أربع قصص قصيرة

20/05/2016 - 2:28:55

الحسن بنمونة - قاص من المغرب

الطيبون


   قال لي صديقي الموظف في مصلحة البريد:


_ ألا تزال تواظب على احترام أوقات العمل؟


_ ماذا تعني بهذا الكلام صديقي؟


_ أي كلام؟ أنا لا أريد إلا إسداء النصيحة؟


_ أي نصيحة؟


_ أنا مندهش لأنك لا تزال تعمل بجد.


_ لأنني أستلم أجرتي.


_ وأنا لا أعمل ومع ذلك أستلم أجرتي. ما تفعل يجلب لك السخرية.


_ السخرية؟ هل تسخر مني لأنني أعمل؟


_ لم يعد أحد يعمل بجد.


_ أنا أرغب في أن أنهي حياتي عاملا مجدا.


_ هذا يبدو مثيرا للضحك. لم يعد يعمل إلا الطيبون الذين أساؤوا لهذا البلد.


_ يا سيدي، هذا يكاد يطير بعقلي.


_ لو كنت تملك عقلا هل كنت تعمل بجد؟


_ فهل أتخلى عن عملي الذي حصلت عليه بالجد؟


_ لن تتخلى عنه ولكن لا تذهب إلى العمل.


_ أنا لا أستطيع التخلي عنه، لأنني أستلم أجرتي.


_ أنتم الطيبون وبال على مجتمعنا. ينبغي لنا خوض معركة ضدكم.


 _ إذا خضناها يربحها الطيبون طبعا.


    أطلق ضحكة عابثة، ثم بصق في الأرض وحك البصاق بحذائه. هو طبعا يعني أنه سيفت عظام العمال الطيبين.


***


سيزيف


    ما لهذه الديمقراطية حزينة، ملتاعة، بكاءة، تريد أن تخمش وجهها أمام الملأ عسى أن يتركها الناس تنعم بالسكينة!


    هي ترى أن كل من هب ودب يعلق بها، يتحدث عنها ويسعى إلى أن تكون في المأكل والمشرب.


    ساعة يستيقظون يحملونها على ظهورهم ويجوبون بها الشوارع والأزقة مرددين هتافات عنها. يحيا منهم من يحيا ويموت منهم من يموت فداء للديمقراطية، ولا بد أن ينتبه العائشون إلى المخططات الجهنمية التي تحاك ضدها في السر والعلانية، فيستفيقون مرة أخرى ويمشون في الشوارع والأزقة.. ويحيا.. ويموت.. ويكتب عنها الكتاب أخبارا مقرونة بالدماء، وينظم فيها الشعراء قصائد مقرونة بالبكاء والمشاعر الجياشة.


    لا تزال  محمولة على الأكتاف إلى هذا اليوم. أما حزنها فهو صلد كالحجر.


***


مهلا مهلا سيدي


    القاضي الذي عمر طويلا في هذه المدينة الكئيبة استطاع أن يملأ السجون بالساكنة، وهذا يرجع إلى التطبيق الفاضل للقانون الذي لا يفرق بين صغير وكبير، أو بين غني وفقير.


   لم ينج من ظلمه إلا الصغار، وهو الآن يفكر في تشريع قانون يلحق الصغار بالكبار على أمل أن تهدأ المدينة، فالصخب لا يجلب إلا  الصداع والفوضى.


   شكرا للقانون الفاضل.


***


البحث عن الصفاء


    يصحو من النوم باكرا. أحيانا ينسى أن يغسل وجهه. يصفق الباب خلفه برجة تثير الجيران النائمين، ثم ينحو نحو الدكان المغلق. في الصباح الباكر يكون هذا الدكان مغلقا، لأن صاحبه لا يزال نائما. ولهذا تراه جالسا على حجره، مسندا ظهره إلى الباب الحديدي. ويغفو ثم يستيقظ على جلبة يحدثها الذاهبون إلى أعمالهم في المدينة، أو تصدر عن الأطفال الذين رافقوا أمهاتهم إلى الحنفية العمومية. ما إن يمروا عليه حتى ينهض فزعا مبهوتا. وتنبس الأمهات: لم لا ينام في بيته؟ والحق أنه لا يحصل على أي قدر كاف من النوم. ما إن يهجع قليلا حتى تعمد زوجه إلى إسقاط قدر أو ملعقة أو صحن لتثيره. كانت ترغب في أن تراه يقف مفزوعا، غاضبا مولولا. وقد تسليه قائلة: ونحن، ألا ننام؟ في أكثر الأحيان يسقط جسم ثقيل من السطح، ويفتح الباب بقوة، وتسمع أصوات جري وصراخ: (اقبض عليه. أمسك به. هيا. هيا. من هنا. من هناك..). هذه أصوات رجال الشرطة. أرادوا الإمساك بفار من العدالة. ينال حظه من النوم عندما يسجن ابناه. يدوم هذا أسبوعا، ريثما تهدأ العاصفة، وتكفكف الأم دموعها حزنا على فراق ابنيها، ثم تعود إلى عادتها القديمة، فتسقط بعض الأواني إلى الأرضية المبلطة بالأسمنت. لم يعد ينام إلا لماما. ينتظر خروج زوجه لقضاء بعض الأغراض، ولكنها تعود مسرعة، فيهرب إلى الحارة. تتزوج ابنته الكبرى ذات العشرين ربيعا من شاب سكير. يأتيها ثملا في آخر الليل وقد نال منه أشرار عتاة. يصحو فزعا على عويل نساء يملأ الحارة. لا يدري ما يجب عمله في مثل هذه الحالات، ويأتيه الحل من الجيران الذين صاروا يحثونه على استدعاء الشرطة، لأن صهره يحتضر. كان قميصه ملطخا بالدماء أما هو فكان مغمى عليه عند باب المطبخ. يقول في نفسه: ها هو صهري في المستشفى يرتقون جراحه، وقد خلا المنزل من أي مكدرات، والزوجة وابنتها تمسحان الدموع، فلأرتم على الفراش وأغرق في السبات. ولكن ما إن يرتمي على الفراش حتى تأتيه أصوات حادة من زوجه التي استبدت بها نوبة صرع، وأخذت تلطم وجهها وتخمشه بأظافرها الوسخة، وتضرب فخديها، وتنط هنا وهناك.


    ولهذا يصحو باكرا ليظفر بغفوة في الحارة قرب الدكان، وهواء الصباح يهب عليه باردا.