من عبد الناصر إلى السيسى متى يتدخل الجيش فى السياسة؟

18/05/2016 - 3:24:38

  القوات المسلحة لبت نداء القيادة وساهمت فى إنجاز المشروعات القومية من أجل الشعب القوات المسلحة لبت نداء القيادة وساهمت فى إنجاز المشروعات القومية من أجل الشعب

بقلم: أحمد أيوب

يدمن البعض تشويه مؤسساتنا الوطنية حتى ولو باتهامات وهمية وادعاءات كاذبة، وفى مقدمة المؤسسات التى لا تتوقف محاولات تشويهها المؤسسة العسكرية، فلا يمر يوم إلا وتلفق لها الأخبار المفبركة وتلصق بها أفعال غير واقعية وتلقى عليها اتهامات دون دليل بقصد ضرب مصداقيتها وسمعتها عند الشعب المصرى.


محاولات التشويه لجيشنا الوطن لم تأت من فراغ وإنما لرغبة واضحة فى الانتقام من تلك المؤسسة التى أثبتت أنها بحق حجر العثرة القوى والوحيد فى وجه مؤامرات هدم الدولة المصرية وتحويلها إلى نموذج جديد ينضم إلى بقية الدول العربية التى طالها الخراب والانهيار.


فعلى مدى السنوات الخمس الماضية تكررت المؤامرات وتنوعت المخططات وتعددت القوى والأجهزة المخابراتية المشاركة فيها من أجل إسقاط مصر أو تركيعها والوصول بها إلى حافة الهاوية، لكن كل هذا تحطم على صخرة صلبة اسمها القوات المسلحة التى كانت بمثابة حائط صد عنيد تلقى كل الضربات نيابة عن المصريين،وتصدى بكل قوة لكل العمليات الإرهابية فأفسدها وضمن أمان المصريين.


ليس هذا فحسب، فلم يكتف الجيش بمهمته كحام للمصريين ومدافع عن حدود وأرض الدولة وإنما لبى النداء الشعبى وتحول إلى كتيبة بناء، وفى أقل من عامين نفذ أكثر من ١٠٤٢ مشروعا لصالح الدولة ولخدمة الشعب ومع نهاية العام سيكتمل الإنجاز إلى ١٧١١ مشروع.


مشروعات كلها تصب فى اتجاه بناء الدولة وإعادتها إلى مكانتها كقوة إقليمية تمتلك قرارها ولا تخضع لأحد، وهذا ما لم يرض الكارهين لمصر لأن هذا التدخل من الجيش أفسد عليهم مخططهم لتعجيز مصر.


بل وزاد الغضب عليه عندما تدخل بكل قوته ليساند المصريين فى مواجهة موجة الغلاء التى ضربت الأسعار بسبب جشع التجار وارتفاع فاتورة الإستيراد، فإنتشرت منافذ البيع التابعة لجهاز الخدمة الوطنية وظهرت سياراتها فى كل أنحاء الجمهورية لتقدم السلع للمواطنين بأرخص الاسعار، وفوق هذا قدمت ما يزيد عن مليونى كرتونة غذائية لغير القادرين فى المناطق المهمشة والعشوائيات فكان هذا التدخل الواعى انقاذا للبلاد من أزمة كان من الممكن أن تهدد السلام الاجتماعى فأشتعل أهل الشر غضباً من هذه المؤسسة الوطنية.


لهذا كان الهجوم المتعدد والمتنوع على هذه المؤسسة لشيطنتها وتصويرها على أن ما تقوم به لصالح الشعب إنما هو لتحقيق مآرب شخصية للمؤسسة نفسها ورغبتها فى السيطرة على مقاليد الدولة، فخرج من يدعى أن الجيش أفسد السياسة بتدخله، وظهرت كتابات موجهة تلقى على الجيش تهم التسبب فى فشل وإرباك المشهد واحتكار الدولة لصالحه، وأن القوات المسلحة هى التى تحكم مصر.


بل وبالغ بعضهم فى الزور والبهتان وادعوا أن مصر أصبحت دولة عسكرية، والغريب أنهم كى يبرهنوا على عوراتهم تجاهلوا أن الرئيس السيسى جاء إلى الرئاسة بانتخابات ديمقراطية شهد بنزاهتها العالم، كله وفاز فيها بأغلبية غير مسبوقة، ومع ذلك أصروا على وصفه بالرئيس العسكرى.


وفى سبيل التشويه المتعمد تجاهل هؤلاء ما قام به الجيش ورجاله من جهد وما بذله من أجل مصر والحفاظ عليها ضد مخططات الإسقاط بعد ثورة ٢٥ يناير.


تجاهلوا عمدا كيف وقف رجال القوات المسلحة فى الشوارع فى أعقاب الانفلات الأمنى خلال ثورة يناير وأمنوا المواطنين والمنشآت وتحملوا ما لم يطقه أحد من هجوم وادعاءات وأكاذيب بل وتطاول ليس عن ضعف أو قلة حيلة وإنما رغبة فى أن تعبر البلاد هذه المحنة بأقل خسائر.


لم يجرؤ أحد من هؤلاء المدعين المتطاولين على الجيش أن يكون صادقا وموضوعيا ويتحدث عن البديل الذى كان يمكن أن يحدث لو آثر الجيش السلامة والتزم ثكناته مبتعدا عن السياسة فى هذه المرحلة الحرجة والاستثنائية.


تجاهل هؤلاء ما وصلت إليه دول مجاورة لأنها لا تمتلك جيوشا وطنية أو سقطت جيوشها فسقطت الدولة بالكامل ولم يعد هناك أمل فى قيامها من جديد.


الأهم أنهم تغافلوا عن الدور الذى لعبه الجيش على مدار تاريخ مصر وكيف أنه كلما كان الجيش قويا وراسخا كانت الدولة المصرية عفية وقادرة.


بل تجاهلوا أنه كلما واجهت مصر خطرا أيا كان نوعه أو مصدره كان الجيش عند الموعد يسارع لإنقاذها ويعيدها إلى مكانها وموضعها، فلم ينزل الجيش إلى الشارع ولم يقحم نفسه على الحياة المدنية إلا استجابة للشعب، فعلها فى يوليو ٥٢ عندما زاد الاستبداد والظلم من قبل الاحتلال البريطانى والملك فى آن واحد فنزل الجيش بأمر أبنائه من الضباط الأحرار المنتمين للطبقة الوسطى ليقوم بالثورة التى خلصت المصريين من هذا الظلم فأيده المصريون ورفعوا قائد الثورة جمال عبد الناصرعلى الأكتاف ولقبوه بالزعيم الخالد حتى بعد وفاته.


فعلها مرة ثانية عندما خرج المصريون إلى الشارع فى ٢٥ يناير ٢٠١١ ليعلنوا الغضب على نظام مبارك بعد ٣٠ عاما من الفشل وغياب العدالة الاجتماعية فنزل الجيش ليعلن وبشكل واضح انحيازه إلى الشعب ضد النظام، ويحتضن المصريون الدبابات ويحتفلون برجال القوات المسلحة الذين ساندوهم فى وجه نظام لم يعد صالحا للحكم.


وفى ٣٠ يونيه كان الجيش هو المنقذ من حكم فاشية دينية كادت تفرض سيطرتها على الشعب وكما فعل المصريون مع عبدالناصر فى ٥٢ عادوا ليكرروا المشهد مع السيسى فى ٢٠١٣.


فى كل المرات التى اضطرت الظروف فيها استدعاء الجيش لم يستغل الجيش ثقة الشعب فيه ليطمع فى السلطة ويتصدر المشهد السياسى وإنما كان تدخله كما وصفه الرئيس السيسى نفسه بهدف تحقيق استقرار الدولة ومنع سقوطها أو الانزلاق إلى الخراب والفوضى كما حدث فى دول أخرى.


ولأنه الجيش المصرى وليس مؤسسة أخرى فقد كان عند حسن الظن، فلم يستغل الظروف ولم يقايض المصريين ولم يفرض شروطه ، ولو أراد لفعل ذلك. وكانت الفرصة مواتية له مرات ومرات. سواء عندما نزل ليؤدى مهمته أثناء انتفاضة يناير ١٩٧٧ أو عقب مواجهة تمرد الأمن المركزى، ١٩٨٦ بل لو أراد فى ٢٥ يناير ٢٠١١ لفرض سيطرته واستمر فى الحكم وقدم المجلس العسكرى مرشحه وكان سيفوز، لكنه التزم بمصلحة البلاد ورفض أعضاء المجلس العسكرى الذى كانت كل مقاليد الأمور بأيديهم فى ذلك الوقت أن يزاحموا فى معركة الرئاسة واتفقوا أن يكون دورهم مقتصرا على تأمين البلاد وإدارة شئونها وتسليمها لمن يختاره المصريون بإرادتهم أيا كان اسمه وانتماؤه، وعندما تمكن الإخوان من الوصول إلى الرئاسة بحيلهم وباستغلال الدين وتعالت الأصوات تنادى المجلس العسكرى بمنعهم من الرئاسة رفض احتراما للدستور وإرادة الشعب، وسلمت السلطة فى يوم كئيب على كل المصريين، وعاد الجيش إلى ثكناته.


وفى ٣٠ يونيه كان الطريق ممهدا كى يعتلى الجيش منصة السلطة، ولو كان له مطمع سياسى لفعل ذلك بسهولة وكان المزاج العام ورغبة الغالبية العظمى من الشعب تؤيد هذا، لكنه أراد أن يترك للمصريين الاختيار وفق خريطة مستقبل لم يضعها الجيش، وإنما شاركت فيها كل مؤسسات الدولة والقوى الشعبية، فقد فضلت المؤسسة العسكرية ألا تنفرد بالأمر وإنما تشارك القوى السياسية، فلم يكن مشهد الفريق أول عبد الفتاح السيسى يوم ٣ يوليو وهو يتوسط شيخ الأزهر والبابا تواضروس وممثلى القوى الشعبية سوى دليل على إصرار المؤسسة العسكرية بأن تكون حامية للإرادة الشعبية وليست موجهة لها أو مسيطرة عليها.


ومنذ ٣٠ يونيه ورغم كل الاتهامات التى كانت تكال بغرض التشويه والتى ادعت أن الجيش كان هو المسيطر والمتحكم حتى فى الرئيس المؤقت للبلاد المستشار عدلى منصور وأن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسى كان صاحب الكلمة العليا فى مجلس الوزراء، إلا أن شهادات من كانوا فى مجلس الوزراء من شخصيات مستقلة ومرموقة مثل الدكتور حازم الببلاوى رئيس الوزراء أو حسام عيسى نائب رئيس الوزراء أو حتى كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة كانت حاسمة وقاطعة، فقد شهدوا بعد خروجهم من الوزارة أن السيسى لم يكن يمارس أى دور يجاوز كونه وزيرا للدفاع ولم يسع لفرض رأيه أو تسيير الأمور.


وعندما ترشح السيسى للرئاسة لم يكن قراره فرديا أو لمطمع شخصى أو لتحقيق خطة للمؤسسة العسكرية بالسيطرة على البلاد كما روج بعض الأفاقين، وإنما كان قرار ترشحه استجابة لرغبة ملايين المصريين بالترشح لقيادة الدولة فى هذه المرحلة العصيبة، ومنذ تولى الرئاسة والقوات المسلحة تتحمل عبء الدولة كاملا، تؤمن حدودها وأرضها، وتواجه الإرهاب فى سيناء وعلى كافة الاتجاهات غربا وشرقا وجنوبا، وفوق ذلك تسهم بالجزء الأكبر من عملية البناء والتنمية، فلا يوجد مشروع قومى إلا والقوات المسلحة تتحمله أو على الأقل تتولى الجزء الأكبر منه، من مشروعات الطرق إلى المليون ونصف المليون فدان إلى الإسكان الاجتماعى وبناء المطارات ومشروعات الثروة السمكية، والمدن الجديدة إضافة لأكثر من ١٣٥ كوبرى، حتى فى مواجهة الكوارث كانت القوات المسلحة هى البطل فى مواجهتها، ورجالها يواصلون العمل ليل نهار من أجل إنجاز ما يكلفون به من أعمال ومشروعات فى موعدها، ولم نسمع مرة من قيادة القوات المسلحة تزايدا على المصريين أو تنتظر شكرا، بل كلما افتتحت مشروعا أو أنجزت تكليفا يكون الحديث عن أن هذا جزء من رد الجميل للشعب.


بالطبع ليس هذا غريبا على القوات المسلحة فالمؤسسة التى لم تزايد على المصريين بشهدائها الذين يتساقطون يوما بعد الآخر فى المواجهة القوية ضد الإرهاب لن تزايد أبدا على الشعب بمشروعات تنفذها،


كل الوقائع تؤكد أن الجيش المصرى لا يتدخل فى السياسة ولا يمارسها، يفهم ألاعيبها ويتعاطى معها طالما فرضت عليه الظروف ذلك و لكنه لا يمارسها، وعندما يتدخل فى ملف أو مشروع فهو لايتدخل طمعا فى مصلحة أو رغبة فى تحقيق أهداف خاصة، وإنما لتحقيق مصلحة المصريين وحماية أمنهم .


فالجيش المصرى لا يسعى للسياسة ولا يمارسها، بل زاهد فيها ويكتفى بشرف حماية البلاد والدفاع عن أمنها وأرضها، وبذل الدم من أجل استقلالها، وتواجده كلاعب رئيسى فى المشهد ليس سببه أنه يرغب فى أن يتجاوز حدود مهمته المقدسة وإنما لأن المعادلة التى يعرفها جيدا خبراء الاستراتيجيات والعلوم السياسية أنه كلما زادت التهديدات للدولة ووجودها كان الملاذ هو تدخل القوات المسلحة لأنها القوة الوحيدة التى تستطيع أن تواجه تلك التهديدات.


وفى مصر يرى الجميع أن التهديدات للأمن القومى للبلاد تتزايد والتحديات تتعدد ولا يمكن مواجهتها إلا من خلال الجيش، وعندما فرضت عليه الظروف أن يتدخل فى السياسة كان تدخله مؤقتا وحقق مصلحة المواطنين، وربما مما لا يمكن أن يتجاهله أحد مهما بلغ سواد نيته أنه كلما كان الجيش هو صاحب القرار أو كانت القيادة لواحد من قادة القوات المسلحة كانت القرارات فى صالح المواطنين المطحونين والغلابة ومحدودى الدخل، فكما كانت سياسات عبد الناصر فى ٥٢ كلها تصب فى تحقيق العدالة الاجتماعية الغائبة لقرون قبل الثورة، كانت وما زالت انحيازات السيسى وقراراته من أجل الغلابة والفقراء وآخر دليل على هذا التوجه الواضح توجيهاته وتعليماته الحاسمة للحكومة والقوات المسلحة بإنجاز ملف إنقاذ سكان المناطق الخطرة فى العشوائيات وتحركاته واجتماعاته التى لا تتوقف من أجل مواجهة مافيا التجار التى تحرق جيوب الغلابة.


كما أن وجود رجل من أبناء القوات المسلحة فى سدة الحكم يعطى القرارات قدرا كبيرا من حماية المصالح الوطنية والأمن القومى ويجعلها أكثر حرصا على استقلال البلاد.


فإن كان هذا هو عسكرة للدولة كما يحاول بعض الكارهين ترويجه فأهلا بهذه العسكرة وأهلا بتواجد الجيش فى السياسة طالما أنه سيحمينا من المتآمرين