مضى كل سر ليكشف نفسه

20/05/2016 - 2:27:13

يحيى البابيدى يحيى البابيدى

شعر: يحيى اللبابيدي - ترجمة: محمد عيد إبراهيم - شاعر ومترجم مصري

القاهرة


طَمَرت وجهك، في مكانٍ ما


على جانب طريقٍ جديدةٍ


فلن أسافرَ عليه


كلّ صباحٍ أو في جَولات المساء


ولا أزال مصوَّرا عاجزا


بمشهد تلكَ الجريمة


خشيةَ نسيان


قَدر بهائك


ثمّ كانَ المطر


الذي يفكّك التربةَ


ليكشفَ مَلمَحا فتّانا


يتلاطَم والعاطفةَ


عينٌ، حنونٌ أو


ممتَقعةٌ، وَجنةٌ ساكنةٌ


فمٌ مزمَّمٌ بعتابٍ أو


شفتان ملحَقتان ببَسمةٍ خالدةٍ


وإنك أحيانا لَشريرةٌ


غامضةٌ، حينَ أوشك أن أخسرَك


فأنقرَ الأرضَ كهائجٍ


أجربَ، معَ أني وفيٌّ، ككلبٍ.


***


نسيم


شبكةٌ من ضجّةٍ معقّدةٍ هو النسيم


ثمةَ بساطٌ أشدّ إلحاحا


منسوجٌ من الهمسات الترانيم الهمهمات


فهو النسيم الأثقل من أرضي القريبة


حاملا صلواتٍ من كلّ شيءٍ:


أشجار، نمال، أحجار، أنهار، جبال وما شابه


كلّه يحمل شكرا خالصا وذكرياتٍ


كلّ لحظةٍ، لكأنها هزّةٌ من ذعر مسبَحةٍ


فنهرول بعيدا، في غفلةٍ من الأسرار


معَ ذلكَ، يمضي كلّ سرٍّ ليفشيَ نفسَه


ويدنو كلّ مخلوقٍ خجولٍ واثقا فينا


لو أصَخنا السَمعَ، بكلّ حاسّةٍ، صابرينَ.


***


مبادلات


"لا تحزن، فكلّ ما تخسره يأتيكَ وإن بشكلٍ آخر"


مولانا جلال الدين الروميّ


ما لا نتوقّع يقلب خسرانَنا، يرتدّ


فيلتوي بينَ أذرعنا عائدا:


العاشق الذاهل يعود كغيره،


مثلَ شعبٍ منبوذٍ بهيئة حياةٍ جديدة؛


وتتّخذ القصائد شكلَ آباءٍ


ثم يرجع الصحاب كالزوجة.


إن لم يكن الحبّ خطوة للأمام


فمن يضمن لنا أن نطيلَ طرادَه؟


***


طلوع النهار


ثمةَ ساعاتٌ لصَريرٍ من كلّ شيءٍ


فتمدّ المقاعد أذرعَها، والموائد أرجلَها،


تنبطح للوراء الخزائن، في نزَقٍ


وهي تسأم من خيالها اللطيف


أن تبقَى في مكانٍ هو ذاته


في قواعدها الوطيدة


هكذا نحن، في العمل أو الحبّ


نعرف الأوجاعَ وكلّ ألمٍ يستزيد


حينَ يتبدّل، طبعا، مهادنا الداخليّ


تدريجيا، بنحوٍ حاسمٍ، مستَعصمٍ،


ثمةَ ما يمنحنا، ونتذمّر، فهو ناقصٌ


ليعادَ النظر في كلّ شيءٍ


ذاتَ فجرٍ قلقٍ، نعجز عن قَمع لهفة


التجوال، معَ بابٍ ثقيلٍ تركناه، بشبه


تَروٍّ، نصفَ مفتوحٍ، فيثير نورٌ جديدٌ


قدرا من الثبات، ليهجرَنا أخيرا


خفيفا على أضلاعه الخشبية فجأة


ورشيقا كجوادٍ، يهرب من مستَقرّه.


***


ما منحنا النور


ما منحنا النورَ قد تحَمّلَ


الحريقَ، قالَ امرؤٌ مرة


إن آخرَ قد صارَ فَحما 


وأشعلَ نيرانَ أمّةٍ


لكن النارَ، ونزعَتها، لم


تحتَسب، لكأنها الحرية 


فالظلم واليأس يشعلانَ


الناسَ، كالغابة الذابلة


حيث تفقد الكلمات معناها


والناس قاطبة صوتَها


لا تعود ثمةَ ضحكةٌ أو صَرخةٌ ـ


فالموت والحياة بطعمٍ واحدٍ


من تونسَ، للقاهرة، إلى لبنانَ، واليمن


يأسرهم، ممّن احترقَ، النور


فماذا يخسرونَ، أو يمنحونَ، هوَت


بجذوة آمالهم أجسامهم، والحلم ملتهبٌ.


يحيى اللبابيدي: شاعر أمريكيّ من أصل مصريّ، ولد في القاهرة عام 1973، أول دواوينه "علامات لمكان ما"، نال عنه جائزة كتاب العام 2008، وله ديوان "أحلام الحمّى"، وكتاب في قصائد الومضة باسم "تقريبا هناك"، وآخر كتبه "محاكمة بقلم حبر" وهو دراسات نقدية.


  هو شاعر البلاط بولاية فيرمونت، وهو منصب شرفيّ يمنح لصاحبه تقديرا لدوره ومنجزه في الشعر. وتترجَم قصائده إلى عشرات اللغات. وكان محكّما في جائزة (نيوستات) من أرفع الجوائز العالمية بعد جائزة نوبل.