« بعد نهاية الأشياء » .. بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل

20/05/2016 - 2:21:00

غلاف الكتاب غلاف الكتاب

د. مروة مختار - ناقدة مصرية

   تثير مجموعة قصص الكاتبة والمترجمة المصرية هناء نصير "بعد نهاية الأشياء" أسئلة مختلفة في ذهن المتلقي، وتطرحها بشكل غير مباشر، أول هذه الأسئلة عن جدلية العلاقة بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل لدورالمرأة في مجتمعنا العربي، والسؤال الآخر عن طبيعة استدعاء مضمون العمل الأدبي لشكل كتابته الفنية.


    هناء نصير في مجموعتها تود مخاطبة كل نساء الأرض وتجيد التحدث بلسانهن: "إلى كل امرأة ـ مثلى ـ ترنو إلى التحليق وتحرر الخيال.. لكن يخذلها جناحاها المثقلان"، فاختارت قالبا غير تقليدى وهو الكتابة "عبر النوعية" ليمكنها من العزف على أوتار شتى تشبع من خلالها رغبتها العارمة فى التحرر والتحليق.


    تأخذك القراءة الأولى لهذه النصوص لاتجاه ذاتي مفرط سرعان ما يزول لترى أنه يتماهى مع واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي بشكل بالغ السلاسة فتتنقل بنا من الشأن العام إلى الشأن الخاص ومن الشأن الخاص إلى الشأن العام دون أدنى حرج أو ملل.


    لا تكتفي الكاتبة بالعنوان لتصنع لنا جوا يثير التساؤل عن ماهية مجموعتها، بل تسارع ببث بعض أنفاس الأجوبة قبل الولوج لورقتها الأولى ممثلة في أبيات "نجيب سرور":


إنا لتعجزنا الحياة..


فنلومها... لا عجزنا،


ونروح نندب حظنا،


ونقول: هذا العصر لم يخلق لنا!


ـ هو عصرنا!!


ـ لكننا لسنا به الفرسان..


نحن قطيع عميان يفتش في الفراغ عن البطولة،


والأرض بالأبطال ملأى حولنا!


ـ ملأى.. ولكن باللصوص!


    هذه الأبيات تتوازى دلاليا مع عنوان المجموعة "بعد نهاية الأشياء، من أوراق فتاة ولدت متأخرا"، فكلاهما يدور في فلك واحد، نحن أبطال، ولكن لم نخلق لهذا العصر.


    بعد نهاية الأشياء ـ عنوان المجموعة ـ هو الخيط الرئيس الذي يجمع أوراقها برمتها، وهو الثيمة المتكررة عبر أوراقها المختلفة، بشكل غير مباشر أحيانا أو بشكل مباشر حينا آخر كما صرحت الكاتبة في ورقتها الأولى "إننى ولدت بعد انتهاء التاريخ ونهاية الأشياء....". تظهر في المجموعة بعض آثار قيود العادات والتقاليد على حرية الفتاة، وعدم قدرتها على المرور بتجارب كافية تؤهلها لمواجهة الحياة بشكل يتسم بالنضج والقوة، وتلك هى طبيعة البيئة العربية، تتردد الفتاة بين الرغبة والرهبة، تريد أن تحيا ولكن مجتمعها يريد لها حياة أخرى رُسمت وخُططت على شاكلة من سبقوها، حتى صرحت "ألا يكون للإنسان الحق في الخطأ أحيانا" لهذا اختارت مهنة الأدب، لتحظى بحيوات مختلفة لم تمر بها في الواقع، ولأنها ـ من وجهة نظرها ـ مهنة تجمع بين عدة مهن.


    منحنى الزمن هو أبرز الخطوط تفاعلا مع نصوص هذه المجموعة عبر النوعية، فقد أسهم في تشكيل ملامح أوراقها، ومنح الكاتبة حرية الحركة والتجوال بين الأزمنة المختلفة، الماضي والحاضر والمستقبل، تلك الحرية التى سُلبت منها لأسباب متعلقة بشخصيتها وبثقافتنا وبواقعنا القاسى وبمجتمعنا وبموروث نظرته للمرأة والربط بينه وبين مظهرها الخارجي. خيط الزمن الماضى هو الأكثر حضورا في هذه المجموعة، لا بفعل الحكي وإنما رغبة في معاصرة أحداث ماضية ومعايشتها والمشاركة في تشكيلها وصنعها ولو بأقل جهد، وإن لم يذكر اسمها، كأن تكون زوجة مخلصة لأحد المعتقلين على سبيل المثال: "أرغب في اقتحام حاجز الزمان والمكان والموت أيضا، لأكون في قلب الحدث، أؤيد وأحذر وأرفض، ولكن هل أبكي الرجل أم أبكي على حالى... لتفاهتى وانعدام قدرتي على إحداث تغيير؟". تبكي حالها وتصف رفضها للعيش في عصر تأمرك فيه كل شىء حولها.


    الكاتبة موجودة بالفعل في زمن همشها، ترى كل ما فيه نتائج لمقدمات سبقت وجودها، ولم يسمح لها بتغيير تلك النتائج أو تعديلها أو مجرد إبداء الرأي، ففرت للوجود بالقوة في أزمنة اختارتها بعناية لتبحث لها عن دور بداخلها، قدرتها على اختيار تلك اللحظات الزمنية هى تعبير عن تمردها على لحظات تحياها في الواقع بلا جدوى ملموسة تراها، بلا أثر فاعل وحقيقي يتناسب مع قدرتها ووعيها الكامن، نراها تهرب لمرحلة الستينيات بكل ما فيها من جمال وفن ورقي واحتضان مصري أصيل واستقطاب للفنانين من أرجاء الوطن العربي، وقبل هذا وذاك علاقة المصريين ببعضهم في زمن عز فيه الصديق، تستدعي الكاتبة شعر أشرف عامر لتتمم فكرتها:


لم يعد الأصدقاء


هم الأجمل


وملح الوطن


لم يعد فاتحا لشهية أبنائه.


   جيل الستينيات كان حلمها وسط بطلات أفلام "أنا حرة، المراهقات، حواء على الطريق" ولكنها تحلم أيضا باختفاء الصفعات من على خدود النساء في تلك الأفلام. وجود الكاتبة بالقوة في أزمنة امتدت للعصر الفرعوني تبحث لنفسها عن دور تسهم من خلاله في تشييد تلك الحضارة العريقة، يقفز بنا في سرعة فائقة إلى وجود آخر بالقوة ولكن هذه المرة في المستقبل، فستحضر فكرة تشبه فكرة "الخيال المتصل" عند المتصوفة، حيث يوم القيامة، فتريد أن تسعد برؤية ما حجب عنها في نفوس البشر، فهى شغوف بمعرفة الوجه الآخر للأشياء حتى وهى تحاسب.


    ماذا ننتظر من جيل على مشارف الأربعينيات ومازال يبحث عن دور حقيقي يختاره بنفسه لنفسه، ولكن واقعه يخذله ويهزمه ويهمشه، جيل موجود بالفعل ولكن حكم عليه باللاوجود، فقرر أن يبحث عن مكان آخر في الماضي القريب أو البعيد أو المستقبل بغيبه ليكون موجودا ولو بالقوة.


    إن لحظات السلام الوحيدة في حاضرها هى لحظات القراءة، وهى أيضا هروب ضمنى من الواقع، الواقع الذي لم يمكنها من أن تتخرج في كليتها بكفاءة لتعمل مترجمة في الأمم المتحدة مثل الأديب بهاء طاهر، الواقع الذي لم يمكنها من العمل في بعض الأماكن نظرا لحجابها، الواقع الذى يفرض عليها سماع كلمة "نسوان" فتغضب وتندفع لسؤال عن الماهية والوجود عند المرأة ،وتقر بأن ماهية المرأة لاحقة على وجودها في مجتمعنا عكس الرجل، وأن المرأة في مجتمعنا تحارب من أجل أن تحظى بالاحترام والرجل يحظى به تلقائيا.


    حاضرها ارتبط بصدور الأعمال الإبداعية المجمعة، فتضآلت أحلامها في الكتابة كلما رأت فكرة سُبقت إليها، حاضر كانت تتمنى أن تصادف فيه حبا في المرحلة الجامعية مثل قريناتها وأن تُهدى باقة زهور في عيد الحب ولكن لم يحدث، إلى أن قابلت شهريار.


    شهريار في هذه المجموعة عبر النوعية حظى بتكريم لافت، فورقته هي الورقة الوحيدة التى وضعت لها الكاتبة عنوانا "شهرزاد ولكن"، وكأنها تؤكد أنها لحظة فارقة في واقعها غير الموسوم، تؤكد طغيان حضورها بالقوة والفعل معا. واقعها القاسي الذي لم تستطع تغييره أخدت منه التكنولوجيا لتتحايل بهاـ في لعبة ذهنية ـ على نهايات الأفلام لترسم نهاية جديدة غير معتادة.


    جدلية الوجود بالقوة والوجود بالفعل، التى لم تستطع تغيير الواقع، تمردت على شكله الثابت، بكتابة عبر نوعية تداخلت فيها الأنواع الأدبية بين القصة القصيرة جدا والخاطرة والمقال والتدوين، ومن ثم اختلفت مستويات اللغة اختلافا كبيرا في كل ورقة عن سابقتها ولاحقتها.


    نحن أمام محاولة تصنع وجودها بالفعل عن طريق الكتابةـ رغم حالة التردد التى اعترت كاتبة المجموعة قبيل النشر ـ ووجود عبر عن نفسه باللغة، كما وصفها أحد الفلاسفة بقوله: إن الشكل الباطن للغة بوصفه صيدا يلتقي عند اللغوي والفيلسوف إذ يتجلى العقل في صورة اللغة كما تتجسد اللغة في صورة العقل.


    هناء نصير تبحث عن نفسها في أوراق مجموعتها "بعد نهاية الأشياء"، ونحن نبحث معها


عن جيل بأكمله.