السادة الغزاة الأكاديميون

20/05/2016 - 2:17:32

محمد حافظ رجب محمد حافظ رجب

رجب سعد السيد - كاتب مصري

  استوقفني حديث منشور للدكتور صلاح فضل، في موقع وزارة الثقافة السورية، بتاريخ 19 ديسمبر 2006، يقول فيه "إن ساحة النقد في مصر فقيرة"، ويضيف، وهذا هو الأهم: "أميِّـزُ بين نوعين من الأكاديميين: أولئك الذين يقومون بتدريس الأدب والنقد وتاريخه، وهؤلاء متوفرون في كل الجامعات العربية بنسب عالية ومطمئنة؛ لكن الناقد ليس مجرد دارس أكاديمي أو مؤرخ للفكر، لا بد أن يكون خلاقا له، ولا يستطيع أن يخلق الفكر النقدي دون التفاعل الحي مع الواقع الإبداعي، ومن بين مئة أكاديمي لا تجد خمسة نقاد حقيقيين، فيما يشكل الباقون ظاهرة مرضّية". وأحسبه مصيبا تماما فيما ذهب إليه، وهو الأكاديمي الخبير العليم ببواطن ما يجري في الأروقة الأكاديمية، مما ينتهي بمثل هذه الظاهرة المرضية التي يشخصها، وغيرها.


    إن فضل في هذه الشهادة التي جاء بها، كواحد "من أهلها"، ينظر إلى الأكاديميين المشتغلين بالآداب، فيرى بينهم (تدريسيين)، يطمئن هو إلى توفرهم، كمّا، لكنه لا يتطلع إلى أكثر من خمسة بالمائة منهم، يستحقون أن يوصفوا بالنقاد؛ وتتجسد مشكلة النقد الأدبي عندنا في صور مختلفة، أوضحها عندما يتصدى هؤلاء (95%) من حملة شهادات الدكتوراه في فروع الآداب، في الجامعات المصرية، للنقد الأدبي، ويفرضون أنفسهم على الساحة، تتقدمهم ألقابهم العلمية ذات البريق، فتتفتح لهم الطرق، لمجرد أنهم أساتذة بالجامعة، فليس لدى الجميع مقياس كالذي بيد صلاح فضل، الذي أستعيده من حين لآخر في مناسبات عديدة، لتتأكد لي صحته.


    تذكرته وأنا أستمع إلى أحد حاملي رتبة الـ (أ. د.) الموقرة يتحدث عن ديوان شعر حديثا سبق أن استمعت إليه منه، هو ذاته، وهو يعالج رواية، فالرجل لا يملك إلا (مداخلة عامة) واحدة، يدور بها في كل المنتديات، وكل المناسبات، تسعفه ملكاته اللغوية على تلوينها، حسب مقتضى الحال! وأتذكره كلما فرضت عليَّ الظروف أن أتابع نماذج أخرى، عديدة، تنتمى لنسبة الخمسة والتسعين بالمائة، من أقسام الآداب في جامعة الإسكندرية، وغيرها. واحدٌ، ممن ينتمون إلى هذه (الظاهرة المرضية)، كان يناقش نصا لمحمد حافظ رجب، في ندوة، وأخذ يقرأ من النص: "وقالت (هنــا).."، فتوقف وأخذ يصيح: انظروا.. يا للروعة.. إن الكاتب يهتم بأن يوضح لنا مكان فعل القول.. هُنــا! وأدرك كل من بالقاعة أن الرجل قرأ اسم المرأة (هنا) على أنه ظرف المكان (هنا)، ولم يحاول، حتى، أن يتدارك الموقف!


    وفي مؤتمر لإقليم شرق الدلتا، لم أطق صبرا على الأستاذ الجامعي الذي كان يقرأ مشاركته من ورقة، ولم يقرأ سطرا واحدا قراءة سليمة لغويا، فواجهته بأنه قد ذبح اللغة العربية ذبحا، وهو الأستاذ بقسم اللغة العربية بإحدى الجامعات الإقليمية.


    ويمكننا أن نتفهم التباين في القدرات، وكلنا يعرف أن الإحكام قد بات مفتقدا في كثير من النظم الجامعية، وبينها نظام ترقية أعضاء هيئة التدريس، حتى أنه يقترب حثيثا من طبيعة نظام الترقية الآلية عند الموظفين العموميين، إذ يخضع الآن لاعتبارات أخرى، غير الجدية والجدة. ولم يكن أحد ليهتم كثيرا بذلك الشأن الأكاديمي الخالص، لو أن أصحابه تواروا به خلف أسوار الجامعة؛ ولكنك تفاجأ بأنهم – على ما هم به من عيوب ونقائص – يلملمون بعضهم بعضا، ويتساندون، محتلين عضويات لجان المجالس الثقافية بمختلف مستوياتها، متحكمين في مبدعين وكتاب ومفكرين، لا ينتمون إليهم فئويا، حتى أن المرء ليعتقد أحيانا أن لجان المجلس الأعلى للثقافة، على سبيل المثال، هي لجان جامعية، وليست تابعة لإحدى هيئات وزارة الثقافة. وكان يمكن للوضع أن يكون محتملا لو أن عملية (الغزو) الأكاديمي لنواحي حياتنا الثقافية مشمولة بالكفاءة، ولكن يسهل للمراقب المهتم أن يتبين أن معظم الحشد الأكاديمي المتصدي لقيادة حياتنا الثقافية هم من الخمسة وتسعين بالمائة الذين حددهم صلاح فضل.. تجدهم متحصنين خلف درجاتهم العلمية، بلا مواهب حقيقية، وبلا رؤية متكاملة للعمل الثقافي، بل إن الكثيرين منهم لا يميز بين العمل التثقيفي في الحياة العامة واشتغاله كـ (خوجة) بين جدران الدرس. وكان أستاذ كبير قد استجاب لإلحاح بعض موظفي الثقافة في أحد منتديات الإسكندرية، فأنشأ صالونا يحمل اسمه، فكان يأتي إلى لقاء جمهوره ليقرأ عليهم من أوراق هي ذاتها التي يمليها على طلابه الجامعيين، بغير أدنى إحساس بأن الذائقة والمستهدف مختلفان.


    وإن أحببت أن تراجع ما نتحدث عنه على حدث ثقافي عاينتُه بنفسي، فانظر في برنامج المؤتمر الخامس والعشرين لأدباء مصر (دورة الجيزة)، الذي كان مسماه الابتدائي (مؤتمر أدباء الأقاليم)، ثم ثار عليه أصحابه، لحساسية مرضية، فسلبوه جزءا من خصوصيته ليتوارى خلف تسمية تحايلية ساذجة، هي (مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم)؛ ثم أخيرا، تغير الاسم إلى مؤتمر أدباء مصر، في ضربة قاضية نهائية لمؤتمر كان مخصصا لرصد حركة الإبداع الحقيقية في مصر، خارج حدود العاصمة، ولإفراد كل خدمة المؤتمر للمبدعين المتمسكين بمواقعهم في أقاليم مصر. ولا عزاء للساكتين على ما جرى لمؤتمرهم، الذي أصبح – فعلا- مؤتمرا جامعيا، يسيطر عليه أساتذة الجامعة، ابتداء من الرئاسة حتى إدارة الجلسات، وقد وصل عددهم في مؤتمر الجيزة إلى 30 مشاركا أكاديميا، غير رئيس المؤتمر وأمينه العام. ومرة أخرى، لم نكن لنهتم بأن يحدث شيء كهذا لو أننا نضمن أن كل هؤلاء الثلاثين ينتمون إلى نسبة الخمسة بالمائة الحقيقيين، ولو توفر لنا اطمئنان إلى سلامة عملية اختيار انتقت هؤلاء الثلاثين (الحقيقيين) من بين ستمائة، على الأقل من الأكاديميين التدريسيين الذين يجدهم صلاح فضل يمثلون ظاهرة مرضية لحركة النقد. ومن خبرة سابقة، حاولت أن أتابع عددا من هؤلاء المشاركين في مؤتمر الجيزة، وأسماؤهم تتكرر في مؤتمرات الثقافة الجماهيرية متعددة المستويات، وفي غيرها من المؤتمرات، فلم أجد لدي معظمهم إلا المادة التدريسية الجافة، التي يروجون لها هنا وهناك، ويلقونها كأوراق بحثية في مؤتمراتنا، وتعترف بها اللجان الدائمة للترقية، فيكون المكسب لهم من كل جانب، والخسارة لجمهور الأدباء والمبدعين، وللمشهد النقدي.