طاهر أبو فاشا .. الفنان الشامل

20/05/2016 - 2:08:57

محمد رضوان

تمر فى الثانى عشر من مايو الجارى الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل الشاعر الأديب طاهر أبو فاشا الذى رحل فى 12 مايو 1989 بعد رحلة عطاء كبيرة قدم فيها للإذاعة المصرية وللأدب العربى العديد من إبداعاته وابتكاراته الأدبية والإذاعية.


وقد بدأ طاهر أبو فاشا رحلته الأدبية يقول الشعر منذ كان يدرس فى الأزهر الشريف لكن شهرته الحقيقية وتألقه البازغ كان فى حلقات ألف ليلة وليلة الإذاعية التى كنا ننتظرها بشغف فى الستينيات مبتدئة بصوت الفنانة “زوزو نبيل” على لسان شهرزاد الراوية لشهريار تلك الحكايات حين كانت تقول: “بلغنى أيها الملك السعيد” وفى نهاية الحلقة يجىء صوتها مرة أخرى قائلة: “مولاى” وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح متوافقة مع صياح ديك الفجر معلنة انتهاء الحلقة.


وأذكر أننى كنت أسهر ليالى رمضان لأستمع إلى حلقات ألف ليلة وليلة مسبوقة بكلمة حلقات يكتبها طاهر أبو فاشا حتى حفظ عامة الناس اسمه حتى ظننت أنه شىء خارق أو علامة مسجلة، فمن هو طاهر أبو فاشا؟


ولد فى 22 ديسمبر سنة 1908 بمدينة دمياط، وتلقى تعليمه الابتدائى بدمياط ثم التحق بالمعهد الدينى بالزقازيق قبل أن يلتحق بمدرسة دار العلوم العليا ويتخرج فيها بتفوق سنة 1939.


وعمل بالتدريس فور تخرجه، ثم نقل لوزارة الأوقاف ليعمل بها سكرتيرا برلمانيا، ثم عمل بمصلحة البريد.


وعمل بإدارة الشئون العامة للقوات المسلحة قسم التأليف والنشر من سنة 1953 حتى 973.


وعلى امتداد أكثر من ثلاثين عاما كتب للإذاعة أكثر من ألفى عمل درامى وغنائى كان أشهرها “ألف ليلة وليلة” على امتداد أكثر من ربع قرن، وأوبريت “رابعة العدوية” التى غنت أغانيها أم كلثوم.


ومن دواوينه الشعرية “القيثارة السارية” و “الأشواك” و “الليالى” ، “دموع لاتجف” و “راهب الليل”.


وفى مجال الدراسات الأدبية له : “الذين أدركتهم حرفة الأدب” و “هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف”.


ومن مؤلفاته : “وراء تمثال الحرية - رحلة إلى أمريكا” و “قصة دمياط” و“تحقيق مقامات بيرم التونسى”.


أنجب ثلاثة أولاد : فيصل - عزة - وسام.


رحل ابنه فيصل فى يناير عام 1989 فى شرخ شبابه فبكاه قائلاً :


كم ذا ألاقى من الأيام يا ولدى


ولا أراك إذا يوم مددت يدى


هذا الذى كنت أرجوه ليحملنى


قد صرت أحمله شيخا بلا جلد


وتوفيت زوجته وهو فى شيخوخته فظل يبكيها بقية حياته، وضمن دموعه ديوانه “دموع لاتجف” فى رثاء زوجته واسترجاع ذكرياته معها وعنها، فعاش فى خواتيم حياته فى مأساة رحيل أحبابه : زوجته وابنه البكر فيصل: فكتب يرثى نفسه:


ماذا بقى؟ هل عاد فى القنديل زيت


يكفى لتبقى الشعلة الضئيله


لفترة أخرى قليله


حتى يضوء البيت


وكيف والقنديل يخبو ضوؤه


من غير زيت ؟


ثم لم يلبث أن رحل الشاعر عن الحياة فى 12 مايو سنة 1989وعلى شفتيه أبيات حزينة قال فيها :


إذا تمثلت أيامى التى سلفت


وما أداريه من وهن ومن أفن


ذكرت قول “جرير” حين أرسله


بيتا من الشعر يحيينى ويقتلنى


يأيها الرجل المرخى عمامته


هذا زمانك إنى قد مضى زمنى


ارتبط اسم الشاعر الكبير طاهر أبو فاشا بشهر رمضان لسنوات طويلة بفضل عمله الضخم “ألف ليلة وليلة” الذى استغرق - ثمانمائة ليلة رمضانية، قليلها من الكتاب الأصلى وكثيرها من عنده. وهو عمل دخل قلوب الناس وسلك فى أوردتهم وملك عليهم كيانهم فى زمن كان الناس فيه يتحلقون حول جهاز “الراديو” قبل ظهور التلفاز والقنوات الفضائية بزمن طويل.


ولقد حظى هذا العمل باهتمام المستمع لاعتماده على جو الأساطير والخيال الخصب المطعم بحوار درامى تجىء فى ذروته الجملة الشهيرة “وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح” وفى الحقيقة فإن شهرزاد فى دفاعها المستميت عن نفسها وعن بنات جنسها إزاء سيف شهريار قد جذبت الشاعر “طاهر أبو فاشا” وأدخلته فى غرف ذات بريق حوائطها من مرايا كثيرة يفوح منها عطر خاص لايوجد إلا فى قصر “شهريار”، ثم جاءت “رابعة العدوية” لتشارك “شهرزاد” جزءا من قلب وعقل طاهر أبو فاشا الذى رأى فى “رابعة العدوية” شهيدة العشق الإلهى مطمعا إبداعيا من خلاله يستطيع أن يعزف على أوتار الصوفية التى كانت تروق له ويجد له صدى فى فؤاده بفضل قراءاته لعالم المتصوفة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: “الحلاج” و”السهروردى”، و”ابن عربى” ، “ابن الفارض” ولقد قدم طاهر أبو فاشا فى الأوبريت الإذاعى “رابعة العدوية” عدة قصائد ذات سبك رائع تغنت بها أم كلثوم من ألحان رياض السنباطى وكمال الطويل ومحمد الموجى وفى خضم هذا التوجه الإذاعى المصحوب بالشهرة أهمل طاهر أبو فاشا رحلته البازغة فى عالم الشعر التى بدأت عندما أصدر ديوانه الأول عام 1932 بعنوان “صورة الشباب” وكان آنذاك فى الرابعة والعشرين من عمره وقد سبق بهذا الديوان كثيرا من الشعراء الذين لمع ذكرهم بعد ذلك، ومنهم إبراهيم ناجى، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وغيرهم من شعراء الرومانسية، ثم أصدر بعد ذلك ديوانه “القيثارة السارية” ثم ديوانه “الأشواك”.


وبرغم التقريظ الذى حظى به “طاهر أبو فاشا” من كبار الشعراء والأدباء  فقد انجذب إلى عالم ألف ليلة وليلة إلى جانب كثير من الأعمال الإذاعية من سهرات وبرامج غنائية، ولهذا فقد انقطع عن الشعر قرابة خمسة وثلاثين عاما إلا من بعض أشعار المناسبات الوطنية والقومية، ويرى البعض أن انقطاع الشاعر للعمل الإذاعى انتزع منه فرصة أن يكون شاعرا يحتل مكانة سامقة فى عالم الشعر العربى خاصة وأنه متمكن من أدواته الشعرية إلى جانب امتلاكه لناصية البيان وقدرته على نحت صوره بطريقة بارعة، لكن الزمن مضى به ومرت السنوات وهو مسحور بعالم “ألف ليلة؛ وليلة” و “رابعة العدوية” و “ألف يوم ويوم” وقد وجد فى النهاية أن كثيرا من الجهد ذهب مع الأثير، وأيقن أن الكلمة المكتوبة المغموسة فى الحبر هى التى يكتب لها الخلود ولكنه عرف هذا بعد أن ولى الشباب وتقدم به العمر، إذ يرد على تساؤل إحداهن قائلا :


قالت : أأنت أبو فاشا فقلت لها..


هذا الذى أبقت الأيام من وهن


قالت فأين الليالى؟ قلت:ياشجنى..


آه على الليل لو يخلو من الشجن


وماتريدين ممن شاب مفرقه...


وباع أيامه الأولى بلا ثمن


وصار آهة مفقود على طلل..


وكان صدحة غريد على فنن


اختار طاهر أبو فاشا لغة فريدة، فمع أنها اللهجة العامية المصرية إلا أنها كانت أدبا رفيع المستوى، حيث احتشدت المفردات العامية التى نستخدمها فى حياتنا اليومية بمضامين درامية شعرية غاية فى الثراء والبلاغة، وجعل من السجع المموسق تمثيلا للطابع الأسطورى والخيالى الذى تدور فى إطاره حكايات شهرزاد العبقرية، إلا أن هذا السجع، وهذه اللغة المنضبطة المحكمة لم تكن على حساب الدراما، فالحوار لايخرج عن مدارك الشخصيات بمستوياتها الاجتماعية والثقافية المتباينة - إلى ذلك هو حوار إذاعى صرف. تليغرافى، معبر، محكم، قد تكفى كلمة أو كلمتان أو ثلاث لتؤدى ما يحتاج لصفحات كاملة من كلامنا المرسل العادى.


إن نصوص ألف ليلة وليلة الإذاعية وإن اعتمدت على حكايات الكتاب فإنها عمل فنى فذ قائم بذاته، فقراءة الكتاب لاتغنى بأى حال عن الاستماع للحلقات. إن لها لمذاقها الخاص. ومعطياتها الإضافية، وسحرها. وقد لايعرف الكثيرون أن طاهر أبو فاشا لم يأخذ كل حكايات ألف ليلة وليلة، بل انتخب منها ما رأى أنه على درجة عالية من القيمة، وما يمكن تحميله مضامين معاصرة، لدرجة أن الحلقات كانت تعكس كل هموم العصر الذى تذاع فيه سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية - وحينما أيقن أبو فاشا أن الحكايات الغنية قد نفدت ولم يبق سوى الحكايات البسيطة الباعثة على التسلية واللهو الجنسى، قام بتأليف حكايات خاصة به على غرار الحكايات القديمة. من نفس القماشة، بنفس الروح، فبدت كأنها من صلب الكتاب القديم، ولو لم يقدم طاهر أبو فاشا طوال حياته غير هذا العمل لكفاه ذلك سببا للمجد والخلود، لقد كان أكبر حكاء فى عصرنا، من طراز الشاعر الظريف محمد مصطفى حمام، ومن عجينة شهرزاد نفسها، ولعلها كانت أمه القديمة، أو لعله كان أباها الجديد.


وفى شعر طاهر أبو فاشا ذلك الانطلاق الجموح بالصورة واللون والتعبير، الذى اتسمت به جماعة أبوللو وشعراء المهجر، وكان لناجى وعلى محمود طه ومحمود حسن إسماعيل فضل تعميقه وتأكيده وإضفاء شرعيته على القصيدة الشعرية الحديثة، ومن خلال هذا الامتزاج بين عقلانية أصحاب “الديوان” وانطلاقية “الأبولليين” أتيح لطاهر الذوبان فى خصائصه الذاتية وحسه الشعبى الأصيل وقدراته الدرامية على التشكيل والبناء والمعمار - ذلك النموذج الشعرى المتميز، الذى تضج جنباته بالحياة وبعناصر الصراع، وبالوقوف أمام المفارقات والمتضادات، والسخرية من بعض الظواهر والمواقف والنماذج، وبالاحتشاد التعبيرى من خلال لغة رصينة لا تعوزها الرشاقة والخفة والطلاقة، تتماوج وتتشكل، وتنداح وتنعقد، طبقا لموجات النفس ودفقات الوعى والشعور.


يناجى إحدى ملهماته في ديوانه:


بقلبى ما بقلبك أو أشد


وعندى من هواك جوى وسهد


ولكنى أكابر فيك ضعفى


ودمعى مثل دمعك مستبد


ولم يعتز أبوفاشا بغير موهبته الشعرية، ويرى فيها وجهه الأصيل وحقيقته الإبداعية، وكثيراً ما كان يقول “لقد جنت الإذاعة على كشاعر ، على الرغم مما حققته لى من شهرة”.


أبو فاشا وبيرم


تلك هى الطبقة التى تكونت من خلال حسه الشعبى وانتمائه إلى روح الشعب وثقافته التلقائية بكل بساطتها وتعقيدها فى آن ، وهى الصيغة نفسها التى أتيحت لبيرم التونسى من قبل، بين التعليم فى الأزهر وثقافة الشعب، ولذا لم يكن عجيبا أن يتوقف طاهر عند آثار بيرم وأشعاره، وفى مقاماته التى عكف على تحقيقها وكتابة دراسة ضافية عنها فى الطبعة التى صدرت عن مكتبة مدبولى، ولم يكن عجيبا أيضا أن يكون طاهر واحدا من القلة الحافظة لآثار بيرم يوم كانت هذه الآثار تلتمس فلا توجد إلا فى بعض صدور الحفظة من أمثال طاهر أبوفاشا - ولقد تشابه الرجلان: بيرم وأبوفاشا فى الكثير، فكلاهما ابن للتعليم الأزهرى والثقافة العربية التقليدية، وكلاهما تغذى بروح الشعب والانتماء إلى ثقافة قاع المجتمع، وكلاهما ثار على هذه النشأة التعليمية وما أحاط بها من جو ونماذج إنسانية، فى لوحات فنية رائعة، بيرم فى مقاماته وأبوفاشا فى أشعاره وبعض معابثاته، وكلاهما جمع بين لغتى التعبير: الفصحى والعامية، فى تفرد واقتدار، وكلاهما اتخذ من فن الأغنية والصورة الغنائية وسيلة للتعبير عن مكنونات هذا الوجدان الممتلئ الجياش، فكان فنه الغنائى متميزا بحرارة روحه الشعبية وحسه الأصيل الصادق.


وربما كان هذا الحس الشعبى الأصيل عند طاهر أبوفاشا مرتبطا بالقدرة الفنية الدرامية - التى اكتسبها من خلال اشتغاله بصنوف من ألوان الفن الإذاعى، منذ اكتشفه وقدمه إلى الإذاعة محمد فتحى- كروان الإذاعة- فى مستهل الأربعينيات، بعد تخرجه فى مدرسة دار العلوم العليا بقليل- وسرعان ما تكشفت مواهب طاهر فى كتابة الصور واللوحات الغنائية والتمثيليات والبرامج الدرامية، أشهرها على الإطلاق سلسلة “أعياد الحصاد” وحلقات ألف ليلة التى كتب منها ثمانمائة حلقة أذيعت على امتداد ست وعشرين سنة، ليس فيها من أصل كتاب ألف ليلة سوى ستين حلقة، أما بقيتها فمن تأليفه ونسج خياله هو، وأيضا الأوبريت الغنائية الضخمة “رابعة العدوية” التى غنتها أم كلثوم ولحنها السنباطى والموجى والطويل، وحلقات “ألف يوم ويوم” التى صاغها على غرار حلقات ألف ليلة وإن اختلفت فى المضمون والدلالات، أقول ربما كان حسه الشعبى وروحه الشعبية الأصيلة بالإضافة إلى قدرته الدرامية فى تشكيل الصورة الإذاعية، كانا معا سببا رئيسيا فى ملء شعره بعناصر الحياة والتوهج والقدرة على الاستمرار بفعالية وأصالة.


ولم تكد تتوقف حلقات “ألف ليلة” ويسترد طاهر أنفاسه الشعرية، حتى عكف على إنضاج فنه من جديد، وعندما عاد إلى الناس وإلى قرائه بديوان “ راهب الليل” عام 1983 أدرك وأدركوا أنه لم يكن بعيدا كما يتصور عن الساحة الشعرية، وأن له موضعه ومكانه ومكانته، وعندما أصدر فى عام واحد هو عام 1987 ديوانيه الأخيرين “الليالى” و”دموع لا تجف” تأكدت هذه العلاقة الحميمة والصلة الباقية المستمرة، هذا يفسر لنا إذن السر فى استمرار طاهر أبوفاشا من خلال النموذج الشعرى الذى اصطنعه لنفسه، منذ أوائل الثلاثينيات حتى قرب ختام الثمانينيات، وقدرة هذا النموذج على التشكيل والتطور والاتساع لكل صيحات التجديد التى بدأت بصوت جماعة الديوان، العقاد والمازنى وشكرى، وحركة جماعة أبوللو، التى ينتمى إليها طاهر بالحس والوجدان، وحركة الشعر المهجرى بتأثيراتها وظلالها المختلفة، ومن بين الأعمال التى لم يقدر لها أن تخرج إلى النور ملحمته الغنائية الدرامية “سميراميس” التى كتبها لتغنيها كوكب الشرق أم كلثوم على غرار رابعة العدوية.


فلما رحلت أم كلثوم طوى بدوره أوراقه ووضعها فى أضابيره ولم يشأ لها أن ترى النور بصوت غير صوت أم كلثوم.


وبرحيله اختفى هذا العمل الرائع وضاع كما ضاعت الكثير من أوراقه وكتاباته المتناثرة.!


شاب فى الثمانين


يحسب لطاهر أبوفاشا - دون غيره من شيوخ الشعر - موقفه المتفتح من حركة الشعر الجديد الذى يكشف عن جوهر أصالته وطبيعة معدنه، ولقد كان دائم الوصف لنفسه بأنه شاب فى الثمانين، ولم يكن فى هذا يلقى طرفة أو يجاوز الحقيقة فهو فى شباب عقله وتجدد فنيته، كان قادرا على أن يستوعب ويتجدد وأحيانا على أن يسبق، وهو يكشف عن هذا الوعى النافذ فى جانب آخر من آثاره القلمية، وكتاباته النثرية التى من أبرزها كتابه: “الذين أدركتهم حرفة الأدب” والذى اختص فيه بالدراسة عددا من الشعراء والأدباء عصف بهم البؤس واعتصرتهم قسوة الحياة، قديما وحديثا، وكتب عنهم دارسا ومحللا، كاشفا عن منهجه التقدمى فى فهم الظاهرة الأدبية مرتبطة بالواقع الاقتصادى والاجتماعى، غير منفصلة عن إطارها السياسى، وتلتمع فى هذا الكتاب فصوله عن حافظ إبراهيم وعن عبدالحميد الديب وعن أحمد مخيمر وعن محمد مصطفى حمام ممن عرفهم عن قرب، ونفذ ببصيرته الثاقبة إلى الخافى والمستور من خلجاتهم الإنسانية والفنية.


وهناك أيضا كتاب “هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف” وهو الذى يلج إلى عالمه من خلال إيمانه بقضية نصرة الفلاح المصرى وجلاء صورته الحقيقية وعدم التهوين من شأنه، واستثمار ما أحاط به وبحياته من فنون وتراث شعبى.


وكتابه عن العشق الإلهى وعن التصوف الإسلامى، وكتابه فى أدب الرحلات: “وراء تمثال الحرية” الذى سجل فيه انطباعاته عن زيارته لأبنائه فى المهجر الأمريكى ورحلته إلى عالم الحضارة الغربية متمثلة فى المجتمع الأمريكى على عاداته وقيمه وتقاليده.


فنان شامل


وينفرد طاهر أبوفاشا بين كل أقرانه من أبناء جيله ومعاصريه بأنه الوحيد من بينهم الذى أوشك أن يكون ظاهرة أو أسطورة. فهو ظاهرة بمعنى كونه فنانا شاملا له حضوره فى شتى مجالات القول والتعبير، وهى صفة لازمته منذ  بدايات الحداثة فى سنوات التعليم والدراسة عندما كان يؤلف ويمثل ويخرج العديد من الاسكتشات والمواقف الفكاهية الساخرة، يسخر بها وفيها من أساتذته ومن بعض شخصيات المجتمع فى زمانه ، وكانت أكثر سخريته على معلمى اللغة العربية وعلى طريقتهم فى النطق والتدريس من خلال حوار يسخر باللغة وإعرابها ومشتقاتها، فى إطار من الأغانى التى كان يؤلفها أيضا ويلحنها بنفسه، وكان هذا الفيض المبكر فى صباه وشبابه طريقه ومدخله إلى احتراف الفن الإذاعى بكل صوره وأشكاله بعد تخرجه، وبقيت لنا ملامح هذه الظاهرة التى تقدمه إلى المجتمع والناس، مقرونا بحكايات شقاوته ومقالبه ومعابثاته ومفاكهاته المبكرة، والتى يبالغ فيها الرواة ويزيد فيها المتزايدون، حتى يصبح طاهر أبوفاشا- بسببها وبفضلها - شخصية أسطورية شعبية، تماما كشخصية شاعر كأبى نواس فى التراث الشعرى والشعبى، وكشخصية جحا، يضاف إليها فى كل جيل ما ينسب إليها من خيال المتزايدين، ولا نكاد نقابل أحدا ممن عاصروا طاهر أبو فاشا فى سنوات الدراسة، فيمن جاء بعده من أجيال، إلا وقد تسامع بطائفة من الحكايات والقصص القائمة على المبالغة والمفارقة والتهويل ، والمنسوبة كلها إلى ذلك الشيخ الشاب المنقوع فى الشقاوة وفن صناعة المقالب: طاهر أبو فاشا .. وهو نفسه لا يرى بأسا من الإفصاح عن بعض ملامح هذا الجانب من جوانب شخصيته حين يقول:


وانطلقنا بين الحوارى سكارى


ما شربنا غير القريض عقارا


نقطع الليل سامرين إلى الفجر


فما تلقى مثلنا سمارا


ولقد عاش الشاعر فى خواتيم حياته مأساتين متعاقبتين، أولاهما رحيل زوجته وشريكة رحلة العمر عام 1979 ثم رحيل أكبر أولاده فيصل الذى كان يؤمل فيه خير امتداد له حياة وفنا، فى يناير عام 1989 واعتصرته الفاجعتان، ، و”دموع لا تجف”، ولو أن القدر أسعفه فيمتد به العمر حتى يرى تكريم الدولة بمنحه جائزتها التقديرية لمسح هذا الموقف الكريم وهذه اللمسة الحانية عن قلبه بعض الأحزان، ولأثلج صدره ابتسام الزمان له بعد طول تجهم، وهو الذى كان فى أخريات أيامه يرثى نفسه فى قصيدة عنوانها “غروب” ويقول:


ماذا بقى؟


هل عاد فى القنديل زيت


يكفى لتبقى الشعلة الضئيله


لفترة أخرى قليله


حتى يضوء البيت


وكيف والقنديل يخبو ضوؤه


من غير زيت


وقد رأيت طاهر أبوفاشا مرات فى بعض المنتديات الثقافية وفى مجلة “الثقافة” التى كان يرأس تحريرها د.عبدالعزيز الدسوقى ولا أنسى إعجابه بكتابى عن مأساة شاعر البؤس عبدالحميد الديب حين صدر عن كتاب الهلال فى فبراير 1976 وقد أبلغنى إعجابه به كما أبلغنى ابنه فيصل بذلك فى لقاء معه بمجلة الثقافة ، وكم يحتاج هذا الشاعر الكبير أن تفرد له دراسات موسعة تتناول شعره ومأثوراته ودراساته ودوره فى المجال الأدبى والمجال الإذاعى كأحد رواد مدرسة الأصالة والتجديد فى أدبنا المعاصر.