أحدث إصدارات مركز الهلال للتراث وداعا عبد الحليم

18/05/2016 - 11:25:21

  الملايين في جنازة عبدالحليم حافظ الملايين في جنازة عبدالحليم حافظ

بقلم - عادل سعد

منذ ربع قرن أجريت هذا الحوار بمجلة الكواكب .


وقتها كان عبد الحليم قد رحل عن الدنيا منذ ١٤ عاما،وملامح بطل الحوار ذلك الرجل النوبى الأسمر تتخطى الستين عاما، لكنه ظل صامتا ويرفض الكلام عن الفن وعن عبد الحليم منذ وفاته.


لأول وآخرمرة تحدث عبد الحليم محمد سيد السفرجى الخاص بعبد الحليم حافظ والذى عاش إلى جواره ٢٣ عاما .


رفض الحاج عبد الحليم محمد سيد العديد من المغريات والعروض التلفزيوينة للكشف عن حياة وأسرار الفنان الراحل إلى أن جاء الوقت وشعر بالاستفزاز فقرر أن يتحدث عن ليلة وفاة عبد الحليم حافظ فى لندن وعن بعض جوانب رحلة الألم والمرض والفشل والنجاح وترجع أهمية هذه الشهادة عن عبد الحليم إلى أنها تأتى من الرجل الذى كان يرافقه طوال حياته وبواقع ١٦ ساعة يوميا على الأقل.


رحم الله الحليمان


.


سألته فى البداية عن أسرار هذا الصمت والامتناع عن الكلام ؟


قال : لأن ما يقال ربما ينفع وربما يضر ولهذا التزمت بالسكوت .


وما الجديد الذى يدفعك للكلام ؟


أريد أن اقول الحقيقة لان كل من هب ودب يتحدث عن عبد الحليم لدرجة أن البعض يقول أنه كان يتصنع المرض وكان صاحب مغامرات نسائية حتى بعد أن مات وكان الموت أيضا يحتاج إلى التصنع .


ولماذا تعتبر أن كلامك فى هذا الجانب مهم إلى هذه الدرجة ؟


لأننى الوحيد الذى كان يرى عبد الحليم بعد أن ينصرف الناس وعشت إلى جواره ٢٣ عاما وهو يعض أطراف السرير من شدة الألم وينام على سرير بدون وسائد بحيث يكون ارتفاع الرأس عن موضع القدمين ٣٠ سم على الأقل لأن أى إنحناء يعرضه للنزيف وكنت أحشو سريره بالخشب ليتحقق هذا الميل وكان لا يستطيع النوم على بطنه وإذا تقلب أثناء النوم ينزف هل هؤلاء يعرفون هذه الحقائق ؟


للأسف هناك كاتب لبنانى يقول أن عبد الحليم حافظ ضُبط فى شقته مع إحدى السيدات وهرب من السلم الخلفى وللأسف يقول هذا بعد أن مات عبد الحليم .


انت تدافع عن عبد الحليم إلى هذه الدرجة لماذا ؟


لأن عبد الحليم كان إنسانا وكان يحب أن يساعد الفقراء ويرسلنى إليهم بالمرتبات فى أول كل شهر ويرفض أن يرافقنى السائق حتى لا يعرف أحد أماكنهم.


وأنت ماذا استفدت من وجودك إلى جواره ؟


ماديا لا شئ ومعظم فترة عملى معه كانت فى وقت العزوبية وكنت أنفق كل ما معى ربما لأننى تأثرت بعبد الحليم الذى كان لا يضع أى اعتبار للمادة كسبت كثيرا إلى درجة أننى كنت أحصل أحيانا على ٥٠٠ جنيه بقشيش فى ليلة واحدة ولم أفكر فى المستقبل ولهذا أنا اليوم تعبان .


معنى هذا أنك لم تحقق أى شئ مادى من خدمته ؟


لا ... هذه الشقة التى أسكنها اشتراها عبد الحليم والأستاذ شوقى رضوان ابن خالته اسهم وتحرك لدى المسئولين حتى أحصل عليها أما الفلوس فقد دفعها عبد الحليم واشترى لى تليفزيون .


وحضر زواجك ؟


طبعا وهو الذى دفع التكاليف .


ورأى اولادك ؟


رأى محمد وابنتى زينب وكان يجئ هنا ويلاعبهم .


أين تبخرت ثروة عبد الحليم بعد أن مات ؟


الذى قال أن عبد الحليم كان غنيا شخص كذاب أقسم برب الكعبة عندما مات عبد الحليم حافظ كان هناك أفراد دفعوا تكاليف العلاج وأنا أعرفهم جيدا وما زالوا أحياء إلى الآن وهذه الأموال وصلتنى فى المستشفى وأعطيتها للأستاذ مجدى العمروسى وهو الذى سدد التكاليف وإلا كانت الجثة قد احتجزت هناك ويمكن ان تسألوه لكى يشهد على هذا .


أنت الوحيد من اهل المنزل الذى حضر وفاة عبد الحليم فى لندن كيف كانت هذه الليلة بالتحديد ؟


فى هذا اليوم انتشرت إشاعة بأن عبد الحليم حافظ مات كيف ومن أطلقها ؟ لا أحد يعرف،وفى المساء اتصل بنا العديد من الأصدقاء فى قلق ونصحوا عبدالحليم بقراءة بعض الآيات القرآنية .. كان عبد الحليم يستمع إلى هذه المكالمات وهو لا يستطيع أن يمسك بالسماعة لأن إحدى يديه معلق عليها حقنة جلوكوز والأخرى لا يستطيع أن يرفعها من كثرة الحقن وكنت أجلس إلى جواره وأضع السماعة على أذنه وبعد أن انتهت المكالمات اعتدل على السرير قليلا وأخذ يبكى فى حرقة وكانت أول مرة أراه يبكى بهذه الطريقة فقلت: “ مالك يا أستاذ ..” قال : “ياعبده أنا تعبت “ورفع عينيه إلى السماء وقال: “ يارب إما أن تشفينى أو تأخذنى “ ... فى الليل نام للمرة الأولى منذ شهر من الساعة العاشرة بتوقيت لندن إلى العاشرة من صباح اليوم التالى نوما عميقا كل هذا وأنا مستيقظ إلى جواره لتغيير جرعة الجلوكوز عندما تنتهى .. وفى الصباح استيقظ وكنت أول مرة أراه على هذه الدرجة من الإشراق وطلب أن يستحم ويغير جلبابه وأن أصفف له شعره .. وبعد قليل جاءت مدام نهلة القدسى فقالت بفرح : “ أنا اليوم سعيدة وسأمسك بالسرير بدلا من الخشب” فضحك وطلب أن تلتقط له صورة معها وصورتنى وأنا معه أيضا وبعد فترة انصرفت مدام نهلة وكان هذا موعد الحقنة السنوية وكانت الساعة الرابعة تقريبا بتوقيت لندن .. وأتذكر حتى لا يفوتنى شئ أن بعض الاطباء المصريين فى لندن كانوا يشعرون بخطورة حالته وان معظمهم اختفى فى شئ من الاهمال بحجة التعب وعلى اساس أن لا فائدة باستثناء الدكتور ياسين عبد الغفار الذى ظل إلى جواره إلى آخر لحظة وكان عبد الحليم يشعر بدلالة هذا الغياب رغم أن أحدهم لم يواجهه .


وقبل موعد الحقنة بقليل التفت ناحيتى وقال : “يبدو أن هذه آخر مرة أراك فيها يا عبده” كان بعض الاطباء قد حذروا من خطورة هذه الحقنة على حياته بعد أن تدهورت الكبد نتيجة للإهمال والإرهاق .. وأخذ الحقنة وعاد إلى غرفته وهو يتألم وأخذ يقول “ اه اه “ ويتوجع وجلست إلى جواره واعتقدت أنها بعض الآلام وتزول والتفت اليه لأخفف عنه لكننى رأيته يميل على أحد جوانب السرير ونزيف حاد جدا يندفع من فمه وخرجت أجرى على الأطباء الذين جاءوا جميعا أكثر من ثمانية أطباء يحقنونه بالدماء فى رقبته وقدميه ويديه وفى كل مكان يسمح بدخول الدم إلى جسده والغرفة تحولت إلى مذبح وإلى حركة صراع يائس بين الأطباء والموت إلى أن تراجع الدكتور المعالج ووقف على باب الغرفة ثوانى وبكى ورفع يده وعند ذلك توقف الأطباء وتركوا الجسد المسجى على السرير .


وقتها كانت الحاجة علية تقيم فى لندن لدى صديقة عربية وبعد موته غيرت ملابسه وجاءت الحاجة علية وللأمانة كانت أكثرنا تماسكا وإيمانا ودخلت عليه وقبلت رأسه ويديه وقالت : “ انت ياعبد الحليم إن شاء الله من أهل الجنة « قالتها ثلاث مرات وانحدرت دموع الرحمة من عينيها فقلت : “ واشياء عبد الحليم هذه ؟! .....” قالت : “عبد الحليم راح خلاص راح .”


ولم يكن مع عبد الحليم شئ يذكر بالفعل وان كنت أتذكر ذلك الخاتم البسيط الذى يشبه دبلة الخطبة وكان منقوشا بالنقط السوداء ومن الذهب وكان يتفاءل به ونزعت هذا الخاتم وأعطيته لشحاتة ابن خالته ورجعنا إلى مصر وظللت لا أقترب من ناحية البيت لولا الحاجة علية التى أصرت أن ترانى وذهبت إلى هناك مرات معدودة لأن أعصابى لا تتحمل أن أرى البيت والمكان وأن اتذكر كل شئ .