من يحرق مصر؟!

18/05/2016 - 2:04:42

بقلم - يوسف القعيد

قديماً قالوا لنا إن العدل البطيء شكل من أشكال الظلم. وأنا أعرف أن للقضاء والنيابة قدسية فى مصر. ولا يجب تناول ما تقوم به السلطة القضائية على صفحات الصحف. لكنى دهشت لحدود الذهول عندما قرأت فى صحفنا السيارة أن النيابة ما زالت فى انتظار تحريات الأمن الوطنى حول حريق الرويعى. حتى تستكمل التحقيقات فيما جرى هناك.. لن أحسب الأيام ولا الليالى التى مرت. ولن أتحدث عن الخسائر التى وقعت. ولا الأسر التى شُرِّدت. ولا المشكلة التى تبدو بلا حل - حتى الآن على الأقل – أقصد مشكلة الباعة الجائلين التى نواجهها أينما ذهبنا فى مصر. لم يعد الأمر مقصوراً على منطقة وسط البلد فى القاهرة. ولكنهم وصلوا إلى عواصم المحافظات والبنادر وربما بعض القرى. وإن كانت القرى أحسن حظاً. فمن يتجول من الباعة فيها شباب وشابات من الصين يعرضون البضاعة الصينية على أبواب البيوت ورؤوس الحقول ويبيعون إما «فورى» أو بالتقسيط. لكنها حكاية أخرى.


أصبحت الحرائق خبز كل يوم. فى وقت عز فيه الخبز فى أيادى المصريين. ثم أصبحت أهدافها شديدة الوضوح. فعندما يحترق الدور الرابع فى مبنى محافظة القاهرة. يخرج المسئول ليقول إن الحريق بسبب ماس كهربائى. وأن الوثائق التاريخية التى احترقت توجد نسخ منها على الميكروفيلم. وليست هذه هى القضية. لكن القضية كيف وصل الحريق إلى مكان توجد فيه وثائق الدولة المصرية. والماس الكهربائى لا بد أن يوجد من يعرفنا – نحن أبناء الشعب المسكين – حكايته وكيف يمكن مواجهة الحرائق الناتجة عنه قبل أن تقع.


جزء من هذه الحرائق اتجه إلى الأماكن التى توجد فيها ذاكرة المصريين. وتاريخهم، ووثائق حياتهم. وأدلة وجودهم. وجزء آخر اتجه إلى الأماكن التى تقدم الخدمات اليومية لكل مصرى. أيضاً كانت حياة الذين يعيشون فى قاع الدنيا المصرية الآن هدفاً لهم. ثم طالت وتطاولت ووصلت إلى دور العبادة.


عرفت مصر فى عهود سابقة مثل هذه الحرائق قبل انتهاء السنة المالية. شهر يونيه من كل عام. وكانوا يقولون لنا إن الموظفين فى الإدارات الحكومية المختلفة يؤمنون أنفسهم ويغطون على سرقاتهم بالحرائق. حتى عندما يأتى الجرد السنوى فى آخر السنة المالية. يكون كل شئ تمام على الورق طبعاً. ولا شئ سرق ولا شئ نهب ولا يحزنون.


لكننا لسنا على مشارف نهاية السنة المالية. ولم نقترب بعد من وقت تقفيل الدفاتر. أيضاً فإن التمام الذى كان يتم على مخازن الحكومة لا أعتقد أنه يجرى الآن. فى ظل حالة الغفلة التى نعيش فيها. ولا أعتقد أن هناك محاسبة قوية لمن يمد يده على المال العام حتى يلجأ للحرائق.


أيضاً عرفت فى قريتى قبل نصف قرن من الزمان أنه عندما كان يختلف فلاحان حول أمر من الأمور. فإن أحدهما كان يشعل الحرائق فى محصول الآخر. وما زلت أذكر أنهم كانوا ينظرون لمن يشعل الحريق – ليلاً كان ذلك أم نهاراً – كان يوصف من كل الناس بالخسة والنذالة والانحطاط وانعدام القدرة على المواجهة. كانوا يصفون فعله بأنه فعل لا يقدم عليه إنسان. ولا حتى الحيوان.


وكان رد أهالى القرية على خسة مشعل الحريق بعد البحث عنه والتأكد منه التكاتف الذى يمارسه الجميع فى مواجهة الحريق وإطفائه بأسرع وقت ممكن والتقليل من الخسائر الناتجة عنه بقدر الإمكان. لم يحدث فى حريق واحد تم لمحصول زراعى فى الحقول الواسعة أن انتظر الناس وصول المطافى. التى لم يشاهدها أهالى الريف إلا عندما انتقلوا إلى المدينة.


لكن ما يجرى فى بر مصر الآن أمر شديد الاختلاف. حرائق فى كل مكان من بر مصر. بدأت بالقاهرة والجيزة. وعندما قرأنا فى الصحف أن هناك تفكيرا فى تغيير القيادات الأمنية فى المحافظتين واستبدالها بقيادات أشد يقظة. امتدت الحرائق لكل مكان فى بر مصر.


لا أحد ينظر لهذه الحرائق على أنها صدف تجمعت مع بعضها البعض مع مجئ الصيف وارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة. فالحريق الذى يبدأ كشكل من أشكال العدوان على المال العام أو حرمان «الغلابة» من الحصول على أرزاقهم التى لا تكاد تكفيهم. يمكن أن يصل إلى ما يهدد أساس الدولة المصرية وتماسكها الذى اعتمد على السبيكة النادرة التى جمعت أهل مصر مع بعضهم البعض فى مواجهة كل المحاولات التى تمت للتفرقة وافتعال بذور الخلاف.


وما جرى فى قرية الإسماعيلية بمحافظة المنيا مؤخراً دليل على هذا. عندما أحرق «مجهولون» هكذا تقول بيانات الدولة المصرية، ممثلة فى سلطات الحكم المحلى كنيسة تحت البناء فى هذه القرية. صحيح أنه لم يكن هناك ضحايا. ولكن حرق الكنائس يضعنا فى مواجهة الهم المنسى أو الذى نحاول الهروب منه الذى نسميه من باب الخطأ: الفتنة الطائفية.


ميزة الدولة فى العصر الحديث أن فيها أجهزة يمكن أن تخضع أى ظاهرة للدراسة الدقيقة. وتربط الأسباب بالنتائج. وتتعامل مع الجغرافيا باعتبارها تاريخا ثابت. والتاريخ باعتباره جغرافيا متحركة. كما قال مرحومنا جمال حمدان فى موسوعته البديعة: شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان.


مشكلة الدولة المصرية الراهنة أنها تعاملت مع الحرائق بالقطاعى. حريق ينشب. لا يهم الدولة سوى عدد سيارات الإطفاء التى تحركت. وكم الساعات التى استغرقتها عملية الإطفاء. ثم بيان الضحايا. وفى اليوم التالى بيان مفصل بالخسائر المالية التى يبدو من تناقض أرقامها وتضاربها أنها تتم بشكل أقرب إلى العشوائية.


أما ربط الحدث الذى وقع هنا بما جرى هناك فهذا لا يجد من يقوم به. وتتحول الدولة المصرية كلها إلى دولة نقول عنها إنها أقدم دولة فى التاريخ. ومع ذلك فهى تسكن فى دوائر وبحار ردود الأفعال. تنتظر حتى يحدث حدث مخيف. ثم يندرج كل ما تقوم به تحت بند ردود الفعل.


علماء الاستراتيجية والحروب يقولون لنا إن المبادأة هى نصف الطريق إلى النصر. وأنك إن تركت المبادأة لخصمك. معناه أنك سلمته مسبقاً وقبل أن تفعل أى شيء بنصف هزيمة. لكن لا بد من التحرك الإيجابى الذى يسبق وقوع الفعل. لا ننتظر حتى نرى النار والدخان. ثم نبدأ سلسلة من الأفعال التى لا تخرج عن ردود الأفعال ولا تصل أبداً إلى الأفعال نفسها.


تعالوا نُعمل العقل ونسأل أنفسنا السؤال الذى يسأله أى محقق فى قضية جنائية. لكى تقوده الإجابة إلى احتمالات ما جرى. السؤال هو: من المستفيد من هذا الذى وقع؟ الإجابة عنه لا تشكل اتهاماً. لكنها تشير إلى بدايات الطريق الذى يمكن أن يقود إلى الفاعل الأصلى أو الجانى الذى أقدم على ارتكاب هذه الجريمة أو تلك.


لن أقفز لسؤال من المستفيد. لكن تعالوا نرصد ما يجرى فى مصر. وهذا ما فعلته بنفسى دون الاستعانة بأحد أو النقاش مع واحد من الجهابذة الذين يكبسون علينا على شاشات التليفزيون آناء الليل وأطراف النهار. وكل منهم مسبوق بكلمات: خبير أمنى، خبير استراتيجى، خبير معارك وحروب.


لقد لاحظت منذ بداية هذه الحرائق أموراً محددة:


أولها توقف المظاهرات الهزيلة التى كانت تتم يوم الجمعة من كل أسبوع بعد صلاة الجمعة مباشرة فى بعض أحياء القاهرة بشكل مركز فى أماكن متفرقة من الجيزة. كل مظاهرة منها لا تزيد على عدد من الأفراد لا يقل عن ٤ ولا يزيد عن عشرة. يرفعون رايات رابعة وعلاماتها ويرددون كلامهم الممجوج الذى يهاجمون به حكم مصر الآن.


من تكرار هذه الظاهرة وهزال أعداد المتظاهرين. توقف الناس عن متابعة المتظاهرين. ترى المظاهرة الصغيرة لحدود التلاشى تمشى فى الشارع ولا يتابعها أحد. ولا يتفرج عليها أحد. ولا يتوقف أحد لسماع ما يقولون. فالناس تمضى لحياتهم وكأن ما يجرى لا يعنى أحداً منهم فى شيء.


هذه التى يمكن أن يقال عليها من باب التجاوز مظاهرات توقفت تماماً منذ أن بدأت الحرائق. وقد مرت علينا جمعة أولى وجمعة ثانية ولم تتحرك «أى مظاهرة» من هذه المظاهرات المضحكة المبكية معاً. وتوقفها لا بد أن يطرح علامات استفهام كبيرة. إن استمرارها يطرح الأسئلة عن جدوى هذا الذى يتم. لكن السؤال عن الجدوى ربما يدور حول ما يحصل عليه المتظاهرون من أموال. لكن سؤال التوقف عن التظاهر تماماً يعنى آلاف الإجابات.


ثانياً: منذ أن بدأت الحرائق وأصبحت ظاهرة. وقد لاحظنا أن التفجيرات التى كانت تتم هنا وهناك مستهدفة أبناء الشعب المصرى الغلابة والمساكين تضربهم فى حياتهم وفى موارد أرزاقهم. وتحاول منعهم من الحصول على الرزق الحلال الذى يسعون إليه. تفجيرات كثيرة كانت تستهدف الخدمات التى تقدمها الدولة المصرية للمواطنين المصريين. تلك الخدمات التى تسهل عليهم استمرار الحياة. وتحمل عبئها وعنائها.


ثالثاً: حتى ما كان يتم فى سيناء خفت أصداؤه. وأصبحنا لا نسمع عنه ما كنا نسمعه من قبل عن الحوادث المتكررة والمستمرة، والتى لم تتوقف من قبل منذ انتصار إرادة الشعب المصرى العظيم على الطغمة الفاسدة المفسدة التى أبعدت عن حكم البلاد بعد سنة عصيبة اغتصبت فيها حكم هذا الوطن.


هذه الظواهر ومن المؤكد أن هناك غيرها كثيرا يمكن أن يستنتج منها الإنسان استنتاجين. الأول: أن من يقوم بكل هذه الأمور جهة واحدة. لا ثانى لها. الثانى: أنها تصورت بضيق الأفق وقصر النظر وتوقف عمليات التفكير أن الحرائق يمكن أن تنوب عن كل ما كانوا يقومون به من قبل.


لست فى حاجة للقول إن من يحرق مصر هم فلول الإخوان أو بقاياهم. وربما كانت هذه معركة ما قبل النهاية. أو معركة طلوع الروح الأخيرة التى لا يجب أن ينجحوا فيها أبداً.


ستسألنى وما الحل؟ وأقول لك إنه من الصعب - إن لم يكن من المستحيل – أن تضع الدولة المصرية حارساً على كل مبنى، أو كل مؤسسة، أو كل دار من دور العبادة. لكن الرهان الأساسى على الوعى الشعبى. على الناس الذين يجب أن يدركوا أن الشعب المصرى بأجمعه هو المستهدف بهذه الحرائق. وأن تكون هناك حالة من اليقظة المجتمعية التى تجعل الناس تمسك بمشعل الحرائق بمجرد أن يبدأ عمله. وما إن يبدأ الحريق حتى يحاولوا إطفاءه قبل وصول سيارة المطافى.