ظلها هو الرفيق

19/05/2016 - 10:07:02

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

تفترش ثغري، تأتي بمظلتها الملونة ومقعدها الممتد، تحضر كتابا لتقرأ فيه وزجاجة من عصير التفاح الذي تشي جدرانها ببرودة ما تحتويه، تتمدد فوق المقعد، أعرف ماذا ستصنع، تستعد لتسبح في بحر دمعة اجتهدت أهدابي أن تعتقلها حتى لا تسقط على وجنتي، إنها ابتسامتي.


***


كلمة واحدة، كلمة يمكن أن تجعلك كبيرا، وكلمة تهبط بك إلى مصاف العبيد، كلمة يمكن أن تذبح بها قلبا يستقبلها، وكلمة تحيي بها النفوس، الكلمة هي هذا الشعاع الذي تصوبه لمن أمامك فيلمس مسام أجسادنا قبل أن تلتقطه الآذان، هو ما يمكن أن يصبح إكسير الحياة أو قطرة السم الزعاف، فاختر كلماتك، قدمها باقة زهر، أو طلقة رصاص، عليك أن تختار، اجعلها بساطا تمر عليه ملكا متوجا، أو بحيرة آسنة تغرق فيها كرامتك، الاختيار لك.


***


اليوم كنت أقلب في قنوات التليفزيون، شاهدت إعلانا استوقفني، الإعلان يأتي صوت رجل ليقول:"لو انتِ لم يرزقك ربك بالأولاد، بتفكري كده؟" ثم صوت امرأة :"أنا لما أكبر مين هيراعيني؟ لما أمرض مين يداويني", ثم يعود صوت الرجل مرة أخرى ليعلن عن الحل السحري:"قومي بتنبي طفل"، ما هذا؟ أولا عدم الإنجاب نصيب ولا يجب أن نقلب الأوجاع على من حرم منها، ثانيا لماذا المرأة فقط هي التي يظهرها الإعلان بالضعف والحاجة؟ هل المرأة فقط هي من تريد أن تنجب؟ ألا نجد نساء كثيرات يتحملن الحياة مع رجل لا ينجب؟ وقليلا ما نرى رجلا يفعل نفس الشيء, الأهم من كل هذا هو ماذا يريده الإعلان بالضبط؟ما الذي يريد أن يحشو به رؤوس الناس؟ هل الهدف من الإنجاب أن أوفر ممرضين لي عندما أكبر؟ثم من قال إنك ستعيش حتى تمرض؟ من قال إنك سترحل عن الحياة قبلهم؟ من أعطاك ضمانا أن أولادك سيعيشون معك بنفس البلد؟ أم أنك ستستخدم أبوتك أو أمومتك لخنق طموحاتهم وإفشال خطط مستقبلهم لبيقوا بجوارك؟ متى سنحترم عقول الناس فنزودها بما يفيدهم ويعينهم على حياة أفضل؟ الإعلانات في منتهى الخطورة لأنها قصيرة وتتكرر بشكل يجعلها بمرور الوقت تشكل صورة ذهنية يصعب تغييرها، إننا بهذا الشكل نرسخ أن أولادنا ملك لنا، وأنهم استثمارات مؤجلة، وننجبهم لنجد من يطببنا عندما نكبر، معنى هذا أننا نربيهم ونضحي من أجلهم ليفعلوا نفس الشيء عندما نكبر ولو على حساب مستقبلهم، معنى هذا أننا نقدم لنأخذ، صارت مسألة تجارة، هذه العلاقة السامية ليست بهذا القدر من المادية، إنها علاقة عميقة من الخطأ أن نسطحها بهذا الشكل، أولادنا قطعة غالية منا، نرعاهم ونحبهم لأنهم يستحقون الحياة الجيدة، نربيهم ونخلص في تعليمهم ليصبحوا أفرادا صالحين لأنفسهم ولوطنهم وللعالم كله، إذا ربيناهم على المبادئ السليمة سيصبحون  أبرارا،لكن أن ننجب لنجد من يرعانا فهي مسألة عجيبة، ودون أن نخوض في  رأي الدين في مسألة التبني، فمن وجهة نظر محايدة، كان يمكن للإعلان أن يتجه بأسلوب أفضل، فأنت تتبنى لتضع خلاصة جهدك وحبك في إنسان يصبح أكثر سعادة وأكثر فائدة للدنيا وللوطن ليتنا ننتبه للإعلانات التي صارت تشوه الكثير من أفكار الناس فتنعكس على تكوين الفكرة ثم السلوك لنجد مواطنين يعانون ضبابية الرؤية وعدم الحكم السليم على الأشياء.


***


منذ متى وهي وحيدة؟ تعودت وحدتها، أدمنتها، عندما تحيا وحيدا فإنك تتعجب أن ترى طاولة صغيرة وقد وضع عليها قدحان، تندهش إذا شاهدت مجموعة تستعد لحفل شواء بإحدى الحدائق، مقعدك لا يقترب منه مقعد آخر، لا أحد يشاركك في البحر ولا في أغنية تحب سماعها، لا صوت إلا صوتك وأنفاسك، ودقات ساعة تعودت رتابة همسها، لكنك مهما تعودت، مهما تصورت أن هذه الحياة تناسبك، يأتيك وقت فتشعر بالاحتياج، تحتاج لمن يضايقك بجلبته بينما أنت تقرأ كتابا مهما، تحتاج من يستفزك بإشعال مصباح الطاولة الصغيرة بجوار الفراش بينما أنت تحب النوم في الظلام، تتشوق لقدح آخر تصب فيه قهوة الصباح فلا تصبح وحيدا مع قدحك،كانت تفكر في هذا الأمر وهي تسير وحيدة في الطريق الممتد أمامها تقوم بعد قطع الرصيف التي انقلعت ولم يفكر أحد أن يعيدها إلى مكانها، تعد الشجرات التي تبدو وتظهر على جانب الرصيف، لمحته، يسير بجوارها، لم تصدق نفسها، أخيرا، أخيرا لم تعد وحيدة، لكنها خافت أن يكون الوهم هو ما صور لها هذا، انحرفت يمينا وجدته بجوارها، يسارا، نفس الشيء، جاء من أجلها ليبدد وحدتها؟ لم تصدق نفسها، رفعت رأسها لتتعرف عليه، وجدت الفراغ، نظرت لموقع خطواتها، عاد بجوارها،اكتشفت أنه ظلها، ظلها هو الرفيق.