قرن على «سايكس – بيكو» (١ - ٣ ): توازن جديد.. خرائط جديدة!

18/05/2016 - 1:42:19

بقلم - أحمد بهاء الدين شعبان

«اعرف عدوك تكسب نصف المعركة مُقدماً» صن تزو


فى الفترة الزمنية بين نوفمبر ١٩١٥ ومايو ١٩١٦، وعبر سلسلة من اللقاءات والحوارات، والرسائل المتبادلة والتفاهمات، والخرائط والاتفاقات السرية، بين كل من إنجلترا وفرنسا، تم الاتفاق على توزيع مناطق النفوذ والهيمنة بين الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك، والهدف اقتسام الإمبراطورية العثمانية، التى كانت قد مالت إلى الضعف والتحلل، «فى منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، معطوفاً عليها تحديد مناطق النفوذ فى الدردنيل وغرب آسيا، عند انتصار الحلفاء المتوقع فى الحرب العالمية الأولى» .


وقد باركت روسيا القيصرية، هذا الاتفاق، نظير استيلائها على المضائق التركية والمناطق المجاورة لها، (بحرا مرمرة والدردنيل)، وجزء من شاطئ آسيا الصغرى، مقابل جعل القسطنطينية مدينة حرة، وضمان حرية الملاحة فى المضائق، واعتراف روسيا بـ «حقوق» إنجلترا وفرنسا الخاصة فى أقاليم تركيا الآسيوية، ثم باشتراك إيطاليا، فى حفل «توزيع الغنائم»، كثمن للتخلى عن التحالف مع ألمانيا، والانضمام إلى الحلفاء فى الحرب، مقابل منحها الحقوق والامتيازات التى كانت ممنوحة للسلطنة فى ليبيا، وبعض الأراضى فى الأناضول والبحر الأدرياتيكي.


وقد لعب الدور الأساسى فى إبرام هذه الاتفاقات، التى عُرفت باسم «اتفاقية سايكس – بيكو»، ( والمُوقّعة فى ٩ – ١٦ مايو ١٩١٦)، البريطانى “السير مارك سايكس»، والدبلوماسى الفرنسى «فرانسوا جورج بيكو»، ووزير الخارجية الروسى «سيرجى سازونوف»، ثم وزير الخارجية الإيطالى البارون «سيدنى سونينو»، الذى انضم إليهم فى مرحلة لاحقة.


كان الأمر، آنذاك، يبدو طبيعياً، فقد كانت الإمبراطوريتان العظميان: البريطانية (التى لا تغرب عنها الشمس)، والفرنسية المترامية الأطراف، تحركان، ومعهما الإمبراطورية الروسية فالإيطالية، مسارات الأحداث فى العالم بأسره، وتهيمنان على مصائر العديد من الدول والشعوب، وتبسطان سيطرتهما على مناطق شاسعة فى قارات كبرى، غنية بالموارد والثروات، كالقارة الأفريقية والآسيوية، ودول ذات حضارات تاريخية ممتدة كمصر والهند والصين!.


واستغلت بريطانيا علاقتها الوثيقة بالقيادات العربية التقليدية، وفى مقدمتهم «الشريف حسين»، وحالة التململ فى المنطقة العربية، للتحريض على الثورة بهدف التخلص من السيطرة العثمانية، مقابل وعود قطعتها على نفسها، ولم توف بها أبداً، سجلتها مراسلات «حسين - ماكماهون»، تضمنت الاعتراف «بدولة عربية مستقلة واحدة»، وبدلاً من ذلك، انتهى الأمر بصدور «وعد بلفور»، فى نوفمبر ١٩١٧، الذى «منح فيه من لايملك (البريطانيون)، لمن لا يستحق، (الصهاينة)»، أرض فلسطين العربية، بموجب تعهد بريطانى بإقامة «وطن قومى» لليهود فوقها، وهو ما ظهر إلى الوجود فى ١٥ مايو ١٩٤٨، ممثلاً فى الدولة الصهيونية، «إسرائيل»، التى لم يكن من قبيل الصدف، أن تنشأ على مرمى حجر من أكبر مخزون نفطى عالمى، نفط الخليج!.


وكما هو معروف، فلقد فضحت روسيا السوفيتية، بعد الثورة البلشفية، عام ١٩١٧، فحوى هذه الاتفاقية وأعلنت الانسحاب منها، و تضمنت اتفاقية “سايكس - بيكو” مامضمونه:


استيلاء فرنسا على غرب سوريا ولبنان وولاية أضنة.


استيلاء بريطانيا على منطقة جنوب وأواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناء حيفا وعكا فى فلسطين.


استيلاء روسيا على الولايات الأرمنية فى تركيا، وشمال كردستان، مع الاعتراف بحق روسيا فى الدفاع عن مصالح الأرثوذكس فى الأماكن المقدسة فى فلسطين.


يشمل النفوذ الفرنسى شرق سورية وولاية الموصل، بينما يمتد النفوذ البريطانى إلى شرق الأردن، والجزء الشمالى من ولاية بغداد وحتى الحدود الإيرانية.


يخضع الجزء الباقى من فلسطين لإدارة دولية.


يصبح ميناء الإسكندرونة حراً .


وقد كان من نتيجة هذه الاتفاقية، أن وقعت أغلب المنطقة العربية فى حبائل النفوذ الفرنسى والبريطانى والإيطالى، واقتضى التخلص من براثن الاستعمار الذى أنشب أنيابه فى الجسد العربى كفاح متواصل لأجيال بعد أجيال، وتضحيات كبيرة، وآلام بلا حد، حتى تمكنت شعوبنا من إجلاء القوات الأجنبية المحتلة عن معظم بلدان المنطقة.


غير أن الدول الاستعمارية، حرصت وهى تنسحب، ظاهرياً، من بلدان الوطن العربى، معترفةً باستقلال «صورى» لها، على إبقاء كل مظاهر تبعية هذه البلدان السياسية والاقتصادية، للغرب، قائمة، وحينما انهارت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية، فى أعقاب فشل حرب «العدوان الثلاثى»، التى خاضتاها بالاشتراك مع الدولة الصهيونية، ضد مصر، انتقاماً لتأميم الرئيس «جمال عبدالناصر» لقناة السويس المصرية، عام ١٩٥٦، تولت الولايات المتحدة الأمريكية، (التى خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، ومالكة بشكل منفرد السلاح النووى)، وراثة نفوذهما وهيمنتهما على مصائر أوطاننا وشعوبنا، وخاضت معارك ضارية استهدفت كسر إرادة مصر تحت القيادة الناصرية (الكاريزمية)، التى طرحت بُعداً قومياً لافتاً فى الصراع ضد «الاستعمار» و»أعوان الاستعمار»، واستأثرت بنفوذ واسع فى كل الأراضى العربية، وامتد تأثيرها إلى المستوى العالمى، من خلال حركة «عدم الانحياز”، وسياسات دعم حركات التحرر فى أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية!.


وبلغ الصدام ذروته فى الدعم غير المحدود الذى قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل فى حرب يونيو١٩٦٧، الأمر الذى أدى لهزيمة ثقيلة للجيوش العربية، وبعد جهد كبير، استطاع العرب وفى مقدمتهم المصريون، وبمساعدة محمودة من «الاتحاد السوفيتى» السابق، تعويض خسائرهم المعنوية والمادية، وأساساً العسكرية، بحرب «العبور» فى «أكتوبر ١٩٧٣”.


توازن جديد ... خرائط جديدة!


ومع رحيل «ناصر» فى سبتمبر ١٩٧٠، وتولى «أنور السادات» الحكم، ونجاحه فى إزاحة ممثلى «الخط الناصرى» من على قمة السلطة، وإعلانه تنصله من كافة الانحيازات الاجتماعية والسياسية للنظام السابق، وتبنيه سياسة «الانفتاح الاقتصادى»، استجابة لتوجيهات البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، وغيرهما من المؤسسات المالية الرأسمالية الشبيهة، واتجاهه للتحالف مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربى، وعقد الصلح المنفرد مع «إسرائيل»، دخلت المنطقة مرحلة جديدة، استهدفت من خلالها الإمبريالية العالمية ـ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية- تفكيك وتحطيم كل مراكز المقاومة لمنظومة الاستغلال والنهب الرأسمالى، والتى لا تقبل إلا بالخضوع والتبعية الكلّية لاستغلال وهيمنة المراكز الغربية المتقدمة!.


كانت اتفاقية «سايكس – بيكو» قد جسّدت توازن القوى العالمية السائد فى مفتتح القرن الواحد والعشرين، بناء على حقائق ومواضعات ونتائج الحرب العالمية الأولى، التى شهدت تفوق الحلفاء، وعلى هذه المعطيات قام المنتصرون باقتسام مساحات كبيرة من الأراضى التى بسطت «الخلافة العثمانية» نفوذها عليها.


وقد شهد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى نهايات القرن الماضى وبدايات هذا القرن، تعاظم القدرات الأمريكية، على الصعيدين الاقتصادى والعسكرى، وهو ما انعكس فى نفوذ سياسى طاغٍ، خاصة بعد أن انفردت الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم كله، فى نظام أحادى القطبية، بعد سقوط «الاتحاد السوفيتى» فى بدايات عقد التسعينيات الماضى!.


ومرة أخرى فقد أصبح من الطبيعى فى عالم تحكمه توازنات القوى والمصالح، أن يتم إعادة تقاسم الفرص والمغانم والأسلاب، بحسب موازين القوى الجديدة، وبحيث تفوز الولايات المتحدة بحصة الأسد، فى المنطقة العربية، التى تمثل «رجل العالم المريض» فى مفتتح القرن الحادى والعشرين، حيث أصبحت مطمعاً للجميع، فى ظل أنظمة شائخة، معادية للشعوب، ضعيفة واستبدادية وتابعة، وطُرحت على طاولات البحث، منذ الربع الأخير للقرن العشرين، ومع أوائل هذا القرن، مجموعة من الخطط والمشاريع، والاقتراحات والاجتهادات، تتسابق جميعها فى تقديم التصورات لمستقبل هذه المنطقة، التى يجمعها السعى إلى تقسيم المقسّم وتجزيء المُجزأ، بهدف تحويل بلدان المنطقة إلى شظايا متناثرة، يسهل التهامها، واستنزاف مواردها، وممارسة كل أشكال النهب لثرواتها، وفرض الهوان والاستتباع على شعوبها!.


وعلى الرغم من استبعاد البعض لإمكانية تحقيق هذه الأفكار، التى يبدو بعضها مفارقاً لدى المطالعة الأوّلية، أو مستحيل التنفيذ، إلا أن التجربة تشير إلى أن ما يبدو فى بعض الأحيان غير ممكن الحدوث، أو غير مقبول، يصبح واقعاً مع اكتمال عناصره، وانتهاء مراحل الاستعداد والتمهيد لفرضه، ولنا فيما حدث بالنسبة للعراق، الدولة الكبيرة العريقة، درساً لا يجب أن يغيب عن أنظارنا، حيث تم التمهيد لغزوه عام ٢٠٠٣، واحتلاله وتقسيمه، بذرائع واهية، مُختلقة، اعترف بها «تونى بلير»، رئيس الوزراء البريطانى الأسبق، حين صرّح فى مقابلة تلفزيونية أنه: «يعتذر عن أخطاء» وقعت فى غزو العراق، منها «عدم صواب الأدلة الاستخبارية»، التى استخدمت كمبرر للحرب، وفى مقدمتها «وجود أسلحة دمار شامل»، وكذلك «سوء تخطيط» أمريكا وبريطانيا لمرحلة ما بعد سقوط النظام العراقى! .


فتحت وطأة الضربات الغادرة التى كالتها الإمبريالية الأمريكية وحلف الناتو، سقطت العراق تحت نير الاحتلال الأمريكى، ويتم تنفيذ مخطط تفتيتها إلى دويلات طائفية وإشعال نيران الحرب الأهلية فيه، كما يتعرض الشعب الفلسطينى لعدوان دموى مستمر غير مسبوق فى مداه وجرائمه، ويتم تدمير لبنان ببنيته الأساسية ومنازله، وطرقه وجسوره، ومصانعه ومحطات الطاقة فيه، كل بضع سنوات، وتتهدد السودان، بعد تقسيمه، نُذر الحرب الأهلية والتدخل الأجنبى، وواجهت سوريا وشعبها، وكذلك اليمن وليبيا، التهديدات المباشرة والعدوان المدفوع، وتعيش أغلب دول المنطقة تحت وطأة الإحساس بالحصار والاستهداف.


وعلى مستوى آخر، تُعَدُ العدة للانقضاض على إيران، بينما تم احتلال أفغانستان بشكل كامل، ويتم شن حملة تشويه هائلة لـ»شيطنة” الإسلام والمسلمين والعرب، وذمهم بكل الأوصاف الشريرة، تمهيداً لإقناع العالم بمبررات توجيه الضربات القاصمة لهم ولبلادهم.


وفى هذا السياق تبرز مشاريع تدمير المنطقة التاريخية، وتفتيت دولها، وتفكيك شعوبها ووحدتها، وإعادة رسم خرائطها على النحو الذى يخدم المصالح الأمريكية والصهيونية والغربية الاستعمارية.


يفرض هذا الوضع علينا، فرضاَ، مهمة التحرك بسرعة لمواجهة ما يحيط بنا من تحديات ضخمة تهدد وجودنا التاريخى، وأجيالنا القادمة، ومصالحنا وثرواتنا.


إن شرط إنجاز هذه المهمة الملحة بنجاح، يقتضى فهماً عميقاً لأبعاد ما يخطط لنا من خطط، وما يحاك لنا من مؤامرات، وهو ما سنحاول فى الصفحات القادمة طرحه، ليس من باب تبنى خطط الترويع والتهويل، ولا من واقع الإيمان النهائى بقدرة أعدائنا على تنفيذ مشيئتهم، ولكن انطلاقاً من الإيمان بمقولة الاستراتيجى الصينى العظيم « صن تزو «: “اعرف عدوك تكسب نصف المعركة مُقدماً».


المخطط الصهيونى لتمزيق الوطن العربى


«خطة إسرائيل فى الثمانينيات»


مشروع «عوديد ينون»


قدم هذه الوثيقة الصحفى الإسرائيلى عوديد ينون (Oded Yenon)، موظف وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق، ونشرت فى مجلة (Kivunim)، الصادرة عن «إدارة الاستعلامات بالمنظمة الصهيونية العالمية”، أوائل الثمانينيات، وترجمها من العبرية إلى الإنجليزية الكاتب والحقوقى الإسرائيلى الراحل «إسرائيل شاحاك»، وفيما يلى عرض موجز لأبرز ما تضمنته هذه الوثيقة:


تبدأ الوثيقة بتوصيف الواقع العربى الراهن – من وجهة نظر مُعـديها – باعتباره عالماً يموج بـ»أقلياته العرقية وانقساماته وأزماته الداخلية المدمرة للذات، بشكل يثير الدهشة، كما نرى فى العراق ولبنان، وفى إيران غير العربية، وأيضاَ فى سوريا”.


فهو عالم غير قادر على معالجة مشكلاته الأساسية بنجاح، ولا يشكل – لذلك - خطراً حقيقياً على دولة إسرائيل على المدى القريب، ولكنه على المدى البعيد لن يستطيع هذا العالم البقاء داخل إطاره الحالى فى المنطقة التى تحيط بنا دون المرور بتغيرات ثورية حقيقية، فالعالم المسلم العربى مثل بيت مؤقت بنى من أوراق لعب، قام بترتيبها لاعبون أجانب (فرنسا وبريطانيا فى العشرينيات) دون أن يأخذوا واقع السكان فى الحسبان، لقد تم تقسيم العالم العربى – كما تقول الوثيقة – إلى ٢٢ دولة (حتى وقت إعدادها)، كلها تتكون من خليط من الأقليات والتجمعات العرقية التى تعادى بعضها بعضاً، لدرجة أن كل دولة مسلمة عربية تواجه الآن تخريباً عرقياً من الداخل.


فدولة المغرب، حسب الوثيقة، تقوم على خليط من العرب والبربر، والجزائر تعانى من حرب أهلية فى جبال القبائل، والإسلام «الراديكالى” يهدد وحدة تونس، وينظم القذافى (السابق) من ليبيا، الحروب التخريبية، والسودان ممزقة إلى أربع مجموعات متعادية (العرب السنة - الأفريقيون - الوثنيون - المسيحيون)، أما مصر فتواجه تخوفات من احتمال سعى نحو سبعة ملايين مسيحى لتحقيق رغبتهم فى إقامة دولة لهم(!)، أما إمارات الخليج والكويت والسعودية فهى أشبه ببيتٍ واهٍ من الرمال، يعيش فيها أغلبية شيعية محرومة فى ظل السلطة المحكومة بالطائفة السنية، والأردن تحكمه أقلية بدوية أردنية، فيما يرجع معظم عناصر الجيش والبيروقراطية إلى أصول فلسطينية، ولبنان ممزق بين طوائفه مفتقد لقوة مركزية تضبط أموره... إلخ.


وحال الدول الإسلامية ليس بأفضل من حال الدول العربية، كما تقول «الوثيقة”، فإيران ونصف سكانها من الناطقين بالفارسية والنصف الآخر من عرق تركى، وتركيا سكانها من أغلبية مسلمة سنية (حوالى ٥٠ ٪) وأقليتان كبيرتان: ١٥ مليون شيعى علوى، و١٢ مليون سنى كردى، وفى أفغانستان هناك ٨ ملايين سنى شيعى يشكلون ثلث السكان، وفى باكستان السنية هناك ١٥ مليون شيعى (حسب إحصاءات تلك الآونة) يهددون وجود هذه الدولة ذاتها.


أما مصر، أكبر الدول العربية، فالنظرة إليها تنضح بالكُره والعداء، فهى، حسب توصيف «الوثيقة”، فى «أسوأ موقف حيث الملايين على أرصفة الشوارع، ونصف قوة العمل عاطلة، والسكن نادر فى منطقة من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان، وباستثناء الجيش فليس هناك هيئة أخرى تعمل بكفاءة، والدولة المصرية فى حالة إفلاس دائم، وهى تعتمد بشكل كامل على المعونة الخارجية الأمريكية ومساعدات السعودية والخليج».


“لقد هدمنا أسطورة مصر كقائد قوى للعالم العربى فى ١٩٥٦، وانتهت تماماً فى ١٩٦٧، كما أن قيمة مصر بالنسبة لإسرائيل والعالم العربى تضاءلت بنسبة ٥٠ ٪ منذ ١٩٦٧، ولم تعد مصر القوة السياسية القائدة للعالم العربى»!.


وعلى الرغم من أن هذه المنطقة تحظى بأضخم تراكم مالى ونفطى فى العالم، إلا أن «الوثيقة” ترصد التناقض الكبير بين مجموعات قليلة فاحشة الثراء وجماهير غفيرة من المعوزين والفقراء، الأمر الذى يهدد بلدان هذه المنطقة بمخاطر التفجرات الداخلية الخطرة (مثل أحداث مكة سنة ١٩٨٠).


إن هذا الوضع المؤسف والعاصف الذى يحيط بـ»إسرائيل”، “يضع التحديات أمامها لكنه يتيح لها أيضاً، وللمرة الأولى منذ ١٩٦٧، فرصاً بعيدة الأثر، حيث تصبح الفرص التى أهدرت آنذاك قابلة للتحقق فى القرن الواحد والعشرين، وإلى مدى وبأبعاد لا يمكن تخيلها اليوم”.


وتطرح «الوثيقة” خطتها المقترحة للمرحلة القادمة، على النحو التالى:


أ- «تقسيم مصر جغرافيا إلى مناطق إقليمية على أساس الشقاق المسلم - المسيحى، بإيجاد دولة مسيحية قبطية فى صعيد مصر، مما يتيح استعادة شبه جزيرة سيناء بثرواتها الحالية والمتوقعة وبالذات من النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى».


ب - وسيترتب على تقسيم مصر لحاق دول مثل ليبيا، والسودان، وحتى دول أكثر بعداً بحالة السقوط والتفسخ، حيث سينشأ عدد من الدويلات الضعيفة المفتقدة للحكومة المركزية.


جـ - ولبنان مرشح للانقسام إلى مجموعة أقاليم على أساس طائفى (سنى - شيعى - درزى - مارونى - .....).


د - أما «سوريا” فينبغى – حسب رؤية «الوثيقة” - تقسيمها إلى وحدات عرقية أو دينية، مثل ما قد يحدث فى لبنان، على أن يقيم الدروز دولتهم أولاً، ربما فى الجولان التابع لنا، وبالتحديد فى حوران وشمال الأردن وجبل لبنان».


هـ - والعراق - حسب «الوثيقة» - «مرشح مضمون لأهداف إسرائيل وتقسيمه أكثر أهمية لنا من تقسيم سوريا، فالدولة العراقية، فى المدى القصير، هى التى تشكل التهديد الأكبر فى إسرائيل، لكن حرباً عراقية سوف تمزق العراق وتؤدى إلى سقوطه داخلياً. إن تقسيم العراق على أسس دينية عرقية ممكن، هكذا تقوم ثلاث دول (أو أكثر) حول المدن الرئيسية الثلاث: البصرة وبغداد والموصل، وتنفصل المناطق الشيعية فى الجنوب عن السنية والكردية فى الشمال».


و - و»شبه الجزيرة العربية” مرشح بالكامل للتفسخ بسبب الضغوط الداخلية والخارجية، والأمر حتمى بالنسبة للعربية السعودية بشكل خاص.


ز - وفيما يخص الأردن «فهو لا يملك فرصة للاستمرار ببنائه الحالى لوقت طويل، وسياسة إسرائيل يجب أن توجه نحو تصفية الأردن بنظامه الراهن، ونقل السلطة للأغلبية الفلسطينية،.... فلا كيان ولا أمن للفلسطينيين إلا فى الأردن».


ح - أما بالنسبة لفلسطين فإن طرد السكان (العرب)، ودفعهم إلى خارج الحدود، لبناء دولة يهودية خالصة، هو هدف استراتيجى داخلى على درجة عالية من الأهمية، “فإذا لم نصبح الأغلبية فلن نحكم البلاد، وسنكون كالصليبيين الذين فقدوا هذا البلد الذى لم يكن بلدهم على أى حال».


ط - وفيما يخص إسرائيل، فإن عليها تطوير القدرات العسكرية والنووية، ومنع دول الشرق الأوسط نهائياً من امتلاك القوى النووية، وسيكون عليها خلال القرن الواحد والعشرين أن تقوم بتغييرات بعيدة الأثر فى كيانها السياسى والاقتصادى الداخلى،..... ويجب أن يكون واضحاً، فى أى موقف سياسى أو اتفاق عسكرى مستقبلاً، وأن حل المشكلة لن يتم إلا إذا اعترف العرب بحق إسرائيل فى الوجود ضمن حدود آمنة، حتى نهر الأردن وما بعده، لأن هذا أمر حيوى لوجودنا ذاته فى الحقبة العصيبة، الحقبة النووية التى ندخلها، ولن نسمح لأعدائنا بامتلاكها.


واللافت فى هذا النص أن الرهان الإسرائيلى على الصدام السنى – الشيعي، هو رهان قديم، وأن العمل الحثيث على تغذية الخلافات والانقسامات السياسية يقع فى صلب السياسة الإسرائيلية التى ارتكزت إلى التنوع الطائفى والمذهبى فى عدد من الدول العربية لضرب الاستقرار أو لتوقع انهياره.


«الشرق الأوسط الجديد»


من إسرائيل «الكبرى» إلى إسرائيل «العظمى»


مشروع «شيمون بيريز»


تعددت السبل والغاية واحدة، فهدف المشروع الإمبريالى - الصهيونى، بالأساس هو الهيمنة على شئون المنطقة، والسيطرة على ثرواتها ونهب خيراتها.


فى لحظة تاريخية معينة يكون اللجوء للقوة المسلحة وسيلة ناجعة، فتستخدم هذه الأداة بضراوة وعدوانية قل أن يكون لها نظير، وفى لحظة أخرى - مع المتغيرات الجديدة - بعد سقوط الاتحاد السوفييتى السابق، وتشكل العالم أحادى القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وعقب مشروع التسوية الفلسطينى - الإسرائيلى الذى تم برعاية العرّاب الأمريكى فى أوسلو (أوائل التسعينيات)، بدا من المناسب بناء «نظام إقليمى جديد”، تقوده إسرائيل اقتصادياً، تحقيقاً لرؤية «إسحاق رابين»، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، الذى سخر من معارضيه الليكوديين، ومن ضيق أفقهم، قائلاً: «إن هؤلاء يقيسون قوة إسرائيل بمساحة ما تستولى عليه من أراضٍ، أما نحن فنقيس قوة إسرائيل بمساحة ما نسيطر عليه من أسواق» ، دون أن يعنى ذلك التخلى عن خيار العنف والعدوان بأى صورة من الصور.


ولتحقيق هذه الغاية صمم شيمون بيريز لـ»الشرق الأوسط الجديد” عام ١٩٩٤، حيث نشره فى كتاب شهير بنفس العنوان، والهدف الرئيسى من ورائه، أن تكون المنطقة سوقًا اقتصادياً مفتوحاً، على امتداد رقعة هائلة تضم دولاً «شرق أوسطية” وأخرى عربية، وتلعب فيه إسرائيل دور المايسترو، المدير والقومسيونجى، والبنكير أيضاً، فكرة عبقرية تسيل لعاب اليهودى البارع الذكاء، وأيضاَ تجر قطاعا من مواطنى هذه المنطقة الطامعين بالفوز بنصيب من فتات عوائد هذا المشروع ولو على حساب شعوبهم وأوطانهم.


إن الوصول إلى هذا المسعى يقتضى إنجاز تسوية مع منظمة التحرير الفلسطينية (بعد أن تم تطويعها) من أجل تحقيق غايتين إسرائيليتين أساسيتين:


أ – التخلص من «مأذق الانتفاضة”، المتفجرة فى تلك الآونة، والتى - كما يعترف بيريز - “تعرض جيش الدفاع الإسرائيلى إلى مصاعب لا سابق لها».


ب – التخلص من «مأذق غزة”، التى لا يريدها أحد، “فقطاع غزة الذى يشغل مساحة ٣٦٥ كيلو متراً مربعاً، وبنفوس تقارب ٨٠٠ ألف نسمة، ليست أرضنا، فهى ليست مكتظة فحسب، بل تسجل الرقم القياسى فى العالم من ناحية الكثافة السكانية، وهو إضافة إلى تفجره بأعمال الثورة والعنف، يمثل خطراً على التكوين الديموجرافى للدولة... وهو وصفة مؤكدة للغليان القومى والمدنى الذى سينتهى إلى راديكالية متعصبة معادية للسلام والديموقراطية».


أما عناصر هذا المشروع فيقترحه «شيمون بيريز» على النحو التالى:


إطار سياسى جديد للمنطقة، يطفئ «نيران التطرف الدينى، ويبرد رياح الثورة الساخنة”، بإنشاء «منظمة تعاون إقليمية”، تتحرك على أساس «قاعدة فوق قومية”، من أجل تحقيق الأمن القومى عبر إقامة «نظام إقليمى للرقابة والرصد”، لتحقيق قدراً معقولاً منه، حيث غدت المفاهيم التقليدية للاستراتيجيات العسكرية، بالية بعد حرب «عاصفة الصحراء”، وبدلاً من «توازن الرعب”، “فإن التحالف الإقليمى سوف يساعد على منع طرف ما من الضغط على الزر المهلك الذى لا يبقى ولا يذر».


إطار اقتصادى، يصوره بيريز فى صورة «هرم ثلاثى الأضلاع”، للتعاون الإقليمى، يتضمن:


مرحلة أولى: مشاريع ثنائية، أو متعددة القومية، مثل إنشاء معهد أبحاث مشتركة لإدارة الصحراء، أو مصالح تعاونية لتحلية المياه... إلخ، والخطط الإسرائيلية لهذه المرحلة جاهزة، حتى مع الدول التى لم ترتبط مع الدولة الصهيونية باتفاقات صلح، « فلإسرائيل - كما يذكر بيريز - برامج اقتصادية، وبرامج أبحاث مشتركة مع مختلف البلدان التى لم نوقع معها معاهدات سلام بعد”!


مرحلة ثانية: وتتولى فيها «كونسورينمات” دولية المشاريع التى تتطلب استثمار رأس مال هائلة، بإشراف البلدان ذات العلاقة فى المنطقة، ومن نماذج هذه المشاريع: قناة البحر الأحمر - البحر الميت - إنشاء ميناء إسرائيلى/ أردنى/ سعودى - تطوير الطاقة الكهرومائية - مشاريع تحلية المياه - تطوير صحراء النقب...


وفى كل هذه المشاريع تلعب إسرائيل الدور الرئيسى فى التخطيط والتنظيم والقيادة، بينما تتولى الدول العربية النفطية جانباً مهماً من التمويل، وتقدم الدول العربية كثيفة السكان – كمصر – الأيدى العاملة الرخيصة، لصالح سوق اقتصادى إقليمى واسع موحد يضم نحو ٢٥٠ مليون نسمة، خاضع للهيمنة الأمريكية والصهيونية.


إن هذه التطورات الاقتصادية – كما يزعم بيريز - شرط ضرورى لتحقيق تقدم اقتصادى فى دول المنطقة ورفع مستوى المعيشة فيها، ولتخفيف التوترات فى بلدان «الشرق الأوسط» ولسحب الأرضية من تحت أقدام «الاتجاهات الأصولية”، التى تنتعش فى ظل البؤس الاجتماعى والسياسى.


وفى صلب هذا المشروع البيريزى تأتى المطامع الصهيونية فى المياه العربية، فلعلاج الشره الإسرائيلى للمياه وعجز مصادر المياه (المسروقة) عن تلبية حاجات الدولة الصهيونية، يعتبر مشروع «شيمون بيريز» أن المياه فى «الشرق الأوسط»: «هى ملك للمنطقة” بأكملها، ويجب أن تنشأ «هيئة إقليمية» مختصة بهذه القضية لـ»نقل المياه من المناطق التى تحظى بوفرة منها، إلى المناطق التى هى فى أمس الحاجة إليها» (إسرائيل يقصد).


فالدولة الصهيونية - تعتبره حسب نص بيريز - أن لها حقاً صراحاً فيما تحتاجه من مياه أياً كان اسم الدولة التى تملكها، ومن الأفضل أن يتم ذلك طواعية، وإلا فإنها الحرب لا محالة، إن الحرب من أجل المياه – فى هذا المنظور- هو عنوان الفترة القديمة، ونقطة الماء تعادل نقطة دم لا أقل، وبنص كلمات بيريز: «يصعب القول بأن الاستقرار والهدوء سيعودان إلى دلتا النيل، أو الهلال الخصيب، وإذا لم تبرم إسرائيل السلام مع سوريا ولبنان والأردن، فإن حوضى اليرموك والأردن قد يصبحان مجدداً مصادر للأعمال العدائية الخطيرة».


إن «الشرق الأوسط الجديد بهذا المعنى هو شرق أوسط تضيع فيه الهوية العربية، والقومية، لصالح هوية ممسوخة «شرق أوسطية” بلا ملامح مشتركة أو جذور واحدة، وهو - فى نهاية المطاف - شرق أوسط إسرائيلى، خاضع للهيمنة الصهيونية، وهى رغبة إسرائيلية معلنة عبر عنها «إسحاق رابين» - رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق - فى المؤتمر الاقتصادى بالدار البيضاء (المغرب) عام ١٩٩٤:


“لقد جربتم (أيها العرب) قيادة مصر لكم على مدى الخمسين عاماً الماضية، وانظروا إلى أين قادتكم، وانتظروا قيادة إسرائيل فى الخمسين عاماً القادمة، وستشاهدون إلى أين ستذهب بكم»!.