جبل الطير وشجرة العابد .. العرفاني في ثوب المعرفي

20/05/2016 - 2:19:08

عمار على حسن عمار على حسن

إنتصار عبد المنعم - كاتبة مصرية

في الوقت الذي تأثرت فيه الروايات بالواقع آخذة سمته العشوائي منعكسا ذلك على لغة السرد والقضايا المتضمنة والمنشغلة بها، بل موغلة في نقل الواقع كما هو بلا محسنات أو تجميل لتشوهاته.. نجد أن عددا غير قليل من الروائيين تحايلوا على هذا الواقع المفروض على الجميع، بالتسامي فوقه والاستعلاء عليه ومخالفته كنوع من الحيل النفسية المعروفة لمواجهة إحباطات هذا الواقع والتمرد عليه. فالعجز عن مواجهة التشوهات المجتمعية نتيجة التأزمات السياسية، وعدم القدرة على التأقلم وتقبل هذا الواقع أدى إلى العودة إلى التاريخ، والتفتيش في التراث العرفاني المعرفي الصوفي، وما يشتمل عليه من سمت أسطوري يختص به.


    وفي روايتي: شجرة العابد" ثم "جبل الطير" لعمار علي حسن، نجد ميلا إلى الاستعلاء على هذا الواقع المأزوم بخلق واقع آخر بديل أو مواز له يستدعي جماليات التاريخ وبين طياته يدس قبح الحاضر من أجل الوصول إلى طريقة ما لمجابهته. ولا يعني هذا أننا بصدد رواية تاريخية، بل كما يقول عبد الإله بن عرفة "الأديب الحقّ هو من يشهد بحضوره على أحداث التاريخ بحيث يخرجها من ماضويتها لينفخ فيها روح الحياة وليدلي بشهادة حضوره حولها، ويؤكد على استمرار نتائجه".


     تغوص الروايتان في واقعية سحرية خاصة بهما، وتنحوان إلى أن تكونا روايتين معرفيتين عرفانيتين صوفيتين. فمفتتح الروايتين يقود إلى اعتبارهما امتدادا واحدا وعلى الطريق المعرفي العرفاني نفسه. ولكن إن كانت "شجرة العابد" ترتكز على المعارف العرفانية، إلا أن "جبل الطير" تجاوزت ذلك بمراحل، ففي هذا الجو العرفاني وظفت التاريخ وناقشت قضاياه الأخطر مثل التطرف الديني وصورة رجل الدين السلبية، والعلاقة بين العلم والإيمان، ومكانة المرأة ناقصة العقل والدين في نظر المتشددين، واشتراط محبة النساء كعتبة لكمال دين المرء في رأي المتصوفة وأصحاب الطريق.


    افتتح المؤلف "شجرة العابد" بمقولة محيي الدين بن عربي "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه"، و"جبل الطير" بمقولة الجنيد "الحكايات جند من جنود الله تعالى، يقوي بها قلوب المريدين". وبدأت "شجرة العابد" بمونولوج يناجي فيه عاكف صفية ويتذكر قوله لها: أنت شيخي وأنا مريدك.. كما بدأت "جبل الطير" بحديث سمحان إلى جميلة زوجته ورفيقة روحه. ويتجلى الاهتمام بعالم الدراويش ورقصهم الذي يربط الأرض بالسماء في حركة دائرية كما في دوران الشيخ حسن حول نفسه "حتى بدا خيطا أبيض يلوح في الأفق، ثم صعد الخيط إلى أعلى حتى غاب في زرقة السماء "شجرة العابد". بينما سمحان في "جبل الطير" يشارك في جلسات الذكر وحضرات أتباع مولانا الرومي، ويصف الدراويش في مولد سيدي الفولي بمدينة المنيا وهم يدورون حول أنفسهم ليرسموا هالات افتراضية يعتقدون معها أنهم يسبحون في الفضاء الرحب بعد أن تتسامى نفوسهم عن الصغائر". بل إن القارئ يستطيع أن يجمع المعارف من الروايتين، ساعد في ذلك طبيعة الرواية من حيث قدرتها على استيعاب النصوص سواء كانت من الشعر أو النثر، بل نجد أنفسنا أمام أحداث تاريخية من غير أن يخل ذلك ببناء الرواية من حيث كونها عملا أدبيا وليس عملا تاريخيا.


    في "شجرة العابد" تمتزج  المعارف التاريخية مع العرفانية عن مسجد السلطان حسن، وعن ذي النون، ومعروف الكرخي، وجميع ما جاء عن الشجرة في القرآن الكريم، وحزب الوقاية لابن عربي. وفي "جبل الطير" هناك معارف متنوعة منها ما يختص بالتاريخ وبأحوال الناس وعلاقتهم بآلهتهم التي تتغير بتغير الأزمنة والملوك. كذلك عن تاريخ كنيسة سيدة الكف، ومشاهد الليلة الختامية لمولد العذراء واختلاط الديني بالدنيوي فيه، ومجيء أصحاب الحاجات من المسلمين والمسيحيين يرجون من أم المخلص تلبيتها، ومعلومات عن القديسة دميانة ودير أبي سيفين ومقامات الأولياء وحكم الزواج من مسيحيات والفتح الإسلامي لمصر، وغيرها.


    في نهاية "شجرة العابد" يتخلى عاكف عن كل شيء ما عدا كتاب "طوق الحمامة" وهو عن المحبة التي تجعل عبد العاطي يعاتب سمحان معلما له قائلا "حب الله وحب النساء من صفات كمال البشر"، و"القرآن الكريم" وهو دفتر الماضي والحاضر. وبينما كانت "نمار" في "شجرة العابد" تحدث "عاكف" عن تاريخ الممالك والدول البائدة، تأتي "جبل الطير" ليدخل سمحان هذه الممالك ويعيش حياتهم بنفسه ويصبح  مشاركا في أحداث التاريخ وليس ساردا لها. وفي الروايتين نلاحظ الزمن الدائري أو الحركة الدائرية التي تسير وفقها الروايتان، فالفصل الأول فيهما يحمل عصارة الرواية، تبدو فيه أحداث الرواية مثل قطرات صغيرة، ثم تبدأ الرواية في التمدد إلى الأمام لتعود مرة أخرى إلى نقطة البداية أو نقطة ارتكاز الدائرة لتكون النهاية بعدها. ورغم الدائرية الزمكانية، إلا أن في الروايتين مجموعة من الخطوط الممتدة على استقامتها فيما يخص رسم شخوص الروايتين والقضايا المتضمنة لأحداث الروايتين على الرغم من اختلاف الفضاء الزماني والمكاني..


صورة رجل الدين والتعصب


    تُـعد عملية رسم شخصيات أي عمل أدبي من العناصر المهمة التي قد ترفع من قيمته، أو تهوي به. وربما تنطق الشخصيات بلسان الكاتب نفسه لتعكس أفكاره وآراءه، وقد تكون صورة مجتزأة أو ضبابية لنفس الكاتب، فكما ذهب "تشارلز ماي": "الشخصيات هي أقنعة اجتماعية في قص واقعي، وتجليات رمزية في قص رومانسي، وتتحول في عملية السرد إلى مجاز.." وهكذا اهتم "عمار علي حسن" برسم شخوصه لتعكس وجهة نظره في الحياة والسياسة والدين وهي الرؤية نفسها التي يتناولها في مقالاته المتنوعة. ففي "شجرة العابد" قدم جانبا من شخصية (رجل الدين) ليكملها في "جبل الطير" لتكتمل الصورة موضحة الجانب الإيجابي والسلبي في الشخصية، وكيف يتم استلاب وعي الناس بتأويلات مختلفة لكلام الله. ففي حوار العابد عاكف مع الجنية "نمار": "كتب الله عظيمة وخالدة، والمشكلة في المتنطعين والمنتفعين من بني جنسك الذين لا يفهمون كلام الله، أو يحرفونه، أو يقولون عليه مالم يقله".


    وفي جبل الطير يقول سمحان: "لماذا يتناحر الناس حول السماء وهي عالية وجليلة ومترامية وكافية كي تظللهم جميعا؟ ولماذا تسيل دماء باسم الله وهو يرزق الكافرين به كما يرزق المؤمنين؟".


    وفي "شجرة العابد" تأتي  صورة رجل الدين الحقيقي متمثلة في صورة القس برسوم الذي يؤمن بحركة الشيخ القناوي الإصلاحية ويساعد صفوان على الهرب ثم يخفيه ثلاث سنوات في كنيسة "أبو سرجة" ويدور الزمان ليساعد أيضا صفية ويخفيها في دير القديس أنطونيوس، بل يقوم القساوسة بمساعدة عاكف على بناء زاوية ليصلي فيها بجوار الدير.. ثم تُكمل "جبل الطير" صورة الواقع بنموذج القس أبانوب الذي يعامل جميلة بقسوة متهما إياها بالزنا منافيا لروح الدين، وكاذبا بشأن سمحان لينقله إلى مكان آخر بعيدا عن جميلة، ليقر عمار علي حسن حقيقة أن: "كما أن هناك شيوخا يكذبون، هناك قساوسة يفعلون ذلك، وكذب هؤلاء وهؤلاء يخصهم هم، ووزره عليهم، ولا يخص الدين، ولا يحمله وزرا". ويُظهر إيمان جميلة الذي لا يحتاج إلى واسطة أو قس اعتراف: "هل كل من في الكنيسة صالحون كي يسمعوا أوجاعنا ولا يمسكون منها ما يذلنا؟" وقول المسيح عن نفاق رجال الدين "إنكم تتقون ظاهر الكأس والصحفة وهما في الباطن مترعان بالرجس والدعارة... ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون، إنكم كالقبور المضيئة، خارجها طلاء جميل وداخلها عظام نخرة".


    وعلى الجانب الآخر نجد صورة المتشددين من السلفيين والجماعة الإسلامية الذين يرهبون سمحان وجميلة بكل الطرق متسترين بالدين يستنطقون القرآن بما يريدون، محاولين دفع سمحان إلى إجبار جميلة على الدخول في الإسلام أو طلاقها، يحاصرون منزلهما يوجهون لهما تهمة السحر والشعوذة عندما تظهر كرامات أولياء الله لتخلص جميلة من أيديهم. وفي الوقت الذي تظهر فيه مسالب الجماعات الإسلامية المتشددة تحكي جميلة عن طائفة الأميش التي ظهرت في الغرب خلال العصور الوسطى لتقاوم الإصلاح الديني، ولا يزال لها قلة من الأتباع في أمريكا. تصفهم جميلة وكأنها تتحدث عن هيئة المتشددين السلفيين لندرك أن التعصب لا دين ولا وطن له، فأبو حذيفة الذي يريد كسب مسلم جديد يهدد سمحان ويدعي احتكار الدين وفهم القرآن وتفسيره وهو الذي لم يكمل تعليمه، وكأنه يملك وحده صكوك الجنة والغفران  مثلما كان يدعي رجال الكنيسة لا فارق فكلها تجارة ولا شيء أربح من تجارة الدين.. بل إن القس أبانوب تجاهل وصايا المسيح: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" متهما جميلة في شرفها. بل في رحلات سمحان التخيلية التي يعبر فيها الزمان والمكان، نرى الصراع الديني بين الكهنة والقساوسة لفرض وجهات نظر معينة فيما يخص صورة الإله.. ويصرخ سمحان: الكل يبحث عنك فدلني عليك.


    وبينما تظهر الصورة المتشددة في المشتغلين بالدين من الجانبين، نجد أن الإنسان البسيط يتجاوز هذه الإشكالية عندما يجد نفسه في حاجة إلى قوة علوية، فلا يهتم بتصنيفها، وهكذا يلجأ والد برهان إلى "أم المخلص" لتساعد ابنه على المذاكرة يدعوها في خشوع وتنهمر دموعه ثم يخرج من عندها متجها إلى الراقصة "ريري" التي يطرب لها ويقدم لها النقوط بكل بساطة.. وعبد العاطي يخبر سمحان عن عادته في زيارته لكنيسة العذراء وكأنه يشم رائحة ثيابها التي غسلتها في نفس مكان كنيستها.


    وعلى الرغم من تفوق الشخوص الذكور عددا، إلا أنه في القليل من المؤنثة منها قد برع "عمار علي حسن" في تصوير هذه الشخصية سواء بالنسبة ل"صفية" في شجرة العابد و"جميلة" في جبل الطير لتتجلى فيهما المرأة كأسطورة ورمز، فهي إيزيس، أو عشتار القادرة على منح  الخصب والحياة. وهي المرأة الوطن، وهي الملهمة التي ينبثق منها فيض النور والتنوير في لحظات التجلي، أي جاء أنموذج المرأة أسطوريا يجمع بين قوة المنطق وروحانية الدين، وفي الوقت نفسه تتمتع بجمال الحضور الجسدي.. ومن الملاحظ أن العاطفة لم تسيطر على عقل المرأة في الروايتين، وهكذا جاء حضور المرأة فاعلا على الدوام تقود أحداث الرواية. فشخصية "جميلة"، التي تخلت عن أربع سنوات قضتها تحت الاختبار لتصير راهبة لأنها لم تتحمل أن يكون باطنها خلاف مظهرها. فأحلامها مليئة بالشهوة وتأخذ بنصيحة رفيقتها "فما دام جسدك جائعا فروحك لن تنعم بالسكينة والصفا والسلام". وبعدما تزوجت بسمحان المسلم لم تجد في نفسها حاجة لدخول الإسلام فما تقوم به من طقوس تعبدية لا تختلف عما يقوم به سمحان العابد الصوفي، وعندما يتناقشان عن مفهوم الرهبنة تقول جميلة: تترك الدنيا وراء ظهرك ويملأ الله قلبك بنور المحبة وتنشغل بالباطن" وتقول "لا يعوضني عن الرهبنة سوى الحب" و"بزهدك أواصل الطريق الذي تركته من أجلك" فيرد عليها بأن طريق الله واحد وتذهب معه إلى المغارة التي يتعبد فيها وتجدها لا تختلف عن قلاية الرهبان.


    ينحو عمار علي حسن إلى إثبات أن العقل والإيمان لا يتعارضان ولا ينفي أحدهما وجود الآخر. وجاء ذلك في حوارات سمحان وبرهان وهل نصل إلى الله بالعقل فقط أم بالروح. وحوار الرجل ذي المظهر الخشن والرجل الأعور (أريوس وسمعان الخراز) لإثبات أن "معجزة الله التي لا تنقضي، ووهبها لجميع البشر بحظوظ متفاوتة، فهي العقل".. هذا العقل الذي أوصل حفيد سمحان بن برهان إلى المدينة العلمية العالمية التي تجسد "كرامات العقل الذي يرينا العجائب".