الهلال قبل 100 عام .. الاشتراكية في الاجتماع حاضرها ومستقبلها

20/05/2016 - 2:12:29

أفلاطون أفلاطون

بولس مصوبع

ماهية الاشتراكية


الاشتراكية مذهب يحاول إصلاح نظام الملكية حتى يضمن للأفراد الاستقلال المادى والأدبى ويخلصهم من مخالب رأس المال باعتباره نظاما اقتصاديا. فمرادها هدم ذلك النظام وكل ما بناه الاجتماع عليه. وبعبارة أخرى إن مقصد الاشتراكية الأدنى تحرير العمال من قوة رأس المال المتزايدة وغايتها القصوى تحرير الأفراد واستقلالهم.


لا تزال الاشتراكية فى دور التنازع والتقاتل . لا تزال حزب مقاومة ومناهضة فتراها تذب عن الحرية فى ميدان السياسة والاجتماع والآداب كلما سنحت لها الفرص وتؤيد فى المجالس النيابية كل القوانين والمشروعات والتدابير التى من شأنها تحرير الأفراد المادى والفكرى والأدبى. إن دأبها تحطيم أطواق الماضى الأدبية  والاجتماعية التى يضيق بها على الناس. لذلك ترى فى موضوع الآداب مثلا اشتراكيين كثيرين من القائلين بالقران الاختيارى أى بأن يتم القران بين الزوجين لا بعقد رسمى بل بعقد عرفى على شروطه كما يشاء الفريقان المتعاقدان من غير مداخلة الوازع فى أمره. فما لا نزاع فيه أن الاشتراكية اليوم تمثل الفردية بل هى لها أقوى مثال مجسم فى الاجتماع. لكن الأمر الجوهرى هو هل تظل الاشتراكية نصيرة الفرد والحرية إذا وصلت إلى السلطة وقبضت على زمام الحكم؟ هذه مسألة فيها نظر فقد تنمو الجراثيم المضادة للفردية الكامنة فى الروح الاشتراكية وتكبر فتصبح الفردية عندها نسياً منسياً .


معايب الاشتراكية


أما تلك الجراثيم فمنها ما هو ظاهر للعيان وقد اتخذه خصوم الاشتراكية سلاحاً للطعن عليها منذ عهد بعيد. مثال ذلك الولع بتكثير النظامات والقوانين إلى درجة الإفراط، وادعاء الجماعة حق الإشراف على أعمال الأفراد ومجهوداتهم، وقوة الرأى العام الذى يصبح فى عهد الاشتراكية العامل الأدبى المعول عليه فى إقرار الشرائع والتصديق عليها . ونحن نعلم أى مبلغ يبلغه الرأى العام فى التعامى والاستبداد ومناهضة الأفراد والأخذ بالمزاعم الوهمية .


وهناك نقطة تباين أخرى بين الاشتراكية والفردية وهى الاشتراع الموحد أى توحيد الأصول والنظامات بحيث تصبح الجماعة كآلة واحدة محكمة الاتصال والارتبـــاط بين أجزائهــا أو كالجوقة الموسيقية التى تندغم شخصيات أعضائها المختلفة فى المجموع.


إن اشتراكيين كثيرين (وفى جملتهم المرحوم جوريس الفرنسوى) يعتقدون بالوحدة النهائية أى بأن مآل البشرية التوحيد فى النظام الاقتصادى والنظام الأدبى لكننا نعلم أن مذهب التوحيد هذا القائم بالاشتراع والتوافق الاجتماعى هو عنوان الاستبداد والتضييق، هو حجر عثرة فى سبيل التنوع الفردى لأنه يمنع انطلاق الفرد واستقلاله ويرمى مباشرة أو غير مباشرة إلى التضحية بالفرد فداء للجماعة إذ يخول للوجدان الاجتماعى حق الإشراف القهرى على الوجدان الفردى اعتماداً على أصول ونظريات يدعى لها العصمة.


إن أنصار الاشتراع الاجتماعى يذهبون إلى أن وجود الجماعة سابق لوجود الفرد ويعلو عليه وهم فى إثبات ذلك قسمان: قسم منهم استدلاليون وقسم استقرائيون . أما أنصار القسم الأول فأقدم ممثل لهم وأعظمهم شأناً هو أفلاطون الذى لن يزال مثالاً خالداً لفلسفة الاجتماع التوحيدية. فأفلاطون يعتمد على تصور الوحدة ويعتقد أن هذا التصور يحوم فوق الأفراد فيتقدمهم ويسمو عليهم ومن ثم يرى أن “المدينة” أسمى من المدنيين وأنها الكل فى الكل وأن الفرد لا شىء. وقد فند أرسطو حجة أفلاطون هذه وأظهر بأجلى بيان أن الاستدلال المنطقى المبنى على تصور الوحدة يأول بنا إلى تفضيل الفرد على المدينة. فإنهم يقولون إن غاية المدينة الوحدة المثلى. ولكن ما هى المدينة؟ هى جمهور مؤلف من عناصر مختلفة. فإذا شددنا فى توحيدها تصبح المدينة عائلة. وإذا طلبنا المزيد من الوحدة تنحصر العائلة فى الفرد فلا وحدة حقيقية إذ أتم من الفرد. وبناء عليه إذا اعتمدنا على مبادئ أفلاطون ذاتها وجدنا الفرد أحسن مثال مجسم للوحدة.


وأمـــا أنصـــار الاشتــراع الاستقرائيون فيدعون أن تابعية الفرد للجماعة قائمة على استقراء الواقع فيعممون خضوع الفرد الواقعى للجماعة ويعدونه ضرورة طبيعية قضت بها سنة الملاءمة للوسط التى تخضع الأفراد لحكمها أو سنة التضامن التى تربط أعضاء الجماعة الواحدة بعضهم ببعض أو غيرها من السنن. فليس الفرد فى أعين أصحاب هذا المذهب إلا ما أنتجته بيئته التاريخية.


مقام الفردية


إن أقوى معارض لأصحاب هذا المذهب هو الفيلسوف نيتشه بلا جدال فهو الذى حاول أكثر من أى مفكر آخر أن يحرر الفرد من تلك الشبكة التى أرادوا طرحها عليه والتى تؤلف خرومها من الوسط والوراثة والتقاليد والآداب المصطلح عليها.


إن المبدأ الذى يعتمد عليه أنصار الاشتراع الاجتماعى هو طاعة الفرد للجماعة طاعة مطلقة كأن الفرد لا شىء فى زعمهم . وقد فاتهم أن الفرد قوة بحد ذاته وأنه عامل هام فى وسطه فله أن يعصى بيئته ويغيرها كما له أن ينقاد إليها ويلتئم معها. قال سيجل فى كتابه أحوال العشائر النفسية “قد ثبت أن نوابغ الرجال ليسوا ممثلين فقط فى المأساة البشرية بل هم مؤلفون أيضا” وعندنا أن هذا القول يطلق على سائر الأفراد فى الهيئة الاجتماعية مع مراعاة النسبة بينهم.


إذا نظرنا إلى المجتمع فى وقت معين من سيره نرى أن البيئة تضع لمجهودات الفرد حداً لا مناص منه. أما إذا نظرنا إلى المجتمع نظرة مطبقة أى إذا نظرنا إليه وهو يتقدم بتطور اجتماعى دائم نرى الفرد حاصلاً على حقوقه لأنه فى هذه الحالة مصدر الابتكار وعامل الارتقاء ومكون التاريخ.


ظاهر إذاً مما تقدم أن مذهب الاشتراع الاجتماعى استدلالياً كان أو استقرائياً لا نصيب له من الصواب لأنه مقاوم للفردية. وعلى الفردية تقوم فلسفة الاجتماع الحقيقية. فى إمكاننا الآن أن نرى ما فى مذهب الاشتراكية من حق ومن باطل.


رأينا فى الاشتراكية


الاشتراكية مذهب شرعى صحيح ما دام يقاتل انتصاراً لتحرير الأفراد واستقلالهم. وليست الاشتراكية والحالة هذه إلا هنيهة فى سير الفرد إلى الأمام فلا غبار عليها مادامت تؤيد الفردية. لكنها تخطئ إذا تحولت إلى اشتراع اجتماعى وحاولت أن تقف عند تصور الوحدة أو عند قانون جامد أو أمنية ثابتة لأنها تتصف حينئذ بما يتصف به كل اشتراع فتكون للفرد قيداً وللإنسانية جموداً.


وقد انتبه اشتراكيون كثيرون إلى هذا الخطر المحدق بهم فأبوا أن يحصروا الاشتراكية فى قواعد ثابتة لا تتغير فتراهم ينشدون اشتراكية آخذة فى تطور دائم لا تستقر على حال. فهم لا يرضون بإكراه العمال على الثورة معتقدين أن سير الاشتراكية نحو غايتها النهائية يجب أن يتم بالوسائل المشروعة بل أنكر بعضهم أن للاشتراكية غاية نهائية تقف عندها فقال “إن للاشتراكية اتجاهاً كما لكل حركة لكن الاتجاه شىء والغاية النهائية شىء آخر. فالاشتراكية سائرة بالمجتمع سيراً تاريخياً وليس فى التاريخ غاية نهائية إذا وصل إليها الإنسان لا يجد ما هو أقصى منها . فما كل غاية إلا نقطة وقتية فى خط سير الحركة.فالحركة التاريخية وهى تتجه نحو الغاية النهائية تنتقل بها من غير انقطاع. فما يسمى منتهى كمال الحركة لا يوجد عند حدها النهائى بل يصطحبها فى كل لحظة وينتقل معها . فإذا قصدت الحركة التاريخية الوصول إلى غاية نهائية بحصر المعنى فهى سابقة لأوانها ومثلها مثل الأحداث تعيش فى الأحلام. فطور الأحلام ضرورى فى الحياة لكن الولد إذا كبر طرح عنه طوق الأحلام. كذلك يأتى يوم تضحك فيه الحركة التاريخية من الآمال الصبيانية التى تكون قد جعلتها محطاً لرحالها”.


هذه هى الاشتراكية فى عصرنا وقد صادفت من أفكارنا استصواباً ومن ضمائرنا ارتياحاً لأنها لا تخضع لقواعد جامدة ولا تقف عند حال معينة ولا تعرف غاية لها إلا السير بالإنسانية إلى الأمام دائماً أبداً فهى فى حال صيرورة إلى الأبد وهى اشتراكية أنشأها الأفراد وهم يسيرون بها بمحض اختيارهم لا تقيدهم ولا تتحكم فيهم.


يخطئ من يتصور أن هذه الاشتراكية تطلب علاوة على حرية الأفراد مساواة مطلقة فيما بينهم . فهناك تفاضل يمكننا منعه ونحن ساعون فعلاً إلى إزالته وهو تفاضل الطبقات. أما تفاضل الأفراد فليس فى استطاعة الاشتراكية ولا فى رغائبها أن تمحوه فقد يتيسر لها محو المراتب الاجتماعية والدرجات المتفق عليها ولكن سيبقى إلى ما شاء الله بين الناس من يعمل ومن يتقاعد من يقود ومن يقاد. فليس فى استطاعة أحد أن يبطل تسلط نفس على نفس وتسامى فرد على فرد .


 (“الهلال” - أول مارس (آذار) سنة 1916 و26 ربيع الثانى سنة 1334).