الأهالى: «إحنا واثقين فيك يا ريس بس لا نثق فى الحى» تل العقارب .. بُسطاء ينتظرون الموت!

19/05/2016 - 9:49:49

إحدى أهالى تل العقارب تحكى همومها لمحرر المصور - عدسة : مصطفى سمك إحدى أهالى تل العقارب تحكى همومها لمحرر المصور - عدسة : مصطفى سمك

تحقيق: محمود أيــوب

هُنا منطقة الموت، المُسمى الواقعى لمنطقة «تل العقارب» بالسيدة زينب، عبارة عن غُرف مُتهالكة، تكاد أن تتساقط فوق رءوس قاطنيها، مظاهر الحياة البسيطة غير مُتوفرة من الأساس، تحاصرهم «القمامة والأوبئة والبلطجة من كل اتجاه». أهالى «تل العقارب» قالوها بعلو الصوت، «إحنا واثقين فيك يا ريس بس مش واثقين فى مسئولى الحي».. الأهالى تجددت أحلامهم بحياة أفضل بعد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن العشوائيات، وأن كل مواطن سوف يحصل على حقه كاملا.. الأهالى تفاءلوا بحديث الرئيس، لكنهم يتخوفون من «استمرار ظلم مسئولى الحى».


ما يقرب من ١١٠٠ أسرة، هى عدد الأسر التى تسكن فى «تل العقارب»، يعيشون على هامش الحياة، حلمهم الوحيد «شقة لكل أسرة بدلا من ٣ أسر يعيشوا فى شقة واحدة».


«المصور» كانت هناك فى «تل العقارب» لترصد مُعاناة الأهالى بكل صدق وعفوية شديدة، وتضع الحقيقة كاملة أمام المسئولين، الذين صمت أعينهم لسنوات عن «الغلابة» فى هذه المنطقة العشوائية، التى ينتظر سكانها الموت فى كل لحظة، والتى تُعد قُنبلة موقوتة، قد تنفجر فى وجه الحكومة فى أى وقت.


يقول محمد مجدى شاب ثلاثيني، هذا المكان لم يعد يصُلح للعيش فيه، مبان مُدمرة ومُتهالكة، والحكومة «مش شايفنا ليه، يرضى مين ده، إحنا مش بنام، صدقنى مش بنام.. بنخاف تقع علينا حيطة من هنا ولا من هناك،» لافتا إلى أن السبب وراء سقوط هذه الجدران، ما فعله الحى من هدم بعض المساكن لبعض أهالى المنطقة دون أن يفكروا فى نقلنا جميعاً، وهو ما أثر بالسلب على المساكن المُجاورة، ذهبنا أكثر من مرة إلى حى السيدة زينب، وتقدمنا بالأوراق المطلوبة، لكن لم يأت أحد لنا ويبقى الحال كما هو عليه».


والتقط طرف الحديث الشاب حسن مجدى، ويعمل فى ورشة سيارات، قائلاً: «مش طالع منها غير لما يشوفوا لنا حل، وأنا مقدم الورق الخاص بى منذ أكثر من شهرين ونص»، وردوا على: «القرار بتاعك طلع»، وللأسف «مفيش حاجه طلعت»، والبيت بقاله أكثر من ٤ شهور على الحال «دا بيقع حته حته.. إحنا عايزين شقق نقعد فيها».


وتابع حديثه بشكل عفوي: «هى الحكومة عايزة تطلعنا من هنا، ماشى إحنا موافقين بس مش نطلع وترمينا فى الشارع، تودينا المشروعات السكنية اللى بنسمع عنه. واللى مش بنشوف منها حاجه»، مضيفا بلغته العامية البسيطة: «الحكومة عايزه تخرجنا من هنا، تودينا فى الصحراء، إحنا عشتنا وأكلنا هنا، نروح فى الصحراء نعمل إيه، هناك هنعرف نشتغل، هنعرف ننزل نروح شغلنا ونأكل أولادنا، إحنا موافقين نخرج من هنا دى حاجة بالنسبة لنا حلم، بس مش نروح نترمى فى الصحراء حرام، أنا شغلى تحت البيت، أروح إزاى ٦ أكتوبر كل يوم، دا سفر لوحده.


لم يتمالك عبد العظيم محمد فريد (٨٠ عاما) نفسه خلال الحديث مع «المصور» وسالت الدموع من عينيه، قائلاً بلغته البسيطة: «الحكومة مش سائلة فينا، والله حرام عليهم هيروحوا من ربنا فين، هو إحنا مش بنى آدمين، إحنا مش محتاجين حاجة. إحنا عايزين شقة تلمنا بدل من الهلاك اللى إحنا عايشين فيه»، مضيفا: يعنى الحكومة لو جاءت وقالت لنا «هنديكوا شقة مش هنخرج»، لا طبعاً «هنخرج وماله»، إيه المشكلة بس «هما فين من اللى إحنا فيه».


وتابع وهو منخرط فى البكاء: «أرسلت أولادى إلى البلد فى الصعيد بسبب خوفى عليهم من هنا، وإن كان الوضع على أنا مش مشكلة، هموت يعني، إحنا كدا واللا كدا ميتين».. مهندس الحى جاء، وسألنا: «أنتم قاعدين ليه رحوا اقعدوا عند أحد من أقربائكم، رديت عليه: «شفلنا مكان وإحنا نمشى.. وهوا حد بيستحمل حد الآن اليومين دول».


وعن سماعه لحديث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن تطوير العشوائيات، قال «فريد» سمعت الرئيس وهو بيقول «لازم نعملهم حاجة ونطلعهم من اللى هما فيه.. ونوفر لهم مكان يقعدوا فيه»، الرئيس رجل محترم وبيحبنا وبيحب مصر، لكن لازم يأتى بنفسه ليرى الوضع، و»بلاش يستمع» للمسئولين، لأنهم «مش بيعملوا حاجة وبيقولوا كلام وخلاص».


«عايزين يخصصوا لكل ثلاثة أشخاص شقة يرضى مين دا»، هكذا قال رشدى الليثى (عامل)، مضيفاً: «الرئيس يقول كل واحد شقة، والمسئولون يخصصون لكل ٣ أشخاص شقة» ،لحساب مين يحدث هذا، هى الشقق دا بتاعتهم ولا بتاعة الغلابة اللى زينا»، موضحا لدى عقد مُسجل من سنة ٧٥ عاما، وموظف الحى يأتى ويسألك «أنت قاعد فى البيت، نقوله أه، يروح يخصص لكل ثلاثة أسر شقة»، يعنى مثلاً أختى وجوزها وابنها ومراته وأخته مخصص لهم شقة، «إزاى أكون متزوجا وأسكن مع زوج أمى مينفعش، المفروض يعطوا كل واحد شقة».


واتهم «الليثي» مسئولين فى الحى بالحصول على أموال من السكان، لتسهيل إجراءات الحصول على وحدات سكنية. وتابع بقوله: «إحنا سمعنا الرئيس السيسى وهو بيقول كل واحد يأخذ حقه بالقانون.. وأنا معى بطاقة على البيت ومش عارف أحصل على شقة»، «إحنا واثقين فى الرئيس بس مش واثقين فى المسئولين بالحى.. لو كل ساكن حصل على وحدة سكنية، حتى لو مش هيرجعونا تانى للمنطقة أو حتى هيبيعوها معندناش أى مشكلة»، مضيفا: «مسئولو الحى يقولوا لا المُطلقة ولا الأرملة ولا الشاب غير المتزوج لهم شقق، ولو راجل كبير فى السن يسكن فى دار المسنين، طيب يخصصوا له شقة ولما يموت يخدوها».


من كثرة القنوات التى تحضر وتصور أحوال الأهالى فى «تل العقارب»، لم يعد للأهالى ثقة للوصول لأى حلول مع الدولة، سيدة ثلاثينية رفضت ذكر اسمها، قالت: «الرئيس قال كل واحد فى شقة، ولم يقل كل أسرتين فى شقة، إحنا عايزين كل أسرة فى شقة ومش شرط تكون غرفتين، لو غرفة وحمام ومطبخ ماشي»، مضيفة: «إحنا بنعمل حمامات فى الجرادل وبنفرغها فى البلاعة»، والحكومة جاءت وهدمت البيوت علينا، طيب كانت تسلمنا الشقق فى الأول، وبعدين تهدم البيوت براحتها، زى ما عملت فى «زينهم»، سكنت الناس مرة واحدة وبعدين رجعوا بنوا المنطقة، لكن مش تيجى تهدم جنبا وتسيب الباقى.. وكل اللى عملوه فى المنطقة هدموا جزءا بسيطا من المنطقة لـ»١٥ « أسرة، طيب أنت كدا الحكومة عملت إيه خربت البيوت علينا وسبونا فى المنطقة عايشين لا حول ولا قوة، ومش قادرين يخصصوا لكل شخص شقة منهم لله إحنا ملناش غير ربنا».


واختتمت حديثها قائلة: «بيقولوا لنا الأرض تم بيعها للمستثمرين، ومسئولى الحى بيقولوا لنا «إلا مش هيخرج هنجبلو قوى جبرية ونخرجه بالعافية ترميه فى الشارع».. أنا واحدة من الناس زوجى فى السجن، ولدى ٣ أولاد اترمى فى الشارع، لأن أوراقى وبياناتى كلها على عنوان بيت زوجى وليس على عنوان «تل العقارب»، و»المصيبة أن فيه ناس مش معاها ورق وحصلت على شقة».


وتحدث محمود حسن (عامل) عن الوضع فى «تل العقارب»، قائلا: المنطقة بسبب عشوائيتها أصبحت مأوى للسوابق، الذين يستغلون المنطقة فى خدمة أهدافهم، رغم عن الجميع، ولا أحد يتدخل.


أطفال «تل العقارب» مشردون لا مستقبل لهم، الطفلة «إلهام» تخاف من الثعابين والعقارب، قائلة بعفوية شديدة «بشفها كل يوم.. ونفسى أدخل المدرسة وأتعلم فى المدارس الحلوة اللى بشوفها فى التليفزيون».


«المصور» واصلت رحلتها فى «حى الموت» أو «تل العقارب سابقا»، وتقابلت مع حمدى محمد عبد المنعم، الذى كشف لنا أن «موظفا فى الحى يحضر لنا سيارات القمامة لنقل أثاثنا من الغرف، ويقول لنا «هو دا عفش دا زبالة».


أما عطيات عبد الله (٥٠ عاما) قالت: «الحى يختار شخصا من كل حى لجمع البيانات عن الأسر، «ولو أنت زعلان معاه، يقولك البيت اللى فى ٨ أسر يقول فيه أربعة بس.. علشان يخصصون أسرتين فى شقة واحدة.. صحيح إحنا فى غرف بس كل غرفة مستقلة وبعيدة».


وتابعت «عبد الله» بعفوية شديدة: تعبنا «لا ميه ولا نور والبلاعات مليانة وكل يوم بتطفح علينا، كمان لو حد تعبان الإسعاف لا يعرف يصل للمنطقة، لأن مداخلها كلها سلالم.. إحنا مش كتير، نقدر بنحو ١١٠٠ أسرة، وفى أسرة مكونة من ٦ أشخاص، وللأسف «مفيش أمانة فى توزيع الشقق، لأنهم مش ماشين بالورق، ماشين بكلام الناس اللى هما مجندينهم».


وأضافت: «إحنا واثقين فى السيسى جدًا، لكن على نظام الحى والحكومة كدا حرام والرئيس مش شايف، وأنا بطلب منه أنه ينزل حد أمين إلى المنطقة، يحصر الناس بأمانة، ويبعد بتوع الحى.. إحنا نترجى الرئيس إنه يطلب كام شخص من المنطق. وإحنا اللى نختارهم مش الحى، يقعدوا معه، لأن الحى ياخد بكلام ناس إحنا أصلاً مش واثقين فيهم».