه أحيانا ويراوغنا أحيانا بل ويستبد بنا كلما فتحنا النافذة ورأينا كيف يكون العالم تحت الضوء الكاشف".


    حلمي التوني في هذه المرة يفتح لنا النافذة حرفيا لنرى هذه الهوية، النافذة هنا تفتح كوة للغياب الذي يطل منها على الحضور، ويطل منها الحضور عليه، ليتفاعلا في حركة جدلية دائرية معطية للرؤية ما كانت هذه الرؤية تعتقد أنه غير مرئي. علاقة دائرية بين الظهور والاختفاء بين الوجود واللاوجود بين المرئي واللامرئي وبين المصور والمرئي، وبهذا يصبح ما نظنه خيالا واقعا محسوسا، وتصبح النافذة داخل الخارج وخارج الداخل، فما يريد التوني أن يفعله من خلال نوافذه هو أن يخلق رابطا روحانيا من خلال النافذة، رابطا يؤنسن عناصر اللوحة في ذهن المتلقي لتخرج من إطار سطح اللوحة، وتصبح كائنا ماديا يفاعله الفنان مع الوجود ككل من خلال قدرة هذه العناصر العجيبة على التواصل بين عالمين، وهنا تغدو النافذة بمثابة الطريق المعبد الذي تعبره العين للتواصل مع الآخر وبالعكس، ليتواصل الآخر معها لكنها ليست بباب، فالباب هو معبر بين عالمين لكنها تفتح مجال الرؤية ليمتزج العالم الداخلي والخارجي تماما ولا تبقى بينها حدود ذهنية، لكن يظل حد النافذة ليذكرك بصريا بوجود فاصل بين العالمين رغم اتحادهما، يبدو هذا واضحا في لوحته التي تبدو فيها المرأة في إطار معلق في الهواء وخلفيته البحر تحيطها أسماك الخصوبة المستوحاة من الفن المصري والفرعوني بينما تنظر هي بعينين لوزيتين كعيون ست الحسن للمتلقي، كأنها تناديه للذوبان فيها وفي البحر الذي خلفها هنا. ورغم أن الفنان حافظ على دقة ووحدة التصميم لكنه يعطيك حالة روحانية تخرج من إطار النافذة إلى إطار اللوحة ومن إطار اللوحة إلى إطار العالم، ثم تدخلك من إطار العالم إلى إطار اللوحة والبحر ثم إلى إطار النافذة حيث المرأة الواقفة تنظر بشغف حسي شفيف.


يقول ريلكه (1875 ـ 1926) في قصيدته:


"المرأة التي نحبها ليست أكثر جمالا


إلا حين نراها تطلع مؤطرة بك


أنت أيتها النافذة من يوشك على تأبيدها"


   وهذا ما يفعله التوني فهو يؤبد في نوافذه ما يحب من عناصره ورموزه التي لطالما زخرت بها لوحاته.. بنت البلد الجميلة المثيرة ذات العينين الوسيعتين الحنونتين، الرجل الشرقي الحازم الرقيق المحب الذي يرسم على وجه محبوبته البهجة بريشة العشق، عازفات الموسيقى الجميلات الهداهد زكية الزهور. كل الرموز التى استوحاها من بيئته وتلك التي طورها لتناسب رؤيته تراث الوطن، ما يراه جزء من نسيج ذاكرته، العالم الذي يعشقه، الواقع الذي يريده ولكنه لم يصبح واقعا بعد.


    لوحات تعكس نشوة الحياة وبهجتها من خلال الأزمنة الماضية والفن الشعبي وأساطير التراث رسمها بخطوط من المرح مليئة بالنساء والطيور والزهور والهداهد والآلات الموسيقية، أجسام وأشكال تتحرك وتسبح في عمق الزمن يهتم راسمها بإعطاء حركة معينة لكل عضو من أعضاء الجسم، ولكل عنصر من عناصر التكوين حركة خاصة في توقيت يختلف عن حركة بقية الأشكال لكن في إطار وحدة الجسم ووحدة الشكل فتظهر الحركة في الأجسام والحركة في اللوحة من خلال التنوع في أفضل صورها، فهو مدرك تماما أن العمل الفني لا يتحقق إلا بالإيقاع الداخلي الشامل وهو بالظبط ما وصفه روجيه جارودي في كتابه "واقعية بلا ضفاف" بقوله "إن وجود الإنسان وإيجابيته في العمل المصور يحول هذا العمل إلى عالم صغير وإلى شمول عضوي حي". هذا العالم الصغير لم يقتصر على المفردات المستوحاة من التراث وتلك التي ابتكرها وعلى نسائه الجميلات الشعبيات بل تضمن أيضا مفردات مستوحاة من الحياة اليومية وأخرى مستوحاة من الحضارات القديمة الأخرى فارسية، آشورية، أوروبية وآسيوية، لكنه حرص على أن لا تكون مبهمة أو مجهولة للمتلقي، وحرص أيضا على أن يقدمها في نفس إطار البهجة والمرح الذي يخلف عالمه فأضحت هذه المفردات جزءا من نسيج لوحته دون أي تكلف ودون أي شعور من المتلقي بأنها دخيلة عليه مثلها مثل الزخارف والمشربيات وكلمات الأغاني والأمثال الشعبية، وبهذا أثبت التوني أنه خليفة لرسامي الحوائط والمعلقات المصرية بامتياز فهو يجمع بين أشكاله ورموزه وزخارفه وحروفه لينتج لوحة متكاملة تعبر عن فكرة، كما كان هؤلاء يفعلون من خلال الخط، فالخط عند التوني هو المحدد الأساسي للإيقاع كما يحدد الشكل فهو عندما يؤطر الشكل يجعل منه مرئيا، ويكون الخط أيضا مرشدا للون الذي هو بمثابة اللحن في اللوحة، فهو الذي يعطي للوحته نغميتها وهو بمثابة الغلاف الذي يغلف الشكل ويخلق حالة من الإيحاء الداخلي تبعث في عناصر ومساحات اللوحة الحياة.


    لون التوني وافر غني وقوي صاخب في بعض الأحيان وهادئ في أحيان أخرى، لون متوازن وقوي يعزف لحنا يصل إلى حواس المتلقي كلها من خلال عينيه لإحداث التأثير الذهني الذي يريده الفنان، وهو لا يبالي كثيرا بمنطق الظل والنور بل يتبع خطى الفنان الشعبي الذي يلجأ للخط الخارجي في الفصل بين الألوان وبعضها، وكذلك يلجأ للخط في الحفاظ على المنظور والحجم. اللون هو اللحن بالفعل، والخط هو المنظم حتى بين الأفقي والرأسي على سطح اللوحة الملساء وإن كانت غالبا لا تخلو من الملامس البصرية التي تذكرك بجداريات المقابر الفرعونية خاصة بوجود الألوان الباذخة البراقة كل هذه الخطوط، والألوان والأشكال تصنع عناصر بينها علاقات داخل النوافذ التي تضحى هي الأخرى جزءا من هذه العلاقات المليئة بالحب والفرحة والبهجة الراقصة على إيقاعات مرحة في واقع خلقه هو، وصنعه بحب يشبه كثيرا ذلك الواقع الذي وصف به إيلوار لوحات بيكاسو حين قال "أنت تعلمهم أن المرور بالخيالات السعيدة والحلم بإجازة لا نهائية أمر جميل ولكنك تمنحهم أيضا الرغبة في رؤية كل شيء والشجاعة اليومية لرفض الخضوع للمظاهر الفانية"، هذا هو تماما ما يفعله حلمي التوني لكنه يفعله بلغة استمد فكرها ومفرداتها من ثقافة لطالما عبرت عن مناسباتها السعيدة بالرسم على جدران البيوت، رسم صور مفرحة ومبهجة تصور المناسبات السعيدة والقصص المفرحة، ثقافة رسم صور أبطال الحكايات التي دائما ما ينتصر فيها الفارس على غريمه ويفوز بست الحسن، ويعود فيها الحاج غانما مظفرا من الحجاز، وتصور الأشجار الخضراء والنخيل الباسق والأولياء والقديسين المنتصرين لتزين الحوائط.


    حلمي التوني ببساطة رسام يعبر عن وطنه وثقافته لينتج فنا للعالم بأجمعه، هو ينتمي لمجموعة من الفنانين لا تفصل الفن عن ثقافته وعن حضارته. هؤلاء رأوا أن الهدف الحقيقي لعملهم الفني هو التعبير عن روح هذا الوطن الحقيقية من خلال فنهم وهو الدور الحقيقي لأي فن منذ بدء الخليقة.