مصر المحروسة التي في خاطرنا

20/05/2016 - 2:15:17

د. محمد محمد الخطابي - كاتب مغربي، عضو الأكاديمية الإسبانية - الأمريكية للآداب والعلوم في بوجوتا (كولومبيا).

مصر التي في خاطرنا، وأفئدتنا، ووجداننا، وألبابنا، بعد طول عناء وطول انتظار، بعد أن قلوك زمنا.. وجرحوك أزمانا.. ابتدى المشوار.


    ها نحن نتطلع إليك اليوم من بعيد، نصغي إلى أنينك، ونتلظى لنداءاتك، ونتشظى لآهاتك، تذكرين العهد والجد والدار. خذلوك يا أيتها الأرض الطيبة، المحروسة، الآمنة، المعطاء، المباركة المخصاب.


    مصر التي في كياننا.. ها أنت تطلين علينا مشرئبة القامة، عالية الهامة، من قعر الهوة السحيقة واليم العميق اللذين لا قرار لهما، وما انفك فلكك يهيم تائها، متأرجحا، مترنحا، حائرا، يشق عباب بحر متلاطم، هائج، مائج، لججه عالية عاتية، وأمواجه هادرة مزبدة! لم يعد صيفك قائظا مستعرا، ولا خريفك شاحبا مكفهرا، ولا شتاؤك صقيعا منهمرا، وأصبح ربيعك مزهرا مزدهرا!


    تحملين همومك، وقلقك، وهواجسك، فوق ظهرك وتمضين، ولا أحد يبالي بآلامك، ومعاناتك إلا شعبك العظيم، وأهلك الطيبون، ولا أحد يكترث بأحزانك، وعذاباتك إلا أناسك، وأبناؤك البررة ومحبوك!


    مصر المحروسة.. كلمة سحرية تحمل في طياتها أجمل المعاني وأنبلها، تنثال على شفاه ناطقيها كقدر مشعل، أو كبريق غسق منبلج بين ثنايا دياجي ليل سديمي بهيم مدلهم، يند عنه فجر نوراني مشرق مضيء


    اشتدي أزمةٌ تنفرجي/ قد آذن صبحك بالبلج


    على الرغم من بعد المسافات، ونأي الصحارى، والقفار، وهول التوابع والزوابع، وانهمار البحار والأنهار، وشموخ الجبال والتلال، وشهق الآكام والمرتفعات، التي تفصل بينك وبين الهائمين بك، وبين خلانك وعاشقيك، فإنهم جميعا مدركون لا محالة، أنه ليس هناك قوة يمكنها أن تثنيهم مهما كان عتوها وجبروتها عن معاودة اللقاء بك، وتجديد عناقك، هيام متيميك لا يتغير، ولا يفتر، بل إنه يزكو، ويتكاثر، وينمو يوما بعد يوم، لا يطوله البلى، متجدد كالصبح الوهاج، متفتح أبدا كشرانق فراشات ورودك البلدية الزكية، وشذى أكمام زهورك الندية. وأفئدة المولهين بك، وبسحرك، وعطرك، وجمالك، وبهائك تنبض أبدا باسمك الساكن في كل جنان، والقاطن في كل كيان، والسائر على كل لسان.


    على الرغم من شحط المزار، والبعد عن الديار، وقيظ الفيافي، والمهامه، والمفاوز، والقفار، أنت يا مصر ملازمة لنا في معايشاتنا، ساكنة في لحظات عمرنا المنساب، وحاضرنا هذا الكئيب، كهيدب من إهاب، أنت ديباجة كل بيان، وسحر كل تبيين، وحاضرة أبدا في أعمق أعاميق الوجد والوجدان.


    أبو الهول.. ارتاع نابليون لرؤيته، وهلع وروع لنظرته الأبدية المهيبة المحيرة المخيفة، وملأ الحقد قلبه، ارتاع، والتاع لصموده وشموخه، ذات يوم تطلع إليه متزمتا مفتونا، أنكر ابتسامته، رآها ساخرة، متهكمة، مزدرية، متشككة، فأطلق مدفعه في وجهه الأبدي، وشوه أنفه، ولكنه لم ينل قيد أنملة من أنفته وكبريائه.


 أبا الهول طال عليك العصر


وبلغت في الأرض أقصى العمر!


    كم من رحالة تغنى بمآثرك، وافتتن بجمالك، وقناطرك، ومراعيك، وجنانك، ورياضك، وجداولك، وجدائلك، وحدائقك، وبساتنك، وريفك، ونهارك، وسواقيك، ونواعرك، وأمسياتك، وغسقك وشفقك، وصبحك ولياليك، وببحريك الناصع والقاني، اللذين يشقهما نيلك الخالد في انسياب أبدي سحري، أسطوري محير. وكم من زائر واله بك سحرته مناظرك، وأسرته آثارك، وأذهلته مآثرك، وبهرته أهراماتك، وقاطنوها خوفو، وخفرع، ومنقرع، وراعه أبو الهول ثابتا لا يتزحزح يتحدى الزمن.


    كم من رحالة انطلق من هذا الصقع النائي البعيد، منذ شيخ الرحالين ابن بطوطة الطنجي المغربي، إلى آخر مسافرٍ أو زائرٍ وصل لتوه إلى أرضك الفيحاء من كل صوب وحدب، سائرا، ساهرا، طائرا، ومهرولا، مشتاقا، ملتاعا، ليرتمي في حضنك الدافئ.


    من أي عهد في القرى يتدفق نيلك العظيم، كم أقام أجدادك على جنبات ضفافه المبثوثة بالبساط الأخضر، وعلى كثبانه، وسهوبه، وسهوله، ونخيله، وهضابه الفيحاء، أمنحتب، توت عنخ آمون، نفرتيتي، أخناتون، كليوباترا، حتشبسوت، رمسيس...


   كم من قصة حكيت، وأسطورة نسجت، وحكاية حيكت على وقع خرير مياهه الأبدية، كم من نبي وتقي ورع نقي، وقطب رباني مشى على ثبجه، وتوضأ بمائه الطاهر، وكم من مركب من مراكب البردي وزوارقه، ومن فلك الآسل مخرت على صفحته البلورية، وشقت حيازمها غمر عباب مياهه المتلألئة، وهي محملة بأحقاق الأحلام، والآمال، والأشعار، والأزهار، وقوارير المسك، والعنبر، والكافور وما طاب واستطاب من خيراته، وثماره، وبهاراته.


من أي عهد في القرى تتدفق


 وبأي كف في المدائن تغدق


ومن السماء نزلت أم فجرت من


عليا الجنان جداول تترقـــــــرق..


    مصر التي في خاطرنا.. مصر التاريخ، مصر الحضارة، مصر المباركة، التي شرفها الله تعالى في القرآن الكريم "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" أول ما يقرؤه الزائر أو الداخل إلى سرة الكون، وكنانة الله في أرضه، عند وصوله إلى قاهرة المعز.. أم المدائن، وسيدة الحواضر ذات الألف مئذنة.


    مصر التاريخ الفريد في بابه بين تواريخ الأمم، تبهر الناظر إليها، وتأخذ بمجامع كل من رأى آثارها، ومآثرها، وعمرانها، وعمائرها، وبنيانها، وقلاعها، وحصونها، وقصورها، وأقصرها، مهد الحضارة، والعلوم، والفنون، والآداب، والألوان، والتصوير، والتنوير، منذ غابر الأزمان..


هذه آثارنا تدل علينا


فانظروا بعدنا إلى الآثار


    مصر الجمال الساحر، والحسن الآسر، والتطرية في العيون النجل العسلية المسبلة التي تسافر بك إلى آخر الدنيا، وتغوص بك في بحورها، وتنقلك في لمحة من العين إلى عوالم سحرية لازوردية نائية ملونة حالمة.


حسن الحضارة مجلوبٌ بتطرية


وفى البداوة حسن غير مجلوب


ما لعيونك لا تنام


كأن في جفونها كلام (جراح).


    مصر.. الأزهر الشريف، مصر التي تتآخى في ربوعها، وأصقاعها، وأرباضها المساجد، والمآذن، والجوامع، والقباب، والكنائس، والمعابد، والأضرحة، والقباب، والتكايا، والزوايا، ويعمرها المؤمنون من كل صوب وحدب، ويؤمها أولياء الله الصالحون والأقطاب الربانيون، مصر السيد أحمد البدوي، نزيل طنطا، والقادم من حاضرة فاس، والسيد المرسي أبو العباس، نزيل الإسكندرية، والقادم من مدينة مرسية بالأندلس.


    مصر الفكر النير الخلاق، والثقافة الراقية، والأدب الرفيع، والشعر، والسحر، والسينما، والمسرح والموسقى، والزجل والمواويل، والفن الرفيع، وأعذب الألحان، والعطر العبق الفواح.. وعيون بهية.. وخلاخل عدوية.


   مصر.. حافظ، وشوقي، والبارودي، والمنفلوطي، والمازني، والحكيم، ومحفوظ، وطه حسين، والبشري، وحقي، وعبد الصبور، وباكثير، والعقاد، وروز، ومي.


    مصر.. ليلى مراد، وأسمهان، وأم كلثوم، وبديعة مصابني، ومحمد فوزي، وعبد الوهاب، ودرويش، وعبد الحليم، وفريد، ومكاوي، والموجي، والطويل، وبليغ حمدي، ومكاوي، والريحاني، وأبيض، ووهبي، وشاهين.


    مصر التي في خاطرنا. مصر العمال الكادحين، والصناع العسيفين، والفلاحين البسطاء، الذين يقنعون بالقليل، بناة أعظم حضارة عرفها التاريخ القديم..


أنا الفلاح في مصرا ـ أرد ترابها تبرا


    مصر... الأهرام، والمقطم، وآخر ساعة، وأخبار اليوم، والجمهورية، ودار الهلال، والمعارف، والمصور، وروز اليوسف، وحواء، والكواكب.


لكل زمان مضى آية


وآية ذاك الزمان الصحف


    مصر.. الجنود البواسل، المدافعون عن أرضها، وثراها، وحوضها، وحوزتها، بالنفس والنفيس، الذائدون عن كل شبر من ترابها الذي روته دماء شهدائها الأبرار على امتداد تاريخها الطويل، حتى أصبحت – كما قال قائلهم - "مقبرة الغزاة"، فمن أراد بها أو لها سوءا قبر فيها، ومن أراد لها خيرا كرم، وعزز، ووضعه سكانها الطيبون على رموشهم!


وللحرية الحمراء بابٌ


بكل يد مضرجة يدق!


    مصر التي كادت أن تحقق اكتفاء ذاتيا، وتعمل على إيصال منتوجاتها إلى كل مكان، والتي حققت قفزات اقتصادية، وتجارية، وتصنيعية، وسياحية نوعية مهمة في مختلف القطاعات، المرافق، والمجالات.. كانت وما زالت تضطلع بدور ريادي طلائعي بارز في منطقتها، وما جاورها، حافظة دوما للسلام، ونراعية له، ومشيعة للخير والبر والبركة، والطمأنينة، والأمن، والأمان.


    مصر التي كان "صوتها القاهري" حتى الأمس القريب يصدح في مختلف إذاعاتها، ووسائل إعلامها المتطورة والمتعددة جهوريا، قويا، مدويا ليسمع في أقصى الدنا، وعمق المدائن، والحواضر، والقرى، والضيع، وفى أقصى المناطق، وأصقاع المعمور.. في الغدو، وفى الرواح، وفى الصبح وفى المساء، وتملأ فضائياتها الرائدة الدنيا، والأجواء الأثيرية البعيدة في المدى اللامتناهي النائي البعيد، تطل وتهل علينا من خلالها وجوه حسان، وابتسامات ندية تؤسرنا، وتسحرنا، وتترفق بنا، وتتدفق في أعماقنا في رقة، وعذوبة، وطلاوة، وحلاوة، ودلال.


    مصر المؤمنة الآمنة الحاضرة في كل بيت، توصل إليك أذان الفجر في مسجد السيدة زينب، والظهر من سيدنا الحسين، والعصر من السيدة سكينة، والمغرب من السلطان الحنفي، والعشاء من الإمام الشافعي.. رضي الله عنهم جميعا، وتجعل النائين عنها، والمغتربين يعيشون عوائد، وعادات، وتقاليد، وطقوس أم الدنيا، وكأنهم يعيشون فيها.


    مصر المحروسة.. كلمة ذات النبرة الحلوة الآسرة الساحرة تدخل القلوب دون استئذان. نار الفتنة ما برحت مختبئة تحت ثفال أتونها، و"الفتنة أشد من القتل"، وأحد وأفتك وأفدح من التنكيل، والتهويل، والتقتيل، إنها تجتاز اليوم مخاضا لا بد أن تخرج منه منتصرة بسلام.. مرفوعة الرأس، عالية الهمة، أنزل الله تعالى عليها وعلى أهلها الطيبين السكينة، والطمأنينة، والألفة، والتآلف، والوئام، والسلام، والأمن، والأمان، ونشر الله بينهم التصالح، والتسامح، والتصافح، والاستقرار، والتعايش، والعودة إلى سالف عهدها الزاهر، وسابق مجدها الباهر... فآخر الليل الطويل نهار!