رحلة عمر حسين قدري

20/05/2016 - 2:22:11

حسين قدرى حسين قدرى

يوسف الشاروني - كاتب مصري

 ترجع صلتي بالصديق حسين قدري إلى أكثر من أربعين عاما حين قرأت له عام 1974 كتابه الصادر في سلسلة (اقرأ) بعنوان "مذكرات شاب مصري يغسل الأطباق في لندن"، فأعُجبت به لطرافته، ونشرت مقالي عنه بعد صدوره بشهرين دون معرفة شخصية به، في مجلة الثقافة مما أدى إلى اتصالنا وولادة صداقة شخصية وأدبية أثمرت ثلاث دراسات عن ثلاثة مؤلفات له وحوار أجراه معي نشره في مجلة الإذاعة والتليفزيون التي كان محررا بها.


  وأسلوب الكتاب يتميز بالبساطة والتشويق، واستخدام اللفظ العامي حين يكون أوقع من استخدام الفصحي في بعض المواضع القليلة، ومن الطبيعي أن يقارن كل من سافر إلى بلد أجنبي بين بلده والبلد الذي سافر إليه، لهذا فإن صيحة مؤلفنا الأثيرة من حين لآخر "يارب يارب يارب، قبل أن أموت أرى بلدنا وقد وصلت إلى واحد على مليون من هذا النظام وهذا الانضباط".


  ثم نشرت مقالا عن كتابه "راكبان على السفينة" في مجلة الثقافة عام 1975 ذكرت في مقدمته أن رحلات حسين قدري وإن كانت بدافع داخلي كما كانت عند السندباد وكأنما يقول مثله بعد كل رحلة: فاشتاقت نفسي إلى السفر والفرجة.. والنفس أمارة بالسوء – أقول إنه بالرغم من هذا الدافع الداخلي الذي يبدو أنه لا يقاوم عند البعض إلا أنها في النهاية تصبح بتكليف من المجلة التي يعمل بها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن أثر الصحافة يبدو في أسلوب الرحلة عند كتابتها لأنه ينشرها على قراء مجلته على حلقات أولا ثم يجمعها في كتاب فيما بعد، وقد سبق لحسين قدري أن قدم للمكتبة العربية عدة رحلات هي: رحلة إلى جزر الكناريا (1973)، مذكرات شاب مصري يغسل الأطباق في لندن (1974)، رحلة إلى دولة ترانزستور (1974)، وهو في كل رحلة يحاول أن يكون موضوعها مبتكرا لم يسبقه إليه أحد، كما حرص على أن تُلقى رحلته ضوءا على جانب لولاها لظل مجهولا لدى جماهير قرائنا..


  ولقد أفرد المؤلف في كتابه "راكبان على السفينة" فصلا عنوانه "حكاية النساء في سفينة بلا نساء" وأوضح فيه أزمة الجنس عند العاملين على هذه السفن ومشاكلهم: المتزوجون منهم والذين يريدون الزواج ولا يستطيعونه لظروفهم أو يؤجلونه، وكيف تتضخم قيمة المرأة في مثل هذه الصحراء العاطفية. كما أفرد فصلا بعنوان "حفلات" عندما أوشكت الرحلة على الانتهاء وأوشك موعد وصولها إلى أرض الوطن. ثم يترك رحالتنا العالم الخارجي الذي أُتخمنا به ليتسلل بنا من حين لآخر إلى العالم الداخلي له ولزملاء رحلته.


  وهكذا قدم حسين قدري رحلة شيقة، مزج فيها بين المتعة والفائدة، وزاوج فيها بين الفن والعلم، وكشف لنا فيها - كما فعل سلفه السندباد – عن مناطق مجهولة وبطولات لا تعلن عن نفسها ولمسات إنسانية في هذه الصحراء العاطفية السابحة وسط محيط متلاطم. وفي أبريل 1982 نشرت في مجلة العربي الكويتية مقالا عن روايته في الخيال العلمي "هروب إلى الفضاء" بدأتها بقولي إن حسين قدري في هذه الرواية رفع عيوننا نحو الفضاء ليطلعنا على مدينته الفاضلة في كوكب يعرف سكانه كل شيء عن كوكبنا الأرضي ولا نعرف نحن شيئا عنه إلا من خلال متطوعينا الثلاثة: الصحفي فريد حمدي، والمصور الصحفي أيضا عبد المنعم، ونهلة ذات الأربعة عشر عاما ابنة أخت فريد حمدي. وعندما هبطت سفينتهم على هذا الكوكب اتضح أن سكانه يتكلمون لغة واحدة هي خلاصة كل لغات الكون وأنهم يرحبون بضيوفهم، وأن البشر هناك كالبشر تماما على سطح كوكبنا، كل ما هناك أنه "المجتمع المثالي الذي كان حلم البشرية طول حياتها" على حد تعبير قائد مجموعة المرشدات اللاتي صاحبن الضيوف الثلاثة القادمين من الأرض، فليس لهذا الكوكب رئيس وإن كان له كبير بحكم أنه أكبر سكانه سنا فقط (ولو أن مثل هذا الشخص في نظرنا ليس أكثر الناس ملاءمة للحكم في أغلب الأحوال، لأن كبر السن الشديد يصحبه عادة ضعف في قوى الحس والعقل رغم أن كاتب هذا المقال في الحادية والتسعين) ثم إن الناس متساوون، والمدن متشابهة فلا توجد عاصمة، والاختراعات متقدمة.


    ونهاية الرواية تذكّرنا بنهاية أهل الكهف الذين استيقظوا بعد مئات السنين ليجدوا أن كل شيء قد تغير وأن أجيالا ماتت وأخرى وُلدت، لهذا فأثناء رحلة العودة انتهزت نهلة فرصة استغراق خالها في النوم واستطاعت بمساعدة هابى من سكان الكوكب الفضائي التي رافقتهم في رحلة العودة إلى الأرض أن تعكس اتجاه السفينة الفضائية للعودة إلى الكوكب مرة أخرى لا لكي يناموا مثل أهل الكهف بل لكي يعيشوا مع أحبائهم وأصدقائهم.


    وواضح أن حسين قدري يوجه النقد إلى كوكبنا الأرضي ابتداء من أدق تفاصيل الحياة اليومية للأفراد كعلاقات الزواج وعاداته حتى التصرفات العامة بين الدول كالحروب. ثم زعم أن الناس في مدينته الفاضلة سعداء لأنهم لا يعملون دون أن يقدم لنا البديل: كيف يستغلون طاقاتهم وأوقات فراغهم؟ ما الذي يدفعهم إلى الرغبة في الحياة وهم متساوون هذا التساوي المطلق فلا يكمل بعضهم بعضا شأن الطبائع الإنسانية؟ أخشى أن يكون حسين قدري قد ذهب إلى أقصى الطرف الآخر، فجعل سكان مدينته الفاضلة كائنات غير بشرية سعادتها في الكسل المطلق، لهم حقوق وليست عليهم أية واجبات.


    وكان حسين قدري قد نشر في 6 ديسمبر 1975 مقالا عنّي في مجلة الإذاعة والتليفزيون ضمن سلسلة مقالاته بعنوان "أيام من حياتهم" افتتحه احتفالا بتعييني مديرا عاما للمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة حاليا). لأعود فيه بهذه المناسبة وبضمير المتكلم وبلغة المقال لغة الحديث المتداولة إلى لقطات سابقة من أول توقيع وظيفي في حياتي في مدرسة المعهد العلمي للبنات بالعباسية حتى تعييني مديرا عاما بعد ثلاثين عاما، مستعرضا شريط حياتي في تلك الفترة. بل أعادني حسين قدري إلى شبابي المبكر حين كان في بيت والدي مكتبة دينية كبيرة لا تخلو من بعض الكتب الأدبية التي قرأتها في وقت مبكر من حياتي، فروايات الجيب في سن المراهقة: بوليسية وعاطفية وتاريخية ومغامرات واجتماعية، فقراءاتي وأنا في القسم الثانوي بالجامعة الأمريكية (أُلغى الآن) لأدباء الأربعينيات المعروفين وقتئذ، فالتحاقي بكلية الآداب قسم الفلسفة، فاكتشاف موهبتيْ القص وما أطلق عليه "القراءة الإيجابية"، فالنشر في مجلة الأديب البيروتية في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي حتى أن مجلة مصرية نقلت نصا أنشره فيها باعتبار أنه لأديب لبناني اسمه "يوسف الشاروني" (وقد ورد اسم شارون في نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم بالتوراة، بينما الشاروني نسبة إلى قرية شارونة بمحافظة المنيا في صعيد مصر فرعونية التاريخ) وبعد مدرسة المعهد العلمي عُينت مدرسا للغة الفرنسية في مدرسة ديروط الثانوية، ثم شاركت في أول مسابقة أدبية في حياتي بقصتي "سرقة بالطابق السادس" فزت فيها بالجائزة الثانية: خمسة وعشرون جنيها، بينما فاز نعمان عاشور بالجائزة الأولى ثلاثون جنيها، وقد أتاح لي هذا الفوز شراء كسوة جديدة لي حيث كان مرتبي بالكاد يفي نفقات معيشتي، كان ذلك عام 1948 أو 1949، بعدها سافرت إلى السودان حيث اكتشفت أن أدباءها يعرفونني لأن مجلة الأديب كانت منتشره بين أدبائها. وحين عدت إلى القاهرة عام 1952 (بعد الثورة) كانت الأحوال الأدبية قد تغيرت فنشأ نادي القصة الذي انضممت إليه وصدرت مجلة "الرسالة الجديدة" برياسة يوسف السباعي التي بدأت أنشر فيها بانتظام، وصدرت سلسلة "الكتاب الذهبي" التي نشرت لي أولى مجموعاتي القصصية "العشاق الخمسة" عام 1954. وحدث أهم تحول جذري في حياتي حيث تركت عام 1956 التدريس وانضممت لمجموعة الأدباء والفنانين العاملين بالمجلس الجديد: الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، لأعمل مع جوقة من شيوخ الأدباء والمفكرين أعضاء المجلس الأعلى، وزمالة العاملين معي من شباب المبدعين شعراء وروائيين وتشكيليين وسينمائيين وموسيقيين لأكتشف بعد ثلاثين عاما أنني الوحيد الباقي بالمجلس من هذه المجموعة التي شاركت معي في إنشاء المجلس منهم من غادروه إلى مناصب أخرى في مقدمتهم يوسف السباعي الذي أصبح وزيرا للثقافة ومنهم من غادروا الحياة.