« ملصقات الفوضى » .. عن جودار والمونتاج وسينما الحب

20/05/2016 - 2:34:07

ماهر العنجارى يحاور المخرجة سيلين جولور ماهر العنجارى يحاور المخرجة سيلين جولور

ماهر عنجاري - ناقد سوري مقيم في فرنسا

    منذ أكثر من ست عشرة سنة أحرص على حضور مهرجان الرباط لسينما المؤلف في المغرب، وفي دروته الحادية والعشرين  (2016) توفرت لي فرصة مشاهدة الفيلم الوثائقي "ملصقات الفوضى" للمخرجة الفرنسية "سيلين جولور" وشريكها في الفيلم والحياة "أوليفيه بوهلير"، فكان معهما هذا الحوار في الرباط.


    "قَص ولصق".. هذا هو عنوان المعرض التشكيلي للمخرج الفرنسي جان لوك جودار، وكان قد أقيم في مركز جورج بومبيدو في باريس (11 مايو 2006 ـ 14 أغسطس 2006)، وصنع عنه المخرجان سيلين وأوليفيه فيلمهما "ملصقات الفوضى" عن أعمال جودار، الذي عمل على قص صور معينة من مجلات، ومن ثمَّ لصقها بجانب بعضها بطريقة المونتاج. وكلمة مونتاج في الفرنسية مشّتقة من فعل مونتيه monter وتعني صعد فوق الـ... ويركّز المشهد الأوّل من الفيلم على طاولة وضع فوقها فنجانان من الشاي، وفي مشهد آخر نرى سريرا في غرفة نوم. يقول جودار في الفيلم: "السرير نصعد عليه وفي السرير أيضا يصعد الرجل فوق المرأة ليصنعا الحب، والفيلم عندما يكتمل تصويره نضعه فوق طاولة المونتاج لنصنع منه فيلم حب.. السينما إذن هي الحب".


•       أسألهما: عندما شاهدت الفيلم شاهدت أشياء كثيرة تتمحور حول الحب. هل صنعكما فيلما عن جودار كان بدافع الحب لسينما جودار؟ أم حب شخص جودار؟ أم كانت لكما أهداف سياسية أو اجتماعية؟ أم تريدان الشهرة عن طريق جودار؟


     سيلين وأوليفيه: انطلقنا بالطبع من حب السينما بشكل عام، وحب سينما جودار من داخل جودار. من المؤكد أننا لم نهدف إلى السعي للشهرة عن طريق جودار. إنه حب السينما وحسب، بالتأكيد أنت شعرت بشيء من الحب في الفيلم. حبنا للسينما واختيار الاستوديو، وهدر ما يزيد على أكثر من ستة أشهر من وقتنا في عملية المونتاج واختيار الموسيقى، كل هذا من أجل صنع فيلم أردنا أن نتحدث بواسطته عن السينما وعشقنا للسينما، وهناك عدد قليل من السينمائيين صنعوا أفلاما عن جودار، لكننا حين قررنا صنع فيلم عنه جئنا إلى "بوبور" هكذا يحب تسميته الباريسيون. مركز جورج بومبيدو.


•       ظننت الرجل الذي يظهر في الفيلم جودار للوهلة الاولى.. من هذا الرجل شبيه جودار؟


 سيلين: هو الصديق الوحيد حاليا لجودار، إنه الناقد أندريه لابارت ANDRÉ S LABARTHE هو يشبه جودار إلى حد كبير.


•       عنوان الفيلم (ملصقات الفوضى أو الفوضى المعروضة).. ما الذي يوحي به هذا العنوان؟


  أقيم المعرض في مركز بومبيدو عن القص واللصق، ويقصد به المونتاج والتركيب.. لقد قصدنا اختيار هذا العنوان للفيلم، لأن جودار شخصية فوضويّة سواء في حياته وفي أفلامه.


•       هل كان جودار غالبا ما يأتي إلى موقع التصوير من دون تصوّر مسبق أو سيناريو؟


   أوليفيه: ثمّة جانب صحيح في هذه الفكرة، وجانب آخر غير صحيح. عندما يبدأ جودار التصوير فمن المؤكد أن لديه فكرة معيّنة، لكنه أثناء التصوير يمكن أن يغير في السيناريو، أو تتولّد لديه فكرة أخرى جديدة، باختصار يمنح حريّة التعبير للكاميرا.


•       يقول جودار في الفيلم "قص ولصق" يعني عملية المونتاج Montage ترجمتها للعربية "ركب أو صعد" مثلا على هذه الطاولة تركب كأسان، وفي هذه الصورة نرى سريرا وفوق السرير الرجل يصعد على المرأة ليصنعا الحب، وعند الانتهاء من تصوير الفيلم نضعه على طاولة المونتاج للتركيب ونصنع منه فيلما لنخرج منه الحب. السرير ـ من وجهة نظر جودار ـ يصنع الحب، وطاولة المونتاج نصنع منها الحب. متى شعرتما أن فيلمكما فيلم حب؟


   سيلين: عند الانتهاء من صنع الفيلم مباشرة شعرنا بذلك، أعتقد أن المونتاج هو نبض القلب.


•       سأروي لكما هذه الحادثة. عندما أصبت بجلطة دماغية أصيب الجانب الأيسر من جسمي بشلل، وفي فرنسا، عندما كنت في مكتب العمل الخاص بتأهيل المعاقيين، أرداوا أن يوجهوا الجميع لاختيار عمل ما يتماشى مع إعاقتهم، لكنّني طلبت أن أدرس الإخراج السينمائي، وفي هذه الفترة حضرت مهرجان أفلام الحب في بلجيكا، وكان هناك المخرج المصري يسري نصر الله والمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، وسألتهما عن ماهية مهنة الإخراج السينمائي؟ وعما إذا كانا يستطيعان إعطائي نصيحة ما، وقتها قال لي يسري نصر الله: أنصحك أن تدرس المونتاج لأن المخرج الشاطر هو من يستطيع وحده عمل مونتاج فيلمه، لأن الفيلم يصنع مرة ثانية على طاولة المونتاج.. الآن عند مشاهدة فيلمكما وكلام جودار في الفيلم عن المونتاج، رويت لكما هذه الواقعة التي حصلت معي؛ لأن كلام يسري نصر الله يتوافق مع كلام جان لوك جودار. في النهاية معرض جودار في مركز بومبيدو كله عن القص واللصق، لأنه يشدد على المونتاج في صناعة الفيلم.


   سيلين: نعم، وأنا أثناء تدريسي لطلابي في جامعة باريس الثامنة أحدثهم دائما على المونتاج.


•       ما مشروعكما المقبل ؟


سيلين وأوليفيه: نفكّر بكتابة سيناريو عن الحب.


•       فليمكما.. هل شاهده جودار؟


سيلين وأوليفيه: أرسلنا له نسخة مع صديقه الناقد أندريه لابارت.


•       يقول أندريه لابارت عن  جوادر: "هو إنسان فوضوي في السينما وفي الحياة ولهذا أحبه وعلاقاتنا استمرت إلى الآن".. وهل أنتما فوضويان في حياتكما المشتركة وفي صناعة الأفلام المشتركة بينكم؟


أوليفيه (مبتسما):  "نحن فوضويان جدا في الحياة اليومية، أما في كتابة وإخراج أفلامنا فنحن منضبطان جدا". وتتفق معه سيلين في الرأي، بالموافقة على هذه الإجابة، وتهز رأسها، مع  ابتسامة خجول.


 جان لوك جودار:


ولد في ديسمبر 1930، في باريس لأبوين سويسريين فرنسيين، وأكمل دراسته في جامعة السوربون في باريس، وفي أثناء دراسته في الجامعة انضم لمجموعة من هواة السينما، وأسس الناقد أندريه بازان مجلة كراسات السينما (Cahiers du cinéma)، وكان من أوائل من كتب فيها مع فرانسوا تريفو، وجاك ريفيت، وأريك رومير. وبدأت علاقة جودار بالسينما عن طريق النقد، إذ قدم محاولات سينمائية قبل عام 1960، واستمر في كتاباته النقدية وكان من أهم مؤيدي الموجة الجديدة في السينما، وقرر إخراج فيلمه الأول الطويل عام 1960 "حتى انقطاع النفس" ( A bout de souffle)، حيث استخدم فيه تقينات حديثة في المونتاج، وحاز إعجاب النقاد والجمهور في فرنسا، وفي أنحاء العالم، واصبح معبرا عن الموجة السينمائية الجديدة.


       تزوج جودار من الممثلة الدنماركية آنا كارينا عام 1961، وأسس معها شركة إنتاج بعد عدة أعوام من الزواج.


يقول جودار في إحدى مقابلاته: "عندما أرى الناس يتحركون بحرية في الشارع أذهب وأصور حركتهم، لأن إحساسي يقول لي إنهم أحرار، ولهذا لا أصور إلا الإنسان الحر".