العقارب تحيا مع سكانها.. والحكومة تماطلهم الدويقة حيـاة على الورق!

18/05/2016 - 2:12:39

  الزميل أشرف التعلبى يستمع لشكاوى مواطنى الدويقة عدسة : شيماء جمعة الزميل أشرف التعلبى يستمع لشكاوى مواطنى الدويقة عدسة : شيماء جمعة

تحقيق: أشرف التعلبى

الطريق إلى مساكن الدويقة، شاق، ومرهق، ومليء بالثعابين والعقارب والكلاب، التى تشارك الأهالى حياتهم. سكان الدويقة لا يزالون يحلمون، ونحن فى ٢٠١٦، بدورة مياه أو حجرة آدمية للعيش بها؛ لكن حلمهم الأكبر ألا تكرر حوادث سقوط صخور الجبل عليهم.


تقع الدويقة فى القاهرة، ولا تفصلها سوى كيلو مترات من حى مدينة نصر الراقي، إلا أن الفرق بين المكانين مختلف تمامًا، حياة أخرى غير الحياة. حياة سكان الدويقة لا تسر أحدًا، فالمنازل عبارة عن أحجار مسقوفة بالأخشاب، التى لا تمنع أمطار الشتاء، ولا حرارة الصيف، ويغيب عن بعضها دورات المياه.


ووسط كل ذلك، فالحكومة لم تتحرك بشكل جدي، رغم وقوع كارثة الدويقة فى عام ٢٠٠٨، إذ سقطت صخور من الجبل على السكان قتلت نحو ١٠٠ شخصا، وأصابت العشرات؛ لكن تصريحات الرئيس السيسى خلال افتتاحه مشروعات جديدة بمدينة بدر قبل أيام تعطى الأمل بأن يجد سكان هذه المناطق حياة آدمية، إذ قال الرئيس عن العشوائيات «أنا عمرى ما غاب عنى سكان هذه المناطق، ولا يليق بنا أن نناسهم، والقوات المسلحة ووزارة الإسكان مسئولان أمامى للانتهاء من اصلاح هذه المناطق.. هناك ٨٥٠ ألف مواطن يعيشون فى المناطق غير الآمنة، وانهاء الوحدات السكنية الجديدة لهم خلال عامين بدلًا من ٣ سنوات أمر ضروري».


الرئيس السيسى كان قد أعلن من قبل عن تخصيص مبلغ مليار جنيه لمنطقة الدويقة باعتبارها اكبر المناطق العشوائية، حيث يعيش معظم أهاليها تحت خط الفقر، ويواجهون متاعب الحياة، دون انتظار لمعونة احد.


«المصور» تجولت فى «الدويقة»، كونها واحدة من أشهر المناطق العشوائية فى مصر، فى أيام الموجة الحارة، حيث وصلت درجة حرارة إلى ٤٥ درجة، وقضت يومًا كاملا تستمع إلى شكاوى السكان ومطالبهم لتنقل صورة عن الوضع للمسؤولين، علهم يعجلون التحرك. بعكس كثير من المصريين، سارع الأهالى للحديث، للتعبير عن همومهم، والبوح بها. فى البداية قالت «أم رجب»، ربة منزل ترفض ذكر اسمها هي، وتكتفى بالإشارة لاسم أكبر أبنائها: «لقد عاصرت كل الازمات بالمنطقة، ولا أجد كلامًا يقال سوى أنه يجب أن نرحل من هذا المكان، لقد تعبنا من مجاورة الثعابين والعقارب.. الشمس تحرقنا، والمطر يغرقنا، والحكومة لا تنظر لنا بعين الرحمة.. الخدمات الممثلة فى المياه والكهرباء غير متوافرة بشكل دائم، حتى فى مرة جاءت الكهرباء وحدث ماس نتيجة سقوط أمطار، ومات عدد من جيراني.


لا تعول هذه السيدة على الحكومة كثيرًا، لأنها، وغيرها من الأهالى ملّوا الزيارت المكررة من المسؤولين دون إصلاح شيء على أرض الواقع، «المحافظ اتكلم أكتر من مرة عن الشقق ويقول بكرة وبعده، ولا بيحصل حاجة.. كل يوم رئيس الحى يزور المنطقة و العشش ويمشي،، ولا فيه أى نتيجة ولا حد بيسأل تاني، وكام مرة اخذوا ورق ومحدش بيرد علينا.. نتمنى من الرئيس السيسى إنه يعرف حالنا ويمشينا من هنا لمكان تانى يليق بينا كبنى آدمين».


لا تكاد تنتهى ربة المنزل من حديثها، حتى يدخل «شعبان محمود حسين»، شاب ثلاثينى فى الحوار: «كل الناس شايفة حال الدويقة من بيوت وعشش ، والناس هنا تعبانه والحالة صعبة، نفسنا بس فى مكان حلو يكون فيه خدمات ومستشفى ومدارس للاطفال، وشغل للشباب.. نفسى فى شقة علشان نربى فيها العيال، ومن يوم سقوط الصخور، واحنا بنسمع وعود من زمان، ومن حقنا نعيش زى باقى الناس اللى عايشة كويس».


يعمل شعبان فى ورشة باليومية، ويأمل أن يتم نقله إلى مكان قريب من عمله، لكنه لا يعول كثيرًا على وعود المسؤولين «محدش بيعمل حاجة، بنشوف الشقق فى التليفزيون بس لكن فى الحقيقة مفيش حاجة.. كفاية بهدلة فينا يا حكومة».


أحمد محمد، سائق، لا يختلف وضعه كثيرًا عن أقرانه فى المنطقة، ويتحدث عن وضعه: «احنا معدومى الدخل، اللى عايشين فى عشش وراضيين، وبنشتغل على باب الله، معظم الناس بتشتغل هنا باليومية، مفيش حد موظف، ياريت يكون فيه اهتمام بينا، حرايق كتير بتحصل فى المنطقة بسبب الماس الكهربائى لان كل الاسلاك مركبة بطريقة عشوائية.. بس مفيش حد بيهتم طبعا».


حال أحمد، وشعبان هو نفس ما يعيشه حسين محمود، يسكن بالدويقة منذ سبع سنوات، ويقول عن علاقتهم بوعود النقل من المنطقة: «كل سنة تأتى لجنة من الحى لحصر الاسر والمستحقين وياخذوا الورق والبيانات، ونأخذ منهم وعود وكلام على الفاضي، نفسى كلام الرئيس السيسى يتحقق على أرض الواقع علشان نرتاح.. هنا مفيش مستشفى قريب، ممكن نموت من غير ما حد يسأل علينا، عايزين شقق فى مكان قريب.. مش عاوزين نسكن فى ٦ اكتوبر لانها بعيدة.. فيه ناس أخذت شقق هناك ورجعت تاني، علشان لقمة العيش».


الحاجة تفيدة محمود تأمل أن يتم نقلها وأسرتها من الدويقة بأسرع وقت، «ممكن نروح مكان فى المقطم يكون قريب من مدارس ولادنا، وأكل عيشنا.. أاكتوبر بعيدة علينا ومفيش فيها مصدر رزق» . وأكمل حديثها محمود حسن، شاب عشريني، يعمل بورشة حديد: «أغلبنا هنا ساكن فى عشة، وكل كام اسرة فى المنطقة بيشتركوا فى حمام، الرئيس السيسى شغال كويس فى البلد والحال أفضل، ونتمنى كلامه عن الشقق يتحقق».


الحديث مع سكان أهالى الدويقة لم يتوقف، الجميع يريد أن يروى معاناته ومأساته التى تبدو للمتابع أنها واحدة، لكنها بالنسبة لهم تمثل عالمًا خاصًا. إبراهيم أحمد، أحد سكان المنطقة، سعد بحصوله على فرصة للحديث، وقال: أنا ساكن بالدويقة من عشر سنوات، والبيت كله مهدد بالسقوط وكله شروخ زهقت من موضوع النقل ، كل شوية نتكلم فيه، وعشرات القنوات والصحف بتصور أهالى الدويقة ومفيش حد سامع هموم الاهالي، نفسى اى مسئول يأتى ويعيش يوم واحد بالدويقة علشان يحس بالنار والذل اللى احنا فيه.. السيسى اتكلم لكن مفيش حد بينفذ، المحافظ أدى الشقق للاسكان الاجتماعي.. موضوع نقلنا مش هين ولا بسيط، احنا فى مناطق خطرة، وممكن تسقط صخور على الناس فى أى وقىت».


ولفت حسن محمد، قهوجي، إلى أن غياب الصرف الصحى مسألة يعانى منها كل سكان المنطقة، وأن الحل هو الانتقال لمكان آخر، «نحن هنا وكأننا فى مقابر.. هذه العشش لا تصلح لسكن بنى آدمين... احنا لازم نموت علشان الناس والمسؤولين يحسوا بينا يعني.. الناس مستنية صخرة جديدة تقع علينا مثلا؟»


الشباب فى الدويقة كثر، وجميعهم إما عاطل عن العمل أو يسعى لجلب الرزق من عمل بسيط فى قهوة أو ورشة. طارق محمد صديق، شاب فى الثلاثينات، يشير إلى أنه يعيش فى المنطقة منذ ١٣ عامًا، وطوال هذه الفترة يسمع عن فكرة النقل والشقق فى اكتوبر والسلام والنهضة، لكن دون تنفيذ، «لازم الحكومة توفر مصدر رزق جنب الشقق علشان نأكل ولادنا.. رسالتى للرئيس انه يخلى باله من الناس الفقراء، نفسنا نعيش مستورين.. ونجيب حق ولادنا فى الحياة بس».


قبل مغادرة المنطقة، أصر أحمد السمان، صاحب ورشة اكسسوارات، على الحديث، وقال «الوضع فى الدويقة سئ جدا، لكنه لا يخفى على أحد.. تدخل الحكومة لم يعد اختيارًا، يجب التحرك بأقصى سرعة، المحليات يجب أن تحاكم على ما حدث لنا.. نحن أولى بالسكن فى مناطق بها مشروعات، الرئيس السيسى يعمل بجدية كبيرة ولديه رغبة فى تحويل مصر لدولة قوية، والمسؤولين عليه أن يساعدوه.. أتمنى نقلنا لمنطقة السلام أو النهضة أو ٦ أكتوبر أو المقطم».