الفحم .. مخاوف متخيلة عن عنصر مهم لحل أزمة الطاقة بمصر

20/05/2016 - 2:16:24

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الفحم في الصحف ووسائل الإعلام المصرية، بسبب ما أثير عن الاتجاه للاعتماد على الفحم في صناعة الأسمنت، نتيجة ما تعانيه مصانع الأسمنت من نقص في إمدادات الغاز الطبيعي، مما أدي لتوقف جزئي في بعض المصانع، وهو ما أفضي إلى انخفاض إنتاج الأسمنت، وارتفاع ثمنه خلال الفترة الماضية، والمقالة الحالية تتحرى صحة هذه المخاوف وتستطلع الآفاق المستقبلية لاستخدام هذا المصدر الطبيعي للطاقة.


    تتعدد ملامح أزمة الطاقة التي أمسكت بخناق المصريين قبل أكثر من ثلاث سنوات، حيث شكلت طوابير السيارات المتوقفة أمام محطات الوقود من الإسكندرية حتى أسوان أول ملامح هذه الأزمة، ومثلت ساعات انقطاع التيار الكهربي، وعلى الأخص خلال صيف عام 2012 ملمحا ثانيا ومؤلما لهذه الأزمة، ذلك الملمح الذي توج بالسكتة الكهربائية التي ضربت القاهرة فعطلت المترو والبورصة والبنوك والمصانع (الشروق: 10 أغسطس2012)، وعندما تجلي الملمح الثالث للأزمة –في عام 2014 - في نقص الوقود اللازم لبعض الصناعات مثل صناعات الأسمنت والألومنيوم والمسبوكات، تحركت بعض الأجهزة التي لم تبد اهتماما لما ترتب عن الملمحين الأولين للأزمة من اختناقات ومشكلات، ومن هذه الأجهزة اتحاد الصناعات المصري الذي دعا إلى اجتماع بمقره لممثلين عن مصانع الأسمنت والحديد والطوب وغيرها من المصانع المستهلكة للطاقة، وخلص المجتمعون إلى ضرورة الاتجاه للاعتماد على الفحم، وحجتهم أن 90% من مصانع الأسمنت على مستوى العالم تعمل بالفحم، وأن مصادر الطاقة المتجددة من الشمس والرياح لا يعّول عليها حاليا كبديل لمصادر الوقود الحفري (الأهرام: 22 مارس 2014)، وما أن ذاعت نتائج الاجتماع في وسائل الإعلام حتى قامت قيامة وزارة البيئة وبعض الهيئات المهتمة بحماية البيئة ودرء تلوثها، حيث انبرت الدكتورة ليلي اسكندر وزيرة البيئة (آنذاك) لمهاجمة اقتراح الاعتماد على الفحم في صناعة الأسمنت، وأكدت الدكتورة سميرة موافي ـ مستشار وزارة البيئة آنذاك ـ أن دراسات وزارة البيئة أثبتت أن الفحم أسوأ أنواع الوقود الحفري، وفي المقابل أعلن نشطاء من بور سعيد أن "الفحم لن يدخل بور سعيد إلا على جثثنا"! (الأهرام: 22 أبريل 2014)، ليختفي من خضم التصريحات والتصريحات المضادة العقلانية ومبادئ الحجاج العلمي.


الفحم  ـ كما هو معروف ـ صخر أسود أو بنيّ اللون من أصل نباتي، ويتكون من الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والكبريت والرطوبة والرماد، وأصل الفحم نباتات كانت تنمو في المستنقعات، لتتحول بتأثير الزمن والضغط ودرجة الحرارة – وبعد انطمارها بين طبقات القشرة الأرضية - إلى فحم، ونظرا لكبر محتوى الفحم من الكربون مقارنة بأنواع الوقود الحفري الأخرى، حيث يحتوي الفحم الحجري على ما يقرب من 90% من وزنه من الكربون، فإن ما يصدر عن احتراقه من غاز ثاني أكسيد الكربون يكون كبيرا أيضا، مما يعزز من مخاوف أصدقاء البيئة من تأثير التوسع في استخدام الفحم على زيادة انبعاثات هذا الغاز، والذي يعد مسئولا مع غازات أخري – ومن وجهة نظر علماء البيئة – عن ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي تعني عدم قدرة الطبقة السفلى للغلاف الجوي على السماح بنفاذ مركبات الإشعاع الشمسي المنعكسة من سطح الأرض إلى الفضاء الخارجي، ومن ثم تحتبس هذه المركبات في نطاق المجال الحيوي للغلاف الجوي، مما يرفع من درجة حرارة الهواء في عموم الطبقة السفلى للغلاف الجوي.


لم تكن وزارة البيئة المصرية وبعض المهتمين بالبيئة من المصريين أول من نادي بحظر الفحم من بين مصادر الطاقة، حيث حاول الملك إدوارد الأول في القرن الثالث عشر أن يمنع استخدام الفحم لاعتقاده بأنه السبب في تلوث هواء لندن، إلا أنه فشل في ذلك هو ومن جاء بعده من ملوك إنجلترا، وذلك لتهافت ما ساقوه من حجج إزاء ما اجتاح أوروبا من ثورة صناعية، اعتمدت في الأساس على الفحم كمصدر للطاقة، والآن فإن المعروف من مدى زمني لاحتياطات الوقود الحفري قبل نفادها، والذي ينحصر – وطبقا لتوقعات عدة جهات علمية – فيما بين نصف قرن وثلاثة قرون، يعد عاملا حاسما في دحض حجج الحظر.


نقض الأسباب


بالرغم من وجاهة ما يسوقه المعارضون لاستخدام الفحم من أسباب، إلا أن مناقشة هذه الأسباب تكشف ما يكتنفها من عوار، كالقول بأن استخدام الفحم في الصناعة وتوليد الطاقة سوف يتسبب في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو قول يرد عليه بأن ما كشفت عنه الأبحاث هو أن معدل انبعاث هذا الغاز جراء حرق الفحم يبلغ حوإلى 900 جرام لكل كيلووات ساعة، بينما يقدر هذا المعدل في حالة استخدام البترول بقرابة 850 جرام لكل كيلووات ساعة، وإذا ما علمنا أن الفحم يشارك بنحو 25% من إمدادات الطاقة على مستوى العالم، وأن البترول يسهم بحوإلى 35% من تلك الإمدادات (د. محمد مصطفي الخياط: "الطاقة.. لعبة الكبار")، لأدركنا حجم المغالطة في الزعم بأن الفحم مسؤول عن زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، تلك الانبعاثات التي تؤكد الأبحاث أيضا أنها شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة من عام 1950 وإلى ما قبل عام 1979، حيث توقفت الزيادة في معدل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون منذ عام 1979، لتسجل هذه الانبعاثات انخفاضا مستمرا منذ ذلك العام وحتى مطلع الألفية الجديدة (فاتسلاف كلاوس: "كوكبنا الأزرق في قيود خضراء")، وأما القول بأن تداول الفحم سوف يلوث البيئة المصرية بما قد يتسرب من شحناته أثناء نقلها أو تخزينها، فإن الرد عليه يتمثل في أن مصر تستورد سنويا قرابة 1.1 مليون طن من الفحم عبر ميناءي الدخيلة وسفاجا، وتستخدم تلك الكميات في مصانع الحديد والألومنيوم والسبائك المعدنية، بل إن ما يستخدمه الأردن الآن من فحم في مصانعه يصل عبر ميناءي الدخيلة والسويس (الأهرام: 22 أبريل 2014)، وبالرغم من ذلك فإن حادثة تسرب واحدة لم تسجل للفحم خلال السنوات الماضية، ولكن ما سجل من تسرب كان لشحنات من البترول أخذت طريقها لمياه البحرين الأحمر والأبيض ونهر النيل وفروعه في حوادث شهيرة.


يمثل الفحم لمصر بابا من أبواب الأمل في حل مشكلة الطاقة، حيث اكتشفت الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية الفحم بمصر في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وذلك بباطن جبل المغارة، الذي يبعد قرابة خمسين كيلومترا باتجاه جنوب غربي مدينة العريش، وتكفي الاحتياطيات المؤكدة لكشف جبل المغارة لإنتاج أكثر من نصف مليون طن من الفحم سنويا، وذلك لسنوات قد تزيد على نصف القرن منذ بدء الاستغلال الفعلى للكشف.


إن إنشاء محطة طاقة عملاقة في منطقة المغارة بسيناء خطوة في الطريق الصحيح للإفادة من ثروات مصر المعدنية، ولحل واحدة من أهم ما يعوق انطلاق مصر للتنمية والتقدم من مشكلات، وهو ما أدركت الحكومة المصرية مؤخرا حتمية المضي فيه قدما، حيث قدم وزير الاستثمار أشرف سالمان تقريرا إلى شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، عن معدلات تنفيذ الاتفاقيات التي تم توقيعها على هامش المؤتمر الاقتصادي الدولي الذي عقد بمدينة شرم الشيخ في مارس 2015، "وأكد وزير الاستثمار في تقريره أنه يجري اتخاذ إجراءات للبدء في تنفيذ عدد من الاتفاقيات، على رأسها مشروعات في مجال الكهرباء، أبرزها إنشاء محطتين تعملان بالفحم  بمنطقة الحمراوين" (الأهرام: 19 مارس 2016). وتقدر تكلفة هاتين المحطتين بحوإلى 10.4 مليار دولار، وتضمن تقرير وزير الاستثمار أنه يجري العمل حاليا لتنفيذ عدد من مذكرات التفاهم لمشروعات أخرى منها إنشاء محطتين لتوليد الطاقة الكهربية تعملان بالفحم، أولاهما بقدرة تبلغ 2000 ميجاوات يخطط لإنشائها في سفاجا، والثانية تقدر قدرتها بنحو 1320 ميجاوات من المزمع إقامتها شرقي بورسعيد. تنفيذ هذه الاتفاقيات يضيف إلى مصادر الطاقة بمصر مصدرا جديدا تعتمد عليه دولة كأستراليا لإنتاج 80% من إنتاجها من الطاقة الكهربية، ويفتح بابا للأمل في غد مشرق لا تكدره مشكلات حيوية، كمشكلة نقص المتاح من الطاقة عن الوفاء ليس بمتطلبات التنمية ولكن بالحد الأدنى المطلوب لحياة عصرية.