أزمة حلايب وشلاتين (٣-٥) حينما كانت أزمة الحدود المصرية السودانية فى ذروتها

18/05/2016 - 11:55:35

د. جمال شقرة

الحدود بمفهومها الحديث تعنى الفصل والحجز والمنع من الاختلاط، وتُحدد الحدود السياسية الأراضى التى تُمارس عليها الدولة سيادتها وتخضعها لسلطانها، ويكون لها حق الانتفاع بها واستغلالها، ويدخل فى ذلك النطاق الأرضى والبحرى والجوى. وتثير الحدود السياسية الكثير من المشاكل بين الدول، ويعود هذا إلى أن الدول ذات المطامع الإقليمية تعمل على زيادة مساحتها ومواردها وإمكانياتها بزحزحة الحدود السياسية بينها وبين جيرانها.


عندما تأكدت الحكومة المصرية أن تقسيم الدوائر الإقليمية لمجلس النواب السوداني لسنة ١٩٥٧، المحدد للدوائر الانتخابية السودانية، قد أدرج المناطق المصرية ضمن هذه القوائم في محاولة لتغيير الوضع القائم “Status Quo” صدر الأمر إلى السفير المصري في الخرطوم “سيف اليزل خليفة” بتقديم المذكرة المُعدة سلفاً، إلى وزير خارجية السودان وذلك في اليوم الأول من شهر فبراير ١٩٥٨.


ولقد لفتت المذكرة نظر الحكومة السودانية إلى عدم شرعية القرار الذي اتخذته بإدخال بعض مناطق الحدود الإقليمية المصرية ضمن دوائرها الانتخابية، وطالبتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لتسليم شئون الإدارة في المنطقتين التاليتين إلى الإدارة المصرية:


١. المنطقة الواقعة في الصحراء الشمالية الشرقية من السودان وتشمل حلايب وما حولها.


٢. المنطقة الواقعة شمال خط ٢٢ شمالاً، وتشمل الأرض الممتدة شمال مدينة وادي حلفا، وتقع داخلها قرى “سرة ودبيرة وفرس وغيرها”.


كما أبدت المذكرة استعداد الحكومة المصرية لتسليم السودان منطقة في حدود السودان الشمالية سبق أن اقتطعت من السودان وأضيفت إلى مصر وأشارت أيضاً إلى التطور التاريخي للحدود منذ عقد اتفاقية ١٨٩٩ وحتى استقلال السودان ١٩٥٦، وذكرت أنه بعد استقلال السودان لم يعد هناك مبرر لبقاء وضع غير مستقيم ولا متفق مع طبائع الأشياء في وقت أصبح لكل من مصر والسودان من الكفاءة والإمكانيات بحيث يستطيع أن يدير كل إقليمه وأن ينظم شئون رعاياه بغير ما داع إلى أن يتحمل أحد البلدين ما يجره هذا التدخل في السيادة السياسية، والولاية الإدارية من ارتباك..”.


وأوضحت المذكرة “انعدام الأصوبية الإدارية التي من أجلها خضعت الأراضي المصرية للإدارة السودانية”، فلم تعد مناطق القبائل بمحددة للحدود السياسية للدولتين، وليس من مانع ذي وجاهة يمنع من أن يخضع أبناء قبيلة واحدة - بحسب إقامتهم - كل لسيادة الدولة التي يقيم على رقعتها..”.


وتناولت المذكرة أيضاً الجانب القانوني فأشارت إلى أنه “مما لا شك فيه أن القرارات الإدارية المُنظمة لإدارة هذه المناطق ليس في إمكانها أن تعدل من اتفاقية دولية، وطبيعي في نفس الوقت أن وضع اليد بصفة الإدارة لا يُكسب حقاً من حقوق السيادة أو الملكية مهما تقادم الزمن ...”.


ومع أن السفير المصري “محمود سيف اليزل خليفة” قابل وزير الخارجية ورئيس الوزراء السوداني في نفس اليوم الذي سلم فيه المذكرة، فإن مصر لم تتلق رداً عليها وإن كانت النوايا السودانية قد اتضحت من الوهلة الأولى في الرد الشفهي الذي أبلغه السفير المصري إلى حكومته حيث أخبره رئيس الوزراء السوداني أن “الأمر يحتاج لدراسة قد تؤدي إلى عرضه للتحكيم”.


واضطرت الحكومة المصرية إلى إرسال مذكرة ثانية، سلمها السفير المصري في الخرطوم لوزير الخارجية السوداني بالنيابة، في مقر مجلس الوزراء، يوم الخميس ١٣ فبراير ١٩٥٨، جاء فيها “أنه بمناسبة إجراء عملية الاستفتاء بشأن الجمهورية العربية المتحدة ورئيس الجمهورية يوم ٢١ فبراير ١٩٥٨، رأت الحكومة المصرية ممارسة منها لسلطاتها المقررة وإعمالاً لقواعد السيادة، أن يتيسر للناخبين في المناطق المصرية التي سبق أن أُلحقت إدارياً بالإدارة السودانية، سبيل الإدلاء بأصواتهم في هذا الاستفتاء، ومباشرة حقهم الانتخابي..”.


ولقد استقبل الجانب السوداني المذكرة الثانية، باستنكار شديد، واعتبرها بعض الوزراء “عمل عدائي” تقوم به مصر ضد السودان، وإنها لم تراع حقوق الجار “إنه ليس بجوار بل احتقار”. ولم تتلق الحكومة المصرية أيضاً ردا من الحكومة السودانية لذا أبلغت الحكومة المصرية رئيس الوزراء السوداني يوم ١٦فبراير١٩٥٨ بأنها: “سوف ترسل لجان الاستفتاء إلى المنطقة مصحوبة بقوة من بوليس الحدود المختص بالمحافظة على الأمن في مناطق الصحاري والحدود المصرية”.


يروي السفير المصري في الخرطوم، كيف استقبل رئيس الوزراء السوداني، المذكرة الثالثة بغضب، يقول: “ثار أولاً ميرغني حمزة، وقال: “إننا لم نتعود من مصر الشقيقة مثل هذا الإجراء، وإن كانت ستستخدم القوة وتضعنا أمام الأمر الواقع، فلتستعملها، وهنا قال رئيس الوزراء “عبد الله خليل” لنا قوات هناك، وإذا حصلت مصيبة فأنتم السبب..”.


ورداً على هذه المذكرة الأخيرة، أرسلت حكومة السودان مذكرة مطولة يوم ١٧ فبراير ١٩٥٨، أهم ما جاء فيها “إن حكومة جمهورية السودان، استقبلت هذا الإنذار باختراق حدود السودان عنوة تحت حراسة القوات المصرية، وإجراء الاستفتاء بكثير من الأسف وبكثير من الدهشة.. وإنها تُحمل حكومة جمهورية مصر كل النتائج المترتبة على عمل عدائي كهذا، كما تطالب حكومة جمهورية السودان، حكومة جمهورية مصر بأن تسحب فوراً أية لجان أو موظفين أو جنود سبق أن أوفدتهم إلى تلك المناطق..”. وانتهت المذكرة بالإشارة إلى أن حكومة السودان ما زالت مستعدة للدخول في مفاوضات حول هذا الموضوع في تاريخ يُتفق عليه بين الطرفين بعد الفراغ من الانتخابات السودانية”.


وفي نفس اليوم أبلغ رئيس الوزراء السوداني، وزير الداخلية المصري - تليفونياً - رغبته في تأجيل مسألة الحدود بين مصر والسودان حتى يتم إجراء الانتخابات السودانية كما قابل وزير الخارجية السودانية “محمد أحمد محجوب” الرئيس عبد الناصر والمسئولين في الحكومة المصرية، واقترح الجانب المصري في هذا اللقاء، تأجيل إجراء الانتخابات السودانية في المناطق المُتنازع عليها، حتى تتم مفاوضات بين البلدين بهذا الشأن. ولكن الحكومة السودانية لم توافق على هذا الاقتراح، وبالتالي لم ينته لقاء عبد الناصر- المحجوب، إلى أية نتيجة.


وربما تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية السوداني أصدر بياناً عن لقائه مع الرئيس عبد الناصر، نقلته وكالة رويتر، جاء فيه “إن مصر طالبت بمنطقة في شمال السودان. وإن القوات المصرية في طريقها لاحتلال هذه المنطقة، وإن مجلس الوزراء السوداني اجتمع أمس واتخذ قراراً حاسماً بتأييد سيادة السودان على هذه المنطقة”.


وفي نفس الوقت دفعت حكومة السودان ببعض قواتها داخل المناطق المُتنازع عليها كما أبلغت وجهة نظرها إلى جامعة الدول العربية وإلى ممثلي الدول العربية في السودان. وطالبت السودان الأمين العام للجامعة العربية بأن يبذل مساعيه الحميدة لتسوية الخلاف القائم بينها وبين مصر ولقد ردت مصر على أمين الجامعة العربية، بأنها باقية عند موقف المسالمة والأخوة وحسن الجوار.


وخلال الأسبوع الثالث والأخير من أيام الأزمة، نجح حزب الأمة في استغلال الأحداث لصالحه، حيث صور للشعب السوداني، أن مصر ستعتدي على الأراضي السودانية، وفجر المظاهرات في شوارع الخرطوم، وعلت الهتافات بسقوط مصر، واستنكر المتظاهرون السياسة الاستعمارية لمصر، وقاموا بتمزيق صور الرئيس عبد الناصر كما شنت الكثير من الصحف السودانية حملة عنيفة غير موضوعية ضد مصر، لدرجة أن البعض دعا جماهير الشعب السوداني إلى “التقدم نحو الشمال”(٨٢) وبدأت بالفعل عملية تسجيل أسماء المتطوعين للدفاع عن أرض الوطن. وأخذت إذاعة أم درمان تعبأ الجماهير، فكانت تذيع الأناشيد الوطنية والمارشات الحماسية، يتخللها بيانات عن العدوان المصري على الحدود السودانية وأخبار ما يدور من مظاهرات في الخرطوم، وتصريحات الوزراء، من ذلك تصريح وزير الشئون الاجتماعية “محمد أحمد أبو سن” الذي قال في مؤتمر صحفي “إن السودان رفض المذكرة المصرية بسحب القوات السودانية من حلايب، وإن السودان سيتخذ كل إجراء ممكن للمحافظة على حدوده.


كما أصدرت الأحزاب السودانية، خاصة : حزب الأمة، والشعب الديمقراطي والوطني والاتحادي عدة بيانات أعلنت فيها تمسكها بجميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السودانية جاء في واحد من بيانات حزب الشعب الديمقراطي أن “حدود السودان الجغرافية وحدة لا تتجزأ ولا يمكن أن يتساهل الحزب في شبر من أرضه.. ومع أن دستور الحزب ينص على تدعيم أقوى الصلات مع مصر الشقيقة إلا أن هذه الصلات ينبغي ألا تؤثر على الحقوق الدستورية لأي من القطرين.. وأبدى الحزب رغباته في أرجاء الأمر إلى ما بعد الانتخابات حتى تستطيع الدولتان الوصول إلى حل سليم يتفق مع المبادئ الدستورية والحقوق القانونية والعرف الدولي..” .


ولم يختلف بيان الحزب الوطني الاتحادي كثيراً عن البيان السابق “الحزب لا يسمح بالتخلي عن شبر واحد من أرض الوطن، ويطالب بحل الموضوع بطريق التفاوض الودي ومصر التي انتظرت قرابة الستين عاماً وأجرت انتخاباتها لرئاسة الجمهورية المصرية دون أن يضيرها عدم اشتراك المنطقة المتنازع عليها يمكن أن تتريث إلى ما بعد إجراء الانتخابات السودانية.. ويرى الحزب ضرورة أن يأمر الرئيس عبد الناصر بسحب الجنود المصريين فوراً ولجان الاستفتاء حفاظاً على وحدة الشعور والروابط المقدسة التي تربط بين الشعبين..”.


ولقد عبر “إسماعيل الأزهري” عن رأيه في برقية أرسلها إلى الرئيس عبد الناصر يوم ٢٠ فبراير ١٩٥٨، مؤكداً على أن “الأمر لا يفيد منه إلا الأعداء.. وراجياً عبد الناصر “في الإبقاء على الوضع السابق، حتى انتهاء انتخابات السودان، ومشيراً إلى “أن روح الأخوة والإخلاص المتبادلين كفيلة بتسوية الموضوع..”(٨٧). وفي تعليق للأزهري في الإذاعة قال: “إن حزبه لا يمكنه من عمل شيء في هذه المعمعة، وأن مصر عليها أن تتدارك الموقف على أساس البرقية التي أرسلها للرئيس عبد الناصر..”.


ولقد رد الرئيس عبد الناصر على برقية الأزهري بأن مصر حاولت تسوية الخلاف بالوسائل الودية، لكنها فوجئت بإذاعة أخبار عارية من الصحة تقول أن الجيش المصري يغزو السودان. وأنه يوافقه على أن إساءة العلاقات بين البلدين لا يفيد منه إلا الأعداء..”.


ومن ناحية أخرى، استغلت جماعة “الإخوان المسلمين” الفرصة، وأطلقت المظاهرات في شوارع الخرطوم، تندد بمصر وسياسة “جمال عبد الناصر”(٩٠) وعلى الطرف الآخر، هاجمت الصحف اليسارية سياسة “عبد الله خليل” وحكومته وأشارت إلى أنه حصل على ٣ ملايين جنيه من انجلترا وأنها تعهدت بشراء قطن السودان كله إذا ما نجح في الانتخابات، ولم تستبعد بعض فصائل اليسار المصري أن يكون “عبد الله خليل” قد استشار الدوائر الاستعمارية في الأزمة الأخيرة، بل لم تستبعد أن تكون إنجلترا وأمريكا وراء هذه الحركات المسرحية التي وضعت بين مصر والسودان.