الشَّرَك .. ثلاثة مشاهد

20/05/2016 - 2:32:24

عزة دياب - قاصة مصرية

(1)


    همسا كان صوتها، انجذبت إلى سرها بإصبعين تعودت أن أطفئ بهما الشموع، حاولت أن أطفئ فتيل الخوف الذى يراوغنى مستعرا، أنفاسها دافئة أشعلت جانب وجهى بسخونة جعلت الدماء تحتقن فى وجهى وعبثا حاولت التركيز.


    تفاجئنى يدى الأقرب إليها بالتحرك لدفعها؛ وشيطان داخلى يستمرئ الدغدغة ويحاول إقناعى بفرد شباك الصيد الآتى، فتحت كفى ألتقط تفاحتى.


ميزت كلماتها من بين أرجحة القطار، وضجيج الزحام:


ـ سرقت نقودى.


    الخجل يقطر من قسماتها، رقيقة كنسمة فى يوم حار، بسطت لها يدى بما تريد، جاورتها ولففت ذراعى حول كتفيها فى محاولة اختبار لرد فعلها، احمرار خديها يثيرنى، ابتسامتها تشجعنى فى مصادماتى المقصودة.


   دسست فى يدها كارتا لى، اتفقنا على النزول معا فى محطة واحدة.


   غابت عن عينى، مازالت محطتنا بعيدة، وقف القطار، نزل ركاب وصعد غيرهم، أذكر نفسى بأن محطتنا لم تأت بعد، تحرك القطار، لمحتها على الرصيف تمزق الكارت وتنفضه بعيدا.


(2)


صاح الولد اصطدت عصفورا أكحل.


   بتلقائية نظرت إلى صيده مسديا نصائحى فى قص ريش الجناح وطرف المنقار، أسترق النظر إلى عينيها، تعودت على الاستهجان فى نظرتها لكنه لم يتجاوز العينين، قلت: ألا تفرحين بصيد ابنك؟!


قالت وعيناها لا تفارقان صفحة النهر:


ـ صياد كأبيه.


   فاجأتنى بتحريك المجداف فى الاتجاه المعاكس، صرخت فى وجهها، هجمت على العصفور فى يد الولد، تشبث الولد بصيده، عضت يده، حررت العصفور، ملأت الابتسامة وجهها وهى تتابع ارتفاعه، لم تلتفت لصراخ الولد الذى بات يجرف المياه من النهر بيده ويمطرها بها.


قالت: وصلنى إلى الشط.


هززت رأسى علامة الرفض.


قالت: سوف ألقى بصيدك فى البحر.


    تأرجحت ردودى بين التهدئة والتهديد بإلقائها فى البحر، نضحت عيناها بالألم عندما أثنيت على عداء الولد تجاهها.


   تسربت المياه إلى القارب، فى البداية لم أهتم، زادت، فحصت مكان التسرب، سددته بمزق الثياب.


    جرفت المياه من القارب وجففته ورتبت الصيد، انشغلت وابنى فى الصيد وتركتها لصمتها، ناديتها لم ترد، تلفت حولى أين تختبئين؟ فى الماء أم السماء، أشار الولد أنها على مبعده منا، تعلقت بعوامة.


   تفتحت شهيتى للمطاردة، فى تغيير اتجاه القارب اندفعت المياه بداخله حاملة مزق الثياب المحشورة بين الواحة عندما قاربت الشمس على المغيب، كان أثرها قد ضاع والولد يحدق، وأنا محني أنزح المياه.


(3)


يقف بين طيوره المحنطة، يدور حولها: أأطلق سراحكم اليوم؟!


    يضحك، يتخيلهم يتوسلون إليه أن يتركهم لديه آمنين بأعينهم الزجاجية وبطونهم المحشوة قطنا، وقشا وريشهم الباهت وأسنانهم المتحجرة وعظامهم المتيبسة.


    صورتها فى المجلات والجرائد تطارده فى نومه وصحوه، هذه من توسلت إليه يوما ألا يتركها تواجه أهلها بورقة عليها اسم ملفق لرجل هرب من حياتها بعدما امتص رحيقها، عذبته دموعها، من يومها تجنب الأماكن التى تذكره بها.


   هالة الشهرة والتقدير التى تحيطها أسرته، صمم على الوصول إليها.


   قدمه أحد أصدقائه إليها، حدثته نفسه وهل تنتظر أن يعرفنى عليها أحد، قطعا تعرفنى عيناها بلون العسل، ابتسامتها العذبة، يداى تحفظان ملمسها، اليوم ستعود إلى أشيائى، همس فى أذنها: إنى حبيبك العائد.


نظرت تجاهه باستنكار على أنه شخص مهووس يعاكسها.